كنتُ جالساً على الكرسي، أُحدق في عقد العمل الموضوع أمامي بذهولٍ صامت، داخل غرفة بيضاء غريبة الشكل، بياضها ليس ناصعاً فحسب، بل كان يبتلع الظلال ويجعلك تشعر أن المكان بلا أبعاد.
أمامي، كان يجلس بجمودٍ تمثاليّ، بجسدٍ يبدو وكأنه نُحت من مادةٍ غريبة لا تنتمي للبشر؛ مادةٍ باهتة تمتص الضوء ولا تعكسه. الابتسامة على وجهه لم تكن مجرد تعبير وجه، بل كانت صدعاً عميقاً في لحمٍ شاحب، تبدو وكأنها فُتحت بآلة حادة لتكشف عن صفوفٍ من الأسنان البيضاء اللامعة بشكلٍ مستفز، والتي لم تكن تتحرك حتى وهو يُصدر ذلك الفحيح الهادئ من أعماقه.
أما الهيئة، فكانت تجسيداً للكابوس.
غياب النصف العلوي من رأسه جعل تلك الابتسامة هي المركز الوحيد لوجوده، الفراغ الذي يشدك إليه قسراً. كانت أذناه الطويلتان والمائلتان للخلف تبدوان كقرونٍ ضامرة، تتربصان فوق ذلك "الخندق" الفاغر الذي يمتد حيث يجب أن يكون الفم.
بدت بذلته الرسمية متقنة التفصيل بشكلٍ مريب، تتوسطها ربطة عنق حمراء زاهية كسر رصانتها دبوس غريب وساخر لقطة سوداء بعيونٍ دامية. ومع كل شهيقٍ منه، كان دبوس القطة السوداء يتحرك، وكأن العيون الدامية للقطة هي التي تنظر إليّ بدلاً عنه، تراقب ترددي أمام عقد العمل بتركيزٍ مفترس.
و كان صاحب العمل...
لقد كنت أوقع عقد عمل مع غير بشري.
فجأة، انبعث من تلك الفجوة التي تعلو فكه صوتٌ مائع، بدا وكأنه صدىً آتٍ من بئرٍ عميقة، مشوباً بحماسٍ لزجٍ لم يتناسب مع جمود جسده:
[ أوه! توقف لبرهة.. قبل أن تغمس قلمك في الحبر وتوقع مصيرك، دعني أُضيء لك العتمة قليلاً، فهناك تفاصيلٌ صغيرة.. لم تجد الأوراقُ متسعاً لها~ ]
شبك أصابعه الشاحبة الطويلة فوق الطاولة، ومال بجذعه نحوي حتى كدت أسمع طقطقة عظام رقبته المفقودة:
[ كما تعلم، شركتنا كيانٌ عابرٌ للأبعاد، متعددُ الأغراض.. نحن نصمم الواقع وفقاً لما يشتهيه الزبون! ]
كانت نبرته تتأرجح بين الجدية القاتلة والعبثية، وكأن يلقي محاضرةً في إدارة الأعمال وسط مسلخ:
[ زبائننا غريبو الأطوار، فهناك من يطلب قرابين بشرية تليق بطقوسهم الدموية، وهناك من يلهث خلف رفيقٍ أبدي.. كيانٍ يلتصق بظله ويعيش في أنفاسه حتى يختنقا معاً في القبر! ]
صمت فجأة. شعرت ببرودةٍ تخترق عظامي حين لمحتُ وميضاً ضوئياً مريباً ينبثق من العدم، في الفراغ حيث يُفترض أن تكون عيناه، كأنهما ثقبان أسودان اشتعلا فجأة، ثم أكمل:
[ لكن هناك فئة خاصة، يطلبون ترويجاً لقصصهم الخاصة.. قصصٌ لم تكتبها الأقلام، بل عاشتها الأرواح في زوايا النسيان.. وهذا، يا صديقي، هو "محرابُ" عملك! ]
قهقهةٌ مكتومة، أشبه بكسر الزجاج، خرجت من الخندق الفاصل بين أذنيه:
[ ستزور حكاياتهم، تنسلّ داخل مساراتها، وتتذوق جوهرها المرّ كأنك جزءٌ من نسيجها. ستعمل هناك كغريبٍ مؤقت، لتقرر بدمك وعقلك: هل تستحق هذه المعاناة تقييماً عالياً؟ وطبعاً، نحن شركةٌ تفيضُ بالنزاهة؛ الذهب والنفوس التي نقبضها من الزبائن لا تلوث حيادنا.. فنحن لا نقبل الرشاوي، نحن نقبل الحقيقة فقط! ]
أمال رأسه الناقص بزاوية حادة لا يمكن لعنق بشري أن يتحملها، وكأن فقراته فُقدت هي الأخرى مع نصف رأسه العلوي، ثم نفث بلهجة يقطر منها خبثٌ لزج:
[ وبالطبع.. لهذا العمل الاستثنائي مزايا تليق بمقامك! ]
تحرك دبوس القطة السوداء على صدره وكأن عيونها الحمراء اتسعت بفضول مفترس وهو يكمل:
[ الأجر.. آه، الأجر! بما أنك بشري، فهذا يضعك في مرتبةٍ أرفع من بقية موظفينا.. الأشياء الأخرى هنا تفتقر لذلك المنطق البارد الذي تملكونه. عقلك السليم هو ضمانتك، فاحتمال خسارتك في وقت مبكر يكاد يكون مستحيلاً.. أليس كذلك؟ ونحن نقدر غلاء أثمان حيواتكم الفانية، لذا سيتضاعف الأجر مع كل "خطر" يداهم أنفاسك.. فما قولك في هذا السخاء~؟ ]
كان حديثه يبدو منطقياً في سياقٍ إداري، لكن نبرته كانت توحي بشيءٍ أعمق وأكثر رعباً؛ فالمخلوقات التي تدرك الفوارق الجوهرية بينها وبين البشر، وتتظاهر بتبني قيمهم، هي الأكثر فتكاً على الإطلاق. كان يتصرف بـ "لباقة" مصطنعة تخفي خلفها كياناً لا يرى في البشر سوى أدواتٍ متقنة الصنع.
لكن، بالنسبة لي.. كان سذجه المفترض هو ثغرتي. لقد عرض وظيفة مثالية لشخصٍ مثلي، رغم كوني بشرياً وسط هذا المسلخ الكوني.
قلت بهدوءٍ حاولتُ جاحداً ألا يرتجف:
"أممم، صراحةً الأمر مغرٍ جداً.. الشروط تبدو مريحة وتناسب تطلعاتي"
اهتزت ابتسامه الخندقية بعنف، وكأنها ستنشطر إلى نصفين من شدة الحماس المريب:
[ إذن هيا! ماذا تنتظر!! وقع واختصر المسافات بيننا!! ]
أمسكت بالقلم الموضوع على الطاولة، شعرت ببرودته المعدنية تلسع أصابعي. وضعت سن القلم فوق الورق، وبدأت أعيد قراءة الشروط المدونة بتمعنٍ شديد، ففي عالمٍ يفتقر لنصف رؤوس سكانه، يكمن الشيطان دائماً في التفاصيل التي تُقرأ بين السطور، لا فوقها:
* ✾ يُمنح الموظف كامل الحرية في اختيار أسلوب التنفيذ الذي يراه مناسباً، شريطة أن ينعكس ذلك بزيادةٍ ملموسة في كفاءة النتائج.
* ✾ يلتزم الموظف التزاماً تاماً بالترويج لهوية الشركة، والحرص على بقاء صورتها نقيةً ناصعة أمام الأطراف كافة.
* ✾ يتعهد الموظف بتلبية رغبات العميل بدقةٍ متناهية، وتجنب أي سلوكٍ قد يسبب له أدنى درجات الإزعاج أو عدم الرضا.
* ✾ يجب على الموظف الحفاظ على "ابتسامةٍ دائمـة" وروحيـةٍ معنوية عالية أثناء العمل؛ فالعالمُ لا يتسع للعابسين.
*......
من بين تلك الشروط المبعثرة التي تفتقر لأي تنظيم منطقي، استوقفني البندان الأول والثاني، فهما يمنحانني الهامش المثالي لما أخطط له في خفايا عقلي~
أما الشرط الرابع، فقد كان استثنائياً في غرابته، فبناء علاقات ودية مع المجتمعات —سواء كانت بشرية أو من تلك المسوخ— لم يكن يوماً من شيمي.
ومع ذلك، لم تكن بقية البنود ذات ثقل حقيقي يمنعني من المضي قدماً، لذا توقفت عن التردد، وخططت اسمي على الورقة ببرود:
— لي جاي —
في اللحظة التي رفعت فيها القلم، فرقع صاحب العمل أصابعه، فاشتعل العقد فجأة بلهبٍ أسود وتلاشى في الهواء، مخلفاً حرارةً لاذعة في منتصف صدري.. هل كان هذا الوهج هو الختم الذي يعلن اكتمال الارتباط الوثيق بالعقد؟
انبعث صوته من ذلك الفراغ المرعب مجدداً:
[ تهانينا يا سيد لي جاي! إنني أتطلع بشوقٍ لا يوصف لبدء مسيرتنا معاً~ ]
'يريد استغلالي منذ اللحظة الأولى؟ يا له من كيان خبيث.. لكنه لا يدرك أنني أجيد فن النفاق أكثر منه!'
أجبته بحماسٍ زائف، متقمصاً دور الشاب الساذج الذي ظفر بوظيفة أحلامه:
"بالطبع! وأنا بدوري، لا يسعني الانتظار لبدء العمل!"
مال برأسه الناقص نحوي، وكأن الابتسامة اتسعت أكثر:
[ أتعلم.. أنت أول كائن بشري يطأ بقدمه شركتي كـموظف، بل أنت الوحيد في كل الأعمال التي يديرها أمثالي! ولهذا السبب تحديداً، آثرتُ الحضور شخصياً لإجراء مقابلتك ]
'كاذبٌ محترف..'
فكرتُ في سري، بينما رسمتُ على وجهي تعابير خجلٍ مصطنعة، تماماً كشابٍ يتلقى مديحاً عظيماً لأول مرة:
"إنه لشرفٌ كبير لي، وسأكون عند حسن ظنكم". بعدها، استرسل في الحديث عن آليات العمل، والمسارات التي سأخوضها، وتفاصيل أخرى غارقة في الغموض..
ــــــــــــــــ
"أخخخخخ.. لِمَ هو كثير الكلام إلى هذا الحد؟!"
كنت أعتصر رأسي بين كفيّ، والألم ينبش في صدغيّ جراء تلك الثرثرة اللامتناهية التي صبّها في أذني ذلك الكيان.
عدتُ أخيراً إلى منزلي بعد مقابلة عملٍ نجحتُ فيها بالتأكيد، لكنها استنزفت جوهري بالكامل. في تلك اللحظة، لم أفكر في قيلولة قصيرة أو نومٍ هادئ، بل ولدت في عقلي رغبة جامحة وقطعية:
"لقد قررت.. لن أغادر هذا السرير إلا بعد خمسين عاماً من الآن!"
كان هذا بالنسبة لي فكراً منطقياً تماماً، خطة تقاعد مؤقتة بدأتُ في تنفيذها بجدية، لكن.. سحقاً لأحلام البسطاء.
(طرق.. طرق)
سألتُ بصوتٍ يقطر خمولاً:
".. من هناك؟"
جاء الردُّ فوراً، بنبرةٍ باردة ومنتظمة:
[ سيدي، لقد حل الصباح بالفعل ]
"لا أريد الاستيقاظ!!"
صرختُ بضجر، ليأتي الرد صارمة لا يقبل الجدال:
[ غير ممكن، سيدي ]
"خمس دقائق إضافية فقط.." توسلتُ، فكان الرد أقسى:
[ غـيـر. مـمـكـن ]
ساد صمتٌ ثقيل، قبل أن يضيف ذلك الصوت بلهجة توبيخ مهذبة:
[ سيدي، هذا السلوك لا يليق بك أبداً بصفتك سيد هذا المنزل ]
"سحقاً، أنا قادم!"
زفرتُ بقلة حيلة، ليقاطعني الصوت مجدداً:
[ سيدي، هذا الـ... ]
"فهمت! حسناً، حسناً!"
نهضتُ من فراشي وأنا أشتم داخلياً.
كنتُ أعلم يقيناً أن مراوغتي لم تكن لتجدي نفعاً، فلو أصررتُ على سباتي الخمسيني، لهرعت تلك الخادمة باستدعاء بقية الحاشية ليجبروني —بقوةٍ غاشمة مغلفة بالرقي— على عيش يومي كسيد منزل حقيقي.
كان الأمر أشبه بعقابٍ على اقتراف فعلٍ شائن لا يليق بمكانة كهذه. هم يحاولون بكل طاقتهم قمع طبيعتي المتمردة وتحويلي إلى سيدٍ مثالي، بينما أقاوم أنا هذا العبث بكل ما أوتيت من نفاق.
والحقيقة المرة التي استنتجتها.. هي أن هذا المكان، وهؤلاء الكائنات الذين يحيطون بي، ليسوا بشراً.. ولا يمتّون لهذا العالم بصلة.
اندفعتُ خارج الغرفة كالسهم، وبدأتُ أركض بجنون.
كان هدفي الوحيد هو الإفلات من قبضة هذا المنزل قبل أن يدركني أحد، لكن تباً.. لماذا يبدو هذا القصر وكأنه يتمدد خلفي؟ لماذا هو شاسع إلى هذا الحد اللامعقول؟
حين لاح لي الباب الرئيسي أخيراً، كنتُ ألهث بعنف وصدرِي يغلي من الإعياء، لكن لم يكن هناك متسعٌ للراحة.
[ سيدي!! ]
تعالى صراخ زمرة من الخدم وهم يطاردونني كظلالٍ مسعورة
[ لا!! لا تخرج!! لا يُسمح للسيد بمغادرة القلعة! السيد في خطر دائم بالخارج!! ]
كان الجنون قد تملكهم بالكامل، وهو المشهد العبثي الذي يتكرر في كل مرة أحاول فيها المغادرة، والمثير للسخرية أنهم بمجرد عودتي، يرتدون قناع الأدب وكأن شيئاً لم يكن. لذا، لم أعرهم انتباها.
قبضتُ على مقبض الباب الفولاذي بكل قوتي، وهممتُ بفتحه، لكن لسببٍ أجهله.. التفتُّ خلفي.
هناك، حيث تلتقي السلالم الضخمة في المنصة العلوية، كانت تتدلى لوحة عملاقة.. لوحة لم تكن سوى كتلة من التـ- ـشـ- ـويه.
مجرد النظر إليها جعل نبضات قلبي تقرع طبولاً مرعبة، وجسدي ينتفض برعشةٍ لا أملك لجمها.
كانت تلك اللوحة هي الكيان الوحيد الذي يوقظ فيّ مشاعراً ظننتُ أنني وأدتها منذ زمن:
الخوف المزمن.
استدرتُ بذعر، ودفعتُ الباب على مصراعيه ووثبتُ خارجاً. وفجأة.. اختفى القصر الضخم خلفي وكأنه لم يكن سوى سرابٍ انشق عنه العدم.
وقفتُ بملامح مشوشة وذهنٍ مضطرب.
"في كل مرة.."
همستُ لنفسي بمرارة، في كل مرة يباغتني هذا الشعور اللعين في الموقف ذاته.
"لا! لماذا يتكرر هذا؟ أنا لا أريد هذا الرعب، لا أريد أن أشعر بهذا التمزق الداخلي مجدداً!!"
كان صراخي الداخلي يضج بالجنون، لكن فجأة.. ساد الهدوء. خمدت العاصفة في صدري بطريقة مريبة، وكأنها انصاعت لأمرٍ خفي.
في تلك اللحظة، اجتاحني تعبٌ مميت جراء السهر.
"تباً لهم.. لمَ يجرون مقابلات العمل في منتصف الليل؟"
كنتُ مستاءً إلى أقصى حد، لكن فجأة، لمعت فكرة في ذهني.
"هه.. هههه.. هههههههههه!"
انفجرتُ بالضحك كالمجانين، ثم بدأتُ أدندن لحناً راقصاً بسعادة غامرة وأنا أستلّ هاتفي.
ضغتُ على أيقونة موقعٍ قمتُ بتحميله مؤخراً، موقعٍ بلا اسم نتيجة الرقابة الصارمة، وهو ذاته الذي أرشدني إليه "راين" —صاحب العمل المبتسم— كونه المحور الأساسي لوظيفتي الجديدة.
كان التطبيق بمثابة نافذة مشرعة على الجحيم، فهو لا يحوي مجرد قصص رعب عادية، بل يضم سجلاتٍ دقيقة لكل الخدمات التي قدمتها الشركة لزبائنها. المعلومات التي تُحجب عادةً خلف جدران الرقابة البشرية الصارمة كانت هنا معروضةً بفظاظة.
والسبب بسيط: التطبيق صُمم بأيدي غير بشرية ولأجلهم، لذا فمفاهيم "التلوث البصري" أو "الصدمة النفسية" لا وجود لها في قاموس مبرمجيه.
لم أجد غضاضة في ذلك، بل على العكس، فالاستفادة من هذه البيانات —وربما بيعها— كانت فكرةً تداعب جشعي الجميل. لم يكن هذا اختراقاً للقوانين في نظري، بل امتثالاً ذكياً، فالبند الثاني يطالبنا صراحةً بالترويج للشركة، أليس كذلك؟ إذن، بيع أسرارها للبشر كنوع من "الدعاية المبطنة" سيجذب المزيد من الزبائن ويزيد العمل ازدهاراً.. مجرد حجة واهية؟ ربما، لكن فلنجعلها حقيقتنا المطلقة!
أول خطوة كانت الابتعاد عن ذلك المنزل المسكون بالخدم المريبين، فاستأجرت غرفة في فندقٍ هادئ.
كنت أحتاج لمساحة لا يطرق بابها أحد ليذكرني بواجبي كسيد. لم أُضع ثانية واحدة. انكببتُ على الأوراق، أدون كل شاردة وواردة مما قرأته في التطبيق، أنظم المعلومات ببرودٍ واحترافية. وبعد ساعاتٍ طوال من الانغماس المحموم..
"هااااه.. وأخيراً!"
زفرتُ بعمق وأنا ألقي بالقلم.
لقد جرفني الحماس لدرجة أنني ضيعتُ ساعاتٍ من عمري في هذا العمل المضني. ياللعار.. أنا الذي كنت أنوي النوم لخمسين عاماً!
لم أكن أكتب كالمجنون طوال الوقت، كنت أسرق لحظاتٍ من الراحة، لكنني الآن أشعر بإنهاكٍ يفتت عظامي.
استلقيتُ على السرير، أحدق في السقف بتعبيرٍ أبله فارغ، تاركاً عقلي يسبح في سكون الغرفة.. وفجأة
(رنيـن)
"هاه؟"
التقطتُ الهاتف. كان وميض الشاشة يُعلن عن وصول رسالة من ذلك الكائن المزعج...
"أوه!!"
#الغبي رقم واحد في الكون: بارك مين-سونغ (╹▽╹)
=إليك ما طلبته/ #منتدى_لا_يعلم_عنه_المجتمع_نيهاهاهاهاها.. أنت مدين لي بواحدة (。•̀ᴗ-)✧
كان هذا الاسم الأحمق هو تحديداً ما أردتُ العثور عليه، ولم أتوقع أن ينبشه من زوايا الشبكة المظلمة بهذه السرعة، ومع ذلك.. آثرتُ الاستهزاء به قليلاً:
=لستُ مديناً لك بشيء، ثم إنك تأخرت كثيراً (눈‸눈)
جاء رده فوراً كمنفجرٍ بركاني:
=(╯°□°)╯︵ ┻━┻ هااااه! أهذا ما تقوله بعد أن شققتُ الأرض لأجلك أيها الحقير؟!
تجاهلتُ نباحه الرقمي، فهو لا يتقن الصمت خاصة حين أتهرب من ديونه المزعومة.
لكن حقا... تساءلتُ لثانية عما يفعله هذا الأبله منذ تخرجنا قبل عام ونصف، فنحن لم نلتقِ منذ ذلك الحين، لكنني كنتُ واثقاً من شيء واحد: سينتهي به المطاف في وظيفة غريبة تماماً كحالتي، وكأن المهن المحترمة قد انقرضت من هذا الكوكب.
نفضتُ أفكاري عنه وركزتُ على هدفي. ضغطتُ على رابط المنتدى ذو الاسم الهزلي وانتظرتُ بحماسٍ مشتعل، لتستقبلني شاشة مضيئة يتصدرها العنوان:
[- منتدى_لا_يعلم_عنه_المجتمع_نيهاهاهاهاها -]
كان الوصف في الداخل يقطر غموضاً وجاذبية: «نحن الأفراد الذين انسلخوا عن جسد المجتمع بعدما أبصروا ما وُضع خلف الحجب.. أشياء كان يُفترض أن تظل طي النسيان، حقائق تتوعدنا بالفناء معها...»
المنتدى كان يضج بآلاف الأرواح من شتى بقاع الأرض، بتنظيمٍ احترافي مذهل يوزعهم على منصاتٍ حسب الدول والمواضيع. لم أضيع وقتي، نقرتُ مباشرة على "كوريا الجنوبية - القسم العشوائي".
كان هذا القسم هو "المزبلة الذهبية" التي أحتاجها؛ حيث تلتقي أغرب المقالات بالدردشات المشبوهة، ويُستخدم كـ "سوق سوداء" حقيقية للطلبات والعروض التي ترفضها الفطرة السليمة.. وهنا تحديداً يكمن منجم ذهبي~
بسرعةٍ محمومة، ملأتُ استمارة الانضمام ونشرتُ منشوري الأول. كان طُعمي موجهاً بدقة نحو "هوامير" هذا العالم: موظفو وكالة البحث والتحقيق هانكوك وشركة يويبي.
هؤلاء المهووسون مستعدون لدفع أثمانٍ خيالية مقابل أي معلومة تسهل صيدهم للظواهر غير الطبيعية.
بالمناسبة، هانكوك و يويبي ليستا قصصا عن كائنات غير بشرية، بل هما كيانان واقعيان بآليات عمل متوحشة؛ فالأولى (وكالة هانكوك) تكرس كل مواردها لمحاصرة هذه الظواهر غير الطبيعية وإبادتها نهائياً، بينما الثانية (شركة يويبي) تسعى لترويضها واستغلالها إلى أقصى حد ممكن لتحقيق مصالحها.
بمجرد أن تدرك أن أهدافهما متضادة تماماً، ستتشكل أمامك رؤية واضحة لحجم الصراع الدموي بينهما. فأحدهما يريد حرق القصة، والآخر يريد احتكارها. وهذا التناحر تحديداً هو ما يجعل معلوماتي بضاعةً لا تُقدر بثمن في سوقهم السوداء.
وبالطبع، حرصتُ على أن يكون منشوري هو "الأكثر جنوناً" في تاريخ المنتدى، أردتُهم أن يتساءلوا بذهول:
من هو المعتوه الذي يملك الجرأة لكتابة شيء كهذا؟
#بائعُ المعلوماتِ الذي جاءَ بمعنوياتٍ عالية!
[ مـرحـبـاً! جئتُ لكم اليوم بشيءٍ مذهل! إنها تفاصيلٌ حية حول قـ-ـصـ-ـة كـ-ـا-ئـ-ـن غـ-ـيـ-ـر بـ-ـشـ-ـر-ي.. إليكم نبذةً يسيرة عنها، تحت عنوان: ]
« صرخة.. ثم لا يُسمح شيء »
[ كـ-ـا-نـ-ـت آ-خـ-ـر شـ-ـي-ء.. تـ-ـلـ-ـك ا-لـ-ـصـ-ـر-خـ-ـة.. ثـ-ـم ا-بـ-ـتـ-ـلـ-ـع ا-لـ-ـصـ-ـمـ-ـتُ كـ-ـلَّ شـ-ـي-ء. وفـ-ـي ا-لـ-ـنـ-ـهـ-ـا-يـ-ـة، بـ-ـقـ-ـيـ-ـت هـ-ـي ا-لـ-ـأ-ثـ-ـر ا-لـ-ـو-حـ-ـيـ-ـد ا-لـ-ـقـ-ـا-بـ-ـع هـ-ـنـ-ـا.. حـ-ـتـ-ـى ا-لـ-ـأ-بـ-ـد. ]
[ ▪️▪️▪️ ترفضُ الانمحاء من هذا العالم؛ فكلُّ ما تبقى لها هو ذلك الصدى الذي لا يزال يمزق سكون المنزل المهجور في ▪️▪️▪️. لكن.. احذر، فـ ▪️▪️▪️ لا تزالُ تتربصُ هناك. إذا صرخت ولم تجد لصدى صوتها مجيباً، فاستدر ببطء.. وقابلها بـوجـهٍ مـبـتـسـم! لا تنسَ ذلك، فحينها فقط سـ ▪️▪️▪️ و ▪️▪️▪️، ولن تتركك حتى تقبل البقاء في جوارها وتصبح جزءاً من حطام آثارها المتبقية. لا تخذلها.. فيكفي أنها تجرعت مرارة الوحدة طوال الـ ▪️▪️▪️ الماضية... ]
[ إذا كنتَ متعطشاً لتفاصيلٍ أكثر دقة وإحداثياتٍ لا يملكها غيري، فـبـا بـي الخاصُ مفتوحٌ للمزايدة. ]
[ أوه! أما إذا لم تفهم حرفاً مما سلف، فاعتبرها مجرد خرافة تافهة.. ونم هانئاً في جهلك! ]
[ وداعــاً~! ]
" أوه، لقد انتهيت أخيراً!"
تنفستُ الصعداء وأنا أتأمل منشوري العبثي.
" سيظن الجميع أنني فقدتُ صوابي، لكن من يهتم؟ سأترك هذا الهراء لبعض الوقت، وعندما أعود سأجد... "
(رنيـن)
قطع حبل أفكاري إشعارٌ عاجل من المنتدى. أحدهم ابتلع الطُعم فوراً! فتحتُ هاتفي بفضولٍ مشتعل، ودخلتُ إلى قسم الرسائل الخاصة:
# سا-بين
=مرحباً! لقد جئتُ إليك فور رؤيتي للمنشور
=أوه! رائع، عميلي الأول! أهلاً بك في عالمي
=هاها! شكراً على هذا الترحيب الحار، لكن هل نختصر الطريق وندخل في صلب الموضوع؟
=بالطبع، بالطبع.. إذن أنت تسعى خلف تفاصيل قـ-ـصـ-ـة ا-لـكـ-ـا-ئـ-ـن غـ-ـيـ-ـر بـ-ـشـ-ـر-ي؟
=أنت حقاً ملمٌ بهذه الأشياء كما يبدو.. نعم، هذا تحديداً ما أريده
=إذن، هل تفضل أن نلتقي شخصياً لنتحدث بوضوح أكثر؟
استمرت المحادثة بسلاسةٍ مريبة، واتفقنا على اللقاء لبناء جسرٍ من الثقة المزعومة. هو من اختار الزمان والمكان، و حينها فقط أدركتُ مدى مكر هذا "سا-بين ":
=لمَ لا نلتقي غداً في تمام العاشرة مساءً، في ذلك المنزل المهجور الموجود بـ...
اتسعت ابتسامتي ببرود وأنا أقرأ العنوان.
" تظنني غبياً، أليس كذلك؟ تريد استدراجي إلى مسرح الجريمة نفسه.. لا بأس، سنرى غداً من هو الغبي الحقيقي بيننا...~"