لم تفتح البوابة أمام كايل.
فتحت تحت قدميه.
انشق الحجر بينه وبين ميرا إلى دائرة سوداء، ثم ارتفع منها ضوء أزرق باهت كدخان معكوس. لم يكن هناك صوت انفجار، لكن الزنزانة كلها انكمشت للحظة، كأن القلعة أخذت نفساً عميقاً ثم ندمت عليه.
[بوابة طارئة فُتحت.] [الرواق غير المقاس: مدينة لور.] [المهمة الأساسية: أوصل حامل الشرارة الأخيرة إلى برج الجرس قبل أن تُؤخذ منه.] [المكافأة: أثر عائد واحد.] [الفشل: خسارة ختم العبور، وارتداد غير محدد.]
«كايل!»
صرخت ميرا حين بدأت الدائرة تسحب الحجارة الصغيرة نحوها. اندفع إليها ومد يده. أمسكت معصمه، لكن طوقها المعدني اشتعل بلون أحمر.
رنّ إنذار حاد.
خلف الباب الحديدي، صرخ الحارس. «سحر رواق! اقطعوا الطوق! الآن!»
لم يعرف كايل هل كان الحارس يأمر بقطع الطوق من رقبتها أو قطع رأسها معها. لم ينتظر ليعرف.
سحب ميرا بكل ما في جسده الجديد من قوة. كان جسد كايل فالتر ضعيفاً فعلاً؛ عظامه تؤلمه حتى من الحركة، ومانا مكسورة تصفر تحت جلده كزجاج متشقق. لكنها سقطت عليه، وعندما تلامست أقدامهما مع حافة الدائرة، ابتلعتهما البوابة.
اختفى السجن.
اختفى صوت الحارس.
واختفى زئير الوحش.
هبط كايل على ركبة واحدة فوق بلاط أبيض بارد.
رفع رأسه ببطء.
كانت السماء سوداء.
لا، لم تكن سماء. كانت قبة هائلة من حجر داكن، تمتد فوق مدينة كاملة صامتة. المباني حوله عالية ونحيلة، نوافذها مغلقة بألواح فضية، والشوارع مغطاة بطبقة من رماد أبيض ناعم. في كل زاوية علق مصباح زجاجي مطفأ، وعلى أبواب البيوت نُقشت دوائر حمراء تشبه أعيناً مغلقة.
كانت ميرا بجانبه، تسعل وهي تضغط على طوقها.
«أين… نحن؟»
قرأ كايل الكلمات التي ظهرت أمامه.
«مدينة لور.»
نظرت إليه. «وهل تعرفها؟»
«لا.»
صمتا لحظة.
ثم سمعا بكاء طفل.
جاء الصوت من زقاق ضيق إلى يمينهما. كان خافتاً، متقطعاً، وكأن صاحبه يحاول ألا يسمعه أحد.
تقدم كايل خطوة، فظهرت النافذة مرة أخرى.
[قانون الرواق الأول: لا تُشعل ناراً بعد دقة الجرس.] [الوقت حتى دقة الجرس: 23:41.] [حامل الشرارة الأخيرة قريب.]
«ماذا يقول نظامك؟» سألت ميرا.
نظر إليها. «كيف عرفت أنه نظام؟»
«لأنك تحرك عينيك كل مرة كأنك تقرأ شيئاً. ولأن الرواق لا يفتح لأي شخص مقيد في زنزانة.»
لم يحب كايل أنها تراقبه جيداً، لكنه أحب أنها لا تنهار. قال: «لدينا أقل من أربع وعشرين دقيقة. نبحث عن طفل، ونوصله إلى برج جرس. ولا نشعل ناراً.»
«هذا كل شيء؟»
«هذا كل ما حصلت عليه.»
«إذن نظامك بخيل.»
كاد يضحك، لكن بكاء الطفل انقطع فجأة.
ركضا إلى الزقاق.
كان ضيقاً بين مبنيين مائلين، تتدلى من أعلاهما حبال سوداء عليها أقمشة رمادية. في النهاية، رأى كايل طفلاً لا يتجاوز الثامنة، جالساً قرب باب خشبي. كان يحمل بين كفيه جرّة صغيرة متوهجة بلون برتقالي ضعيف. لم تكن ناراً كاملة، بل نقطة دافئة تتحرك كنبض داخل الزجاج.
وحوله وقف ثلاثة أشخاص بعباءات رمادية وأقنعة معدنية بلا أفواه.
أحدهم مد يده إلى الجرّة.
«سلّمها، يا جيرو. سوف تدفئك الذاكرة الجديدة.»
هز الطفل رأسه بعنف. «هذه ليست لكم. أمي قالت لا تسلموها لرجل القبو.»
تقدم كايل قبل أن يفكر.
صفّرت ميرا باسمه، لكن الرجال الثلاثة التفتوا إليه أولاً. لم تكن أجسادهم طبيعية. حواف عباءاتهم تذوب في الظل، وأصابعهم طويلة جداً، رمادية كأنها غُسلت في رماد بارد.
قال أحدهم: «غريبان.»
قال الثاني: «ورائحة بوابة.»
أما الثالث، فرفع رأسه ببطء وقال: «أعطونا الطفل، وسوف نشتري منكما طريق العودة.»
أحس كايل بأن الجملة مصنوعة لتخيفه.
«من أنتم؟»
«نحن من يتذكر.»
انطلقت يد الرجل فجأة.
لم يكن لدى كايل وقت لتراجع أو خطة. دفع ميرا نحو الجدار، ثم اندفع إلى الأمام. لم يحمل سيفاً، فقط سلسلة القيد التي انتزعها معه من الزنزانة. لفها حول معصمه وضرب يد الرجل.
اصطدمت السلسلة بالرماد بدلاً من اللحم.
انقسمت اليد إلى عشرات خيوط دخان، التفّت حول عنقه.
اختنق كايل. كانت الخيوط باردة، لكنها لا تخنقه فقط؛ تسللت إلى رأسه. رأى لحظة حادثه من جديد: مصباح الشاحنة، صراخ الفرامل، كيس الحساء وهو ينفجر على الإسفلت. ثم رأى أمه تقف في غرفة المستشفى، رغم أنها لم تصل إليه في تلك الليلة.
«خذها.»
قال الصوت داخل رأسه.
«أعطنا الشرارة، وخذ ذكرى لا تؤلمك.»
ركل كايل الحائط، محاولاً التنفس. كان يعرف أنه كذب. أي ذكرى لا تؤلم الآن ستكون ذكرى ناقصة لاحقاً.
ظهرت ميرا من طرف بصره. لم تجرِ. أمسكت حجراً من الأرض وضربت يد الرجل عند المفصل. لم تؤذه، لكنه تراجع لحظة كافية.
سقط كايل على ركبتيه وأمسك السلسلة.
[تحذير: الخصوم من جامعي الذكريات.] [المواجهة المباشرة غير موصى بها.] [اقتراح: اصنع فرصة.]
«رائع.» همس كايل. «حتى في العالم الثاني، النصائح غامضة.»
حمل الطفل الجرّة إلى صدره، وعيونه تلمع بالدموع.
قالت ميرا بسرعة: «المصابيح. كلها مطفأة.»
«ماذا عنها؟»
«هؤلاء يتبعون الذكريات. ربما الضوء الحقيقي يؤذيهم… أو يجذبهم. لا أعرف.»
«ممتاز. احتمالان سيئان.»
رنّ صوت بعيد.
دقة واحدة.
تجمدت المدينة.
انطفأت حتى الشقوق الصغيرة في السماء الحجرية. ثم بدأت الدوائر الحمراء على الأبواب تفتح، واحدة بعد أخرى.
[دقة الجرس الأولى.] [قانون الرواق فعّال: أي لهب يُشعل بعد الآن سيستدعي حارس القبو.]
حدق الرجال المقنعون في جرّة الطفل. كان وهجها لا يزال موجوداً، لكنه بدأ يضعف.
قال أحدهم بلهفة: «الشرارة الأخيرة…»
في تلك اللحظة، فهم كايل شيئاً واحداً.
إذا أخذوا الطفل، فلن تنتهي المهمة فقط. ربما لن يجدوا طريق العودة. وربما ستأخذ هذه المخلوقات ذكرياتهم، واحدة تلو الأخرى، حتى لا يعرفوا لماذا دخلوا أصلاً.
شد السلسلة حول قبضته.
«ميرا.»
«ماذا؟»
«خذي الطفل واذهبي إلى البرج.»
«وأنت؟»
نظر إلى الرجال الثلاثة وهم يقتربون.
لأول مرة منذ مات، شعر بالخوف كاملاً. لم يكن خوفاً بطولياً ولا جميلاً. كان خوف شخص يعرف أن جسده ضعيف، وأن سلاحه سلسلة صدئة، وأن النظام الذي اختاره لا ينقذه.
لكنه ابتسم رغم ذلك.
«سأصنع فرصة.»
رفع السلسلة.
واندفع نحو أول رجل مقنع قبل أن تصل الدقة الثانية للجرس.