قد تلاحظون أن الفصول طويلة… طويلة جدًا أحيانًا.
نعم، هذا مقصود. هذه هي طريقتي في الكتابة.
أفضل أن تأخذ الأحداث وقتها،
وأن تُروى التفاصيل دون اختصارٍ يفسد الإحساس،
وأن تتطور اللحظات ببطء بدل أن تُدفع بسرعة نحو النهاية.
لكن إن شعرتم أن الفصل طويل أكثر مما تحتملون،
فبإمكانكم ببساطة تقسيمه إلى جزأين… أو حتى أكثر.
اقرؤوا نصفه الآن، واتركوا الباقي لوقت لاحق.
الفصل الثاني: الجوكر الأسود
كنت لا أزال ملقى على أرضية غرفتي الخشبية المتعفنة، أتنفس بصعوبة وأراقب بقعة القيء التي أفرغتها للتو من معدتي.
رائحة الموت واللحم المسلوخ من تلك الرؤية المستقبلية الملعونة كانت لا تزال تعبق في أنفي، ملتصقة بشعيرات خلاياي الشمية كأنها لعنة أبدية.
قلبي كان يدق بعنف، يقرع ضد ضلوعي وكأنه سجين يحاول تحطيم جدران زنزانته.
"حسناً..." تمتمت بصوت خشن، مبحوح، وأنا أحاول رفع ظهري عن الأرضية الباردة.
"لقد رأيت نهاية العالم. رأيت أعظم رجل في إيليزيوم يتقيأ أحشاءه ويموت لمجرد أن شيئاً ما نظر إليه. قلت لنفسي إنني سأخترق كل القواعد لأصبح قوياً... قلت إنني سأسرق غنائم نهاية العالم."
فركت وجهي بيدي المرتجفتين، وتنهدت بكسل شديد.
"لكن بحق الجحيم، أنا متكاسل جداً! اللعنة على هذا! هل تعرفون كم يتطلب الأمر من جهد لأصبح أقوى من رتبة G؟ يجب أن أتدرب، أن أركض، أن أقتل وحوشاً مقززة في زنزانات رطبة تفوح منها رائحة فضلات الغيلان! لماذا لا يمكنني فقط أن أستلقي هنا وأنتظر الموت بهدوء؟"
بينما كنت أمارس هوايتي المفضلة في التذمر والشفقة على الذات، توقف الهواء في الغرفة مرة أخرى.
ذلك الشعور المألوف والمقزز للضغط الكوني عاد ليضرب مؤخرة رأسي.
تجمدت في مكاني. الشاشة الذهبية التي أعلنت عن مهارتي من الرتبة SSS كانت قد تلاشت، لكن الآن... ظهرت شاشة جديدة.
لم تكن ذهبية هذه المرة، بل كانت حمراء قانية، تقطر منها دماء وهمية تسقط وتتلاشى قبل أن تلمس الأرض.
صوت النظام الميكانيكي، البارد، الخالي من أي تعاطف، تردد في تجاويف جمجمتي كصوت شفرات سكاكين تحتك ببعضها.
[تنبيه النظام: تقييم سلوك المضيف]
[نظراً لامتلاك المضيف مهارة (رؤية المستقبل SSS) وإدراكه للحتمية الكارثية القادمة، تم فتح مسار تطور استثنائي مخصص لضمان البقاء.]
[تم منح المضيف مهارة سلبية قابلة للتطور. الرتبة الحالية: A]
[نافذة المهارة الجديدة]
اسم المهارة: [التضاعف الدموي - حصاد بني الجلد]
الرتبة: A (قابلة للترقية).
النوع: سلبية / امتصاص.
الوصف التفصيلي: النظام يعترف بأن صيد الوحوش هو الطريق التقليدي لزيادة سعة 'الإيترا' والارتقاء في الرتب الجسدية. على سبيل المثال: قتلك لوحش من الرتبة G سيمنحك تقدماً بنسبة 10% نحو الرتبة F.
القدرة الخاصة للمهارة: لأن جسدك البشري يتوافق بيولوجياً وروحياً مع بني جنسك، فإن قتلك لبشري (صياد أو موقظ) سيفعل مهارة التضاعف. قتلك لبشري من نفس رتبتك لن يمنحك 10%، بل سيضاعف النسبة إلى 40% من التقدم الفوري، بالإضافة إلى امتصاص جزء من سعة الإيترا الخاصة بالضحية بشكل دائم.
الخلاصة: لكي تنجو من الكارثة، النظام ينصحك بالتوقف عن صيد الوحوش... والبدء في صيد البشر.
قرأت الكلمات المكتوبة على الشاشة الحمراء. قرأتها مرة، ومرتين، وثلاث مرات.
"هاه؟" خرجت الكلمة من فمي غبية وفارغة.
رمشت عدة مرات، أنظر إلى الشاشة الحمراء التي تنبض ببطء كقلب بشري مسلوخ.
النظام... هذا الكيان المجهول الذي يحكم عالمنا منذ 500 عام... يخبرني بكل صراحة ووقاحة أن أتحول إلى قاتل متسلسل. ليس هذا فحسب، بل يغريني بمكافأة خيالية. أربعة أضعاف التقدم؟
امتصاص دائم للإيترا؟ أي صياد من الرتب الدنيا سيبيع أمه، حرفياً، للحصول على هذه المهارة.
"أنت تمزح معي، أليس كذلك؟" تحدثت إلى الشاشة وكأنها شخص عاقل.
"تريد مني أن أقتل البشر؟ أن أطعن زملائي الصيادين في الظهر في الأزقة المظلمة لأمتص طاقتهم كعلقة طفيلية مصاصة للدماء؟"
لم يجبني النظام، بل اكتفى بوميض خفيف من الشاشة الحمراء، كأنه يغمز لي بعين شيطانية.
"اسمع أيها النظام اللعين،" قلت وأنا أتكئ على الحائط وأمسح العرق البارد عن جبهتي، "أنا قلت إنني سأخترق القواعد لأنجو، نعم. قلت إنني سأصبح قوياً، نعم. لكن القتل؟ قتل البشر؟ هل تعرف كم هذا متعب؟ هل تدرك كمية التخطيط، وإخفاء الجثث، والهرب من شرطة النقابات، ومسح كاميرات المراقبة، واستخدام المبيض لإزالة بقع الدم من السجاد؟ أنا أتكاسل عن غسل أطباقي لمدة أسبوع حتى تنمو فيها مستعمرات من العفن الفطري، وتريد مني أن أخطط لجرائم قتل كاملة؟! اللعنة عليك وعلى مهارتك! خذها وأعطها لمختل عقلياً لديه وقت فراغ أكبر من وقتي!"
بالطبع، لم تختفِ المهارة. لقد حُفرت في روحي كوشم من النار.
أصبحت أمتلك القدرة على التطور بسرعة جنونية إذا قررت أن أتخلى عن إنسانيتي.
وهو خيار مرعب، لكنه... مغرٍ بطريقة مريضة.
هززت رأسي بعنف لأطرد هذه الأفكار المسمومة.
"لا. ليس الآن. أنا مجرد رتبة G. إذا حاولت قتل صياد آخر، حتى لو كان من رتبتي، فمن المحتمل أن أتعثر بسكيني وأطعن نفسي في عيني."
وقفت ببطء، وعظامي تطقطق كعظام رجل في التسعين من عمره. نظرت إلى ساعتي المهشمة. كانت تشير إلى الرابعة عصراً.
"أحتاج إلى القهوة. وإلى مكان لا تفوح منه رائحة قيئي."
ارتديت معطفي الأسود الرخيص والمهترئ عند الأطراف، وخرجت من مجمع الشقق السكني القذر الذي أسميه منزلاً. بمجرد أن فتحت الباب الرئيسي للمبنى، استقبلني هواء مدينة 'إيليزيوم' البارد والملوث.
كانت السماء تبكي. أمطار غزيرة، رمادية اللون ومحملة بنسب خفيفة من الحموضة الناجمة عن المصانع السحرية في القطاع الشمالي، كانت تضرب الأرصفة بعنف.
المدينة كانت غارقة في كآبة لزجة. ناطحات السحاب البعيدة في المركز كانت تتلألأ بأضواء النيون البراقة والإعلانات الهولوغرامية العملاقة التي تعرض أبطالاً يبتسمون بأسنان ناصعة البياض، يروجون لمشروبات طاقة ممزوجة بدم الغيلان، لكن هنا، في الأحياء الفقيرة السفلية، لم يكن هناك سوى الوحل، والقمامة، وقطرات المطر التي تعكس أضواء المصابيح المكسورة.
رفعت ياقة معطفي لأحمي رقبتي من المطر اللاسع، ومشيت بخطوات سريعة متجنباً برك المياه السوداء.
دخلت إلى كافيه "الكوب المكسور"، وهو اسم على مسمى.
كان مكاناً صغيراً، تفوح منه رائحة البن المحترق، والسجائر الرخيصة، والملابس المبللة. الكراسي الجلدية ممزقة، والنوافذ مغطاة بالضباب من الداخل.
"قهوة سوداء، كارل. أضف إليها كل اليأس الذي تملكه اليوم،" قلت للرجل العجوز خلف المنضدة.
شخر كارل ببرود ودفع كوباً ورقياً نحوي.
دفعت له بضع عملات معدنية وجلست في الزاوية الأكثر ظلاماً في المقهى.
ارتشفت القهوة، وكانت أسوأ مما توقعت. طعمها يشبه طعم ماء المطر الممزوج برماد السجائر. مثالية.
أخرجت هاتفي الذكي الذي يحتوي على شق يمر عبر شاشته كصدع في جبل جليدي.
لم يكن لدي طاقة للتفكير في نهاية العالم الآن، أردت فقط أن أشتت عقلي بأي شيء تافه. فتحت تطبيق "إكس" (تويتر سابقاً، رغم مرور 500 عام، لا يزال هذا التطبيق اللعين هو مكب النفايات الرسمي للبشرية).
لكن ما رأيته في قسم الترند لم يكن تافهاً.
[الترند الأول: #تحول_بشري_مأساوي]
[الترند الثاني: #وحش_في_مترو_الأنفاق]
[الترند الثالث: #وكالة_الاستخبارات_تتكتم]
عقدت حاجبي. نقرت على الهاشتاق الأول.
ظهرت أمامي سلسلة من التغريدات ومقاطع الفيديو المهتزة، مصورة بكاميرات هواتف رديئة الجودة.
كان المقطع مصوراً داخل إحدى عربات مترو الأنفاق في القطاع ج.
رجل في منتصف العمر، يرتدي بدلة عمل رمادية، كان يقف ممسكاً بالعمود المعدني.
وفجأة، بدأ يسعل. ليس سعالاً عادياً، بل كان يخرج قطعاً سوداء لزجة من فمه.
ثم... انشق فكه.
قربت شاشة الهاتف من وجهي، متجاهلاً القهوة التي بردت.
في الفيديو، انشطر الفك السفلي للرجل إلى نصفين بشكل طولي، ممتداً حتى أسفل رقبته، كاشفاً عن صفوف من الأسنان الحادة المدببة كالإبر التي نمت في ثوانٍ.
صرخ الركاب في رعب يتدافعون للهروب، بينما بدأت عظام القفص الصدري للرجل تتمزق عبر قميصه وبدلته، ممتدة للخارج كأرجل عنكبوت عملاقة ومغطاة بصديد أصفر.
عينيه انتفختا وانفجرتا، لتنبت مكانهما عناقيد من الأعين الصغيرة الحمراء المتوهجة.
تحول من موظف بائس إلى كابوس بيولوجي في أقل من عشر ثوانٍ.
انتهى الفيديو بصراخ المصور وسقوط الهاتف، وآخر مشهد كان للوحش وهو ينقض على امرأة عجوز ليمزق عنقها بأضلاعه العنكبوتية.
قرأت الأخبار المرفقة.
الحادثة وقعت صباح اليوم.
المئات من حالات "التحول البشري" الغامضة بدأت تظهر في جميع أنحاء إيليزيوم.
بشر عاديون، وصيادون من الرتب الدنيا، يتحولون فجأة وبدون سابق إنذار إلى وحوش دموية مرعبة.
لا بوابات انفتحت، لا طفيليات مرئية، مجرد تحول عشوائي، كأن الحمض النووي الخاص بهم قد قرر الانتحار والانتقام في نفس الوقت.
الصور في التغريدات التالية كانت أبشع.
جثث ممزقة، وحوش نصف بشرية مقطعة الأطراف، ودماء تغطي الأرصفة.
وفي عدة صور، رأيتهم. رجال ونساء يرتدون معاطف سوداء طويلة نظيفة للغاية، ويضعون نظارات شمسية رغم هطول المطر.
كانوا يطوقون مسارح الجرائم، ويمنعون حتى شرطة النقابات من الاقتراب.
"عملاء الاستخبارات... الـ CIA والـ FBI الجدد،" تمتمت بحقد، وشعرت بوخز خفيف في ضلوعي رغم أنها قد شُفيت تماماً.
"لطالما اعتقدت أن هذه التحولات هي من فعل وحش طفيلي متسلل... أو ربما لعنة من إحدى البوابات غير المكتشفة."
كان حلمي يوماً ما أن أكون واحداً منهم.
أن أنضم إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي لجرائم الإيترا.
كنت أرغب في أن أكون محققاً، أرتدي بدلة أنيقة، أحلل الدماء، وأطارد المجرمين بذكاء بدلاً من التمرغ في طين الزنزانات لمحاربة الغيلان.
لقد درست طويلاً، قرأت آلاف الكتب عن تشريح الوحوش، وحفظت القوانين عن ظهر قلب.
لكن في عالمنا، الذكاء لا يعني شيئاً إذا لم تكن تملك "القوة".
تذكرت ذلك اليوم بوضوح. يوم اختبار القبول النهائي.
كنت أقف في القاعة الكبرى، أرتجف قليلاً، عندما اقترب مني ذلك الأشقر اللعين.
العميل الخاص من الرتبة A، 'آرثر ستيرلينغ'. كان يرتدي بدلة بيضاء لا تشوبها شائبة، وابتسامة متعجرفة مرسومة على وجهه المنحوت كتمثال إغريقي.
"كايل فالتير، صحيح؟" قالها بصوت ناعم ومستفز، وهو ينظر إلى ملفي وكأنه يقرأ قائمة طعام من مطعم رخيص.
"درجاتك العقلية والتحليلية ممتازة. عبقري صغير. لكن رتبتك الإجمالية... G؟"
ابتسمت بتوتر وقلت: "سيدي، التحقيق لا يتطلب قوة بدنية هائلة. يمكنني استخدام عقلي لـ..."
لم أكمل جملتي. في جزء من الثانية، وبسرعة لم تستطع عيناي حتى تسجيلها، رفع ساقه وركلني في صدري.
لم تكن ركلة مشبعة بالإيترا، كانت مجرد ركلة جسدية نقية من شخص برتبة A.
ارتطمت بالجدار خلفي بقوة كادت أن تحطم عمودي الفقري.
سقطت على الأرض، أسعل دماً، وأنا أسمع صوت تكسر ضلعين من أضلاعي.
وقف آرثر فوقي، نظر إليّ بازدراء مطبق، وقال ببرود قاتل: "في عالمنا، العباقرة الضعفاء لا يعيشون طويلاً بما يكفي لحل القضايا، يا فتى. يتم التهامهم قبل أن يفتحوا أفواههم. عد إلى القمامة التي جئت منها، ولا تلوث هذا المبنى بحضورك مرة أخرى."
طردني بركلة. ركلة واحدة مسحت كل أحلامي وحولتها إلى غبار.
عدت إلى الواقع، أضغط على كوب القهوة الورقي حتى كاد أن ينفجر في يدي.
"أوغاد متغطرسون... لو كانوا يعرفون ما سيحل بهم عندما ينفتح ذلك الشق في السماء وتطل منه تلك العين المظلمة. ستذوب بدلاتهم الأنيقة فوق جلودهم."
تنهدت بمرارة. الأحلام القديمة ماتت. وعليّ أن أواجه الواقع.
الواقع هو أن إيجار شقتي متأخر شهرين.
مالك العقار، وهو رجل سمين يمتلك وجه خنزير حرفياً (وربما جينياً)، هدد بكسر ركبتي وإلقائي في الشارع إذا لم أدفع بحلول الغد.
أسعار المعكرونة سريعة التحضير ارتفعت بنسبة 20% بسبب التضخم السحري. ولقمة العيش أصبحت غالية جداً.
لم يتبق أمامي سوى خيارات معدومة.
هل أعود لغارات الزنزانات؟ بالتأكيد لا! آخر مرة فعلت فيها ذلك بالأمس، اقتربت من الموت بنسبة 99%، وشعرت بمخالب غول تخترق رئتي.
لن أعود لتلك الأماكن الملعونة حتى لو كان الثمن هو النوم في العراء.
لن أكون طُعماً لأي شخص بعد اليوم.
هل أعمل في وظيفة عادية؟ لا أحد يوظف صياداً من الرتبة G حتى كعامل نظافة، خوفاً من أن أجذب الوحوش الضعيفة بهالتي المتواضعة.
حسناً، لم يتبق سوى خيار واحد، وهو خيار أمارسه ببراعة تامة منذ أن طُردت من الاستخبارات.
السرقة.
احمم، أعني... إعادة توزيع الثروات غير العادلة.
مالذي قد يتوقعه أي أحد مني؟ أنا رجل يائس في عالم يحتضر ببطء.
ليس لدي خيار. يجب أن أعيش، والآن، يجب أن أستعد لنهاية العالم.
وهذا يتطلب مالاً.
الكثير من المال لشراء عتاد وجرعات إيترا مركزة.
لدي سجل حافل من السرقات السابقة.
سرقات خطيرة ودقيقة للغاية ضد مستودعات نقابات متوسطة، ومتاجر مجوهرات سحرية، وحتى سيارات نقل نوى الوحوش.
لم يتم القبض عليّ أبداً، والفضل يعود لذكائي الذي سخر منه ذلك الأشقر اللعين.
أنا أخطط كشبح، وأضرب كطيف، وأختفي قبل أن يدركوا أن الخزنة فارغة.
بسبب سلسلة سرقاتي الناجحة التي تركت وراءها الشرطة في حيرة تامة، أطلقوا علي اسماً مستعاراً في الصحافة وعلى الإنترنت.
اسم جعلني مشهوراً بشكل مثير للاشمئزاز...
"الجوكر الأسود!".
عضضت شفتي بغضب كلما تذكرت هذا الاسم.
"اللعنة على الصحفي الغبي الذي أطلق عليّ هذا الاسم! واللعنة على من نشره!" همست بحقد لنفسي.
"أنا لا أشبه الجوكر بأي شكل من الأشكال! لا أرتدي بدلة أرجوانية، لا أضحك كالمجانين، ولا أضع مساحيق تجميل! كل ما في الأمر أنني أرتدي قناعاً أسود كاملاً يحمي هويتي، ومرسوم عليه وجه مبتسم بخطوط مضيئة بلون أزرق داكن!
وجه مبتسم! مبتسم فقط! ليس جوكراً! هل من المفترض أن أفرح بهذا اللقب السخيف الذي يجعلني أبدو كمراهق يمر بمرحلة التمرد؟ بالتأكيد لا!"
بينما كنت ألعن حظي والإعلام، خطر لي شيء. فتحت تويتر مجدداً، وكتبت بخطوات مترددة في خانة البحث: #الجوكر_الأسود.
انفتحت صفحة الهاشتاق، وكدت أبصق قهوتي على شاشة الهاتف.
التغريدات كانت بالمئات. لا، بالآلاف! في كل مرة أقوم بتحديث الصفحة، تظهر عشرات التغريدات الجديدة. هل أصبح لدي "فانز" (معجبين)؟ ما هذا بحق الجحيم؟ كيف ولماذا؟
بدأت أقرأ التغريدات بصدمة وحيرة:
[@CrazyForJoker_99]: "أومغ! هل رأيتم كيف تجاوز نظام الأمن في بنك نقابة الفجر الليلي الأسبوع الماضي؟ إنه عبقري! أتمنى أن يسرق قلبي المرة القادمة! [وجه مبتسم بعيون قلب] ، [قلب أسود] ، [قلب أزرق] . #الجوكر_الأسود"
ضربت جبهتي بيدي. "يا إلهي، هل هذه الفتاة مجنونة؟ أنا سارق لعين! لو رأيتكِ في الشارع لسرقت حقيبتك وذهبت لشراء شطيرة لحم!"
[@Hunter_Sigma_Male]: "أراهن أن الجوكر الأسود هو بطل مجهول يعيد الأموال للفقراء مثل روبن هود. إنه يقاتل النظام الفاسد للنقابات! كل الدعم لبطلنا الغامض! "
"أنا لا أعيد قرشاً واحداً لأي فقير، أيها الغبي. أنا أستخدم المال لدفع إيجاري ولشراء ألعاب الفيديو والمعدات! أنا هو الفقير الذي أساعده!"
تمتمت باستهزاء. كيف يحبون سارقاً؟ هل مجتمع اكس وصل إلى هذا الحد من الانحطاط والملل لدرجة أنهم يمجدون مجرماً؟
واصلت التمرير، ووجدت التغريدات الأكثر منطقية، تغريدات الكارهين (وهم الأكثرية، والحمد لله أن هناك من لا يزال يملك عقلاً):
[@LawAndOrder_Elysium]: "يجب إعدام هذا الطفيلي المسمى بالجوكر الأسود في ساحة عامة. إنه مجرم قذر يستغل ثغرات أمنية. النقابات يجب أن تكلف صيادين من الرتبة A لجلبه حياً أو ميتاً. لا تسامح مع الحثالة."
أومأت برأسي ببطء. "نعم... هذا هو الكلام المنطقي. أنا أوافقك الرأي تماماً يا صاح. أنا حثالة. لكن حظاً موفقاً في الإمساك بي."
ثم هناك أولئك... أصحاب النظريات اللعينة:
[@TinFoil_Hat_Awakened]: "افتحوا أعينكم أيها القطيع! الجوكر الأسود ليس لصاً عادياً! انظروا إلى نمط سرقاته. إنه يسرق نوى وحوش من فئات معينة. أعتقد أنه صياد متخفٍ من الرتبة SS، ويعمل لصالح الحكومة السرية لصنع سلاح نووي إيترال، وهذا كله تمثيلية لتغطية نقص المخزون!"
"صياد من الرتبة SS؟ أعمل لصالح الحكومة؟" ضحكت بخفوت كئيب، وأنا أنظر إلى حذائي الذي يحتوي على ثقب في نعله.
"أنا حتى لا أستطيع تحمل تكلفة وجبة كومبو من مطعم برغر."
"تضحك على ماذا، يا صديقي المكتئب؟"
قاطع أفكاري صوت حاد ومرتفع قليلاً. رفعت رأسي لأرى "زاك"، صديقي الوحيد في هذه المدينة القذرة.
زاك كان... حالة خاصة. كان شاباً نحيلاً جداً، يمتلك هالات سوداء عميقة تحت عينيه تدل على أنه لم ينم نوماً طبيعياً منذ أن وُلد.
شعره البني كان مجعداً وغير مرتب، وكان يعاني من تشنج عصبي خفيف يجعله يرمش بعينه اليسرى بشكل متكرر، ويحك رقبته باستمرار وكأن هناك حشرات تزحف تحت جلده.
كان زاك معقداً نفسياً، مهووساً بنظريات المؤامرة، ويشرب من القهوة ما يكفي لإصابة فيل بنوبة قلبية.
جلس زاك قبالتي، وضرب الطاولة بيديه، وعيناه متسعتان بجنون خفيف.
"هل رأيت الأخبار؟ هل رأيت ماذا يحدث في الشوارع؟"
تنهدت وأغلقت هاتفي. "أجل يا زاك. البشر يتحولون إلى وحوش مسلوخة وتخرج من صدورهم عناكب. الثلاثاء المعتاد في إيليزيوم."
"لا تكن ساخراً يا كايل!" مال زاك نحو الطاولة، وخفض صوته كأنه يشاركني سراً نووياً.
"هذه ليست وحوشاً عادية. لقد قمت بتحليل الصور. طريقة انقسام الخلايا، تدفق الإيترا المشوه في أجسادهم... هذا ليس مرضاً. هذا 'تفعيل'!"
"تفعيل؟" سألت بملل، أرتشف المزيد من قهوتي المروعة.
"أجل! هناك من حقن هؤلاء المساكين بإيترا صناعية فاسدة، والآن يتم تفعيلها عن بعد.
الحكومة متورطة، أنا متأكد من ذلك! النقابات الكبرى تريد تقليل عدد السكان لأن الموارد بدأت تنفد. إنهم يصنعون جيشاً من المسوخ!" استمر زاك في خدش رقبته بعصبية.
"زاك، أنت تحتاج إلى معالج نفسي، أو ربما إلى جرعة مهدئة قوية. الحكومة والنقابات أضعف وأغبى من أن يخططوا لشيء بهذا التعقيد."
قلتها وأنا أفكر في الرؤية المستقبلية. لو علم زاك بما رأيته... ذلك الكيان ذو النصف المظلم... ربما سينفجر عقله من مكانه.
توقف زاك عن خدش رقبته فجأة، وتغيرت ملامحه إلى حماس مفاجئ غريب.
"حسناً، حسناً، دعنا من نهاية العالم. الأهم من ذلك... هل رأيت آخر تحركات الجوكر الأسود؟"
شعرت بغصة في حلقي، وكدت أختنق بالقهوة. سعلت مرتين قبل أن أرسم نظرة لامبالاة مصطنعة على وجهي.
"الجوكر الأسود؟ ماذا فعل هذا المهرج الآن؟"
"مهرج؟! انتبه لألفاظك يا رجل! إنه أسطورة!" ضرب زاك الطاولة مرة أخرى، وعيناه تلمعان بإعجاب مريض.
"لقد اخترق أنظمة الأمان في مستودع 'الدرع الفضي'، وسرق ما قيمته خمسة ملايين رصيد من نوى الوحوش دون أن يترك بصمة واحدة، ودون أن يطلق إنذاراً واحداً! وترك وراءه قناعاً صغيراً أسود مبتسماً كرسالة سخرية! هذا الرجل يمثل الفوضى النقية! أتمنى لو أستطيع مقابلته، سأصافح يده وأقول له: استمر في تدمير هذا النظام المتعفن!"
كنت أنظر إلى زاك بصمت، ووجهي خالي من التعابير، بينما في داخلي، كنت أقيم مهرجاناً من الشتائم.
"نظام متعفن؟ أنا مجرد لص مفلس يبحث عن الإيجار يا زاك، لست بطلاً ثورياً!" صرخت في عقلي.
ولكن في الخارج، رسمت ابتسامة استخفاف وتنهدت بصوت مسموع.
"أسطورة؟ أنت تبالغ كالعادة يا زاك. هذا المدعو الجوكر الأسود هو مجرد حثالة، لص جبان يختبئ في الظلام. أنا متأكد أنه في الواقع مجرد شخص فاشل، قبيح، مكتئب، يعيش في شقة متعفنة ويأكل طعاماً معلباً منتهي الصلاحية. إنه نكتة، ومجرد مسألة وقت قبل أن يسحقه شخص قوي."
كنت أشتم نفسي بكل إخلاص، أندمج في الدور بشكل مثالي حتى لا يراوده أدنى شك.
وفي داخلي كنت أقول: "أنا آسف يا كايل. أنت لست قبيحاً. أنت وسيم جداً. الشقة هي المتعفنة، ليس أنت. سامحني، يجب أن أفعل هذا لحمايتنا."
عبس زاك بضيق وهز رأسه. "أنت لا تفهم الفن، يا كايل. أنت محبط جداً ويائس. يجب أن تبحث عن بطل تؤمن به. على أي حال، يجب أن أذهب.
منتديات الويب المظلم تشتعل بنظريات جديدة حول الوحوش البشرية، وعليّ أن أنشر تحليلي قبل أن يسبقني أحد الأغبياء."
وقف زاك، ولوح بيده مسرعاً خارج المقهى، عائداً إلى المطر وعالمه المليء بالبارانويا.
راقبته يغادر، ثم استندت إلى الخلف في كرسيي. الابتسامة الزائفة تلاشت عن وجهي، وعادت البرودة القاسية لتملأ عيني.
لقد ضيعت وقتاً كافياً. التظاهر بالغباء والضعف منهك.
"خمسة ملايين رصيد... كانت تلك سرقة جيدة، نعم. لكنني أنفقت معظمها على سداد ديون قديمة وعلى جرعات إيترا علاجية من السوق السوداء بعد غارة الزنزانة الكارثية." همست لنفسي.
"أنا مفلس مجدداً. والرؤية المستقبلية لا تفارق عقلي. أحتاج إلى المال... اليوم."
حزمت أمري. لن أنتظر الصباح. سأسرق الليلة.
الهدف كان واضحاً في ذهني. متجر مجوهرات سحرية في القطاع الراقي.
متجر يحمل اسم "دموع الألماس". ليس متجراً عادياً، بل مكان يبيع مجوهرات محشوة بنوى وحوش مصغرة كمصدر للطاقة.
مكان يرتاده الصيادون من الرتب العالية لشراء هدايا لزوجاتهم أو عشيقاتهم (أو كلتيهما).
الخزنة هناك، حسب استطلاعي السابق، تحتوي على مجوهرات مركزة تكفي لسداد إيجاري لسنوات، وشراء كل ما أحتاجه للتدريب والنجاة من ذلك الكيان المظلم.
خرجت من المقهى، عائداً إلى شقتي تحت المطر الغزير.
بمجرد أن أغلقت باب الشقة خلفي وأحكمت قفله، تغيرت نظرتي.
الكسل، والتذمر، وكآبة الرجل الضعيف تلاشت بالكامل.
تحركت بخطوات ثابتة وسريعة نحو الزاوية المظلمة في غرفتي.
جثوت على ركبتي، وأزلت قطعة خشبية مرتخية من الأرضية.
داخل التجويف السري، كانت حقيبتي تنتظرني.
سحبتها إلى السرير وفتحتها.
أخرجت ملابس العمل. بدلة تكتيكية سوداء بالكامل، مصنوعة من ألياف سحرية مقاومة للرصاص العادي والطعنات، وخفيفة بشكل لا يصدق.
بمجرد أن ارتديتها، شعرت وكأنها جلد ثانٍ.
على حواف المعطف الطويل والأكمام، كانت هناك خطوط داكنة... بمجرد أن مررت جزءاً من طاقة الإيترا الضعيفة خاصتي عبر البدلة، توهجت الخطوط بلون أزرق داكن، بارد ومخيف، يمتص الضوء المحيط بدلاً من أن يشع.
وضعت القبعة التكتيكية السوداء التي تخفي شعري وجبهتي. ثم... أخرجت القناع.
تأملته للحظة. قناع أسود أملس، يغطي الوجه بالكامل. لا فتحات للأنف أو الفم، فقط زجاج سحري من الداخل يسمح لي بالرؤية الكاملة، بينما من الخارج، يظهر كسطح معتم.
وعندما يتدفق الإيترا فيه، تظهر خطوط زرقاء داكنة متوهجة ترسم وجهين مبتسمين ببرود وسخرية، مع عينين نصف مغلقتين في سخرية صامتة.
"الجوكر الأسود"... اللعنة على هذا الاسم، لكن القناع يفي بالغرض.
وضعته على وجهي، وسمعت صوت التثبيت الميكانيكي وهو يلتصق بجلد رقبتي، يغير صوتي إلى نبرة آلية عميقة ومخيفة.
أخيراً، مددت يدي إلى قاع الحقيبة، وأخرجت سلاحي.
مسدس جلوك 19 تكتيكي، أسود ومعدل.
في عالمنا المليء بالوحوش والصيادين الخارقين، الأسلحة النارية العادية أصبحت مزحة.
رصاصة من مسدس عادي ترتد عن جلد غول من الرتبة F وكأنها حبة بازلاء ضُربت في جدار فولاذي.
إذا كان السلاح في يد شخص عادي، فهو مجرد لعبة خطرة.
لكن... المستيقظون مختلفون. النظام منحنا القدرة على التحكم في "الإيترا".
عندما يمسك صياد بسلاح ناري، فإنه لا يعتمد على البارود فقط.
أمسكت الجلوك بيدي اليمنى.
أغمضت عيني تحت القناع، وركزت.
رغم أن سعة الإيترا لدي هي G، وهي كمية مثيرة للشفقة، إلا أن التحكم المجهري لدي كان مرعباً (ربما هذا ما جعل النظام يمنحني مهارة من رتبة SSS في المقام الأول).
بدأت أسحب خيوط الإيترا السوداء من قلبي، وأدفعها عبر ذراعي، إلى كفي، ومنها إلى المعدن البارد للمسدس.
توهج الجلوك بضوء أسود خافت، كأن ظلال الغرفة تتجمع حوله.
الإيترا تغلغلت في المخزن، غلفت كل رصاصة بطبقة من الطاقة المدمرة.
الآن، هذه لم تعد مجرد رصاصات عادية 9 ملم. لقد أصبحت مقذوفات مشبعة بالإيترا، قادرة على اختراق دروع سحرية، وتفجير رأس غول، أو... اختراق جمجمة بشري بسهولة مرعبة.
سحبت الأقسام، وسمعت الصوت المعدني الحاد لتلقيم الرصاصة الأولى في الغرفة.
صوت كلاسيكي، جميل، ومرعب.
وضعت المسدس في الحافظة المخفية تحت معطفي.
نظرت إلى نفسي في المرآة المكسورة المعلقة على الجدار.
لم أعد كايل فالتير، الصياد الكئيب والفقير من الرتبة G. كنت شخصاً آخر. كنت الطيف الذي يتلاعب بنظام إيليزيوم الأمني كأنه لعبة أطفال.
[تنبيه النظام]
[المضيف يظهر نية عنيفة. تذكر: مهارة (التضاعف الدموي - حصاد بني الجلد) برتبة A جاهزة. دماء البشر ستجعلك أقوى بشكل أسرع من أي وقت مضى. هل ستحصد اليوم؟]
تجاهلت الشاشة الحمراء الوامضة التي تهمس لي في الظلام.
"أنا لص، ولست قاتلاً متسلسلاً، أيها النظام المريض."
تمتمت بصوتي الآلي العميق من خلف القناع.
"ولكن... إذا وقف أحد أوغاد النقابات المتعجرفين في طريقي الليلة وحاول منعي من الحصول على مالي..."
ربتّ على مقبض الجلوك المشبع بالإيترا.
"الجميع يموتون برصاصة في الرأس، بغض النظر عن رتبتهم."
استدرت، فتحت النافذة، وقفزت إلى ظلمة الليل الممطر، متجهاً نحو "دموع الألماس".
الليلة، الجوكر الأسود سيعود لسرقة الأضواء... وربما، إذا دعت الحاجة، سيسرق بعض الأرواح أيضاً.