ملاحظة مهمة قبل المتابعة:

هذه الرواية متعددة وجهات النظر.

السرد لن يقتصر على شخصية واحدة فقط، بل سينتقل بين عدة شخصيات، لكلٍ منها زاويته الخاصة، وفهمه المختلف للأحداث.

قد تبتعد القصة أحيانًا عن الشخصية الرئيسية،

وقد تجدون أنفسكم داخل عقل شخصية أخرى تمامًا،

لكن ذلك مقصود… لأن العالم لا يُرى من عين واحدة فقط.

الفصل الرابع: القطاع G

​- منظور إيفا بلاكود -

​برودة الخزف كانت تتناقض مع حرارة الدماء التي لا تزال تغلي في عروقي.

​كنت أجلس في إحدى الغرف الآمنة التابعة للمقر السري لوكالة الاستخبارات السحرية في القطاع الأوسط من إيليزيوم.

الغرفة كانت مصممة لتكون مريحة؛ جدران عازلة للصوت، إضاءة خافتة صفراء مريحة للأعصاب، وآلة قهوة إيطالية عتيقة تعمل بنوى نارية منخفضة الرتبة لتخمير أفضل أنواع البن البرازيلي.

​لكنني لم أشعر بالراحة. كنت أشعر بالغضب.

غضب بارد، لزج، ومزعج كحشرة تزحف تحت جلدي.

​رفعت فنجان القهوة السوداء إلى شفتي.

ارتشفت منه، وكان طعمه مراً، شديد المرارة، تماماً كالمزاج الذي أتخبط فيه منذ ثلاث ساعات.

وضعت الفنجان على الطاولة الزجاجية أمامي ببطء شديد، ورفعت نظري نحو انعكاسي في النافذة المظلمة التي تضربها حبات المطر الغزير بالخارج.

​كان هناك ضمادة طبية سحرية صغيرة، بلون الجلد، ملتصقة على خدي الأيسر.

​"حشرة..." تمتمت لنفسي، وعيناي السوداوان تضيقان بحقد.

"حشرة من الرتبة G، لا يمتلك إيترا تكفي لإشعال عود ثقاب، استطاع أن يخدشني. أنا، إيفا بلاكود."

​"لا يزال يؤلمك؟ أقصد... كبرياؤك، وليس الجرح، لأننا نعلم جميعاً أن سيا عالجت الجرح في ثلاث ثوانٍ."

​قاطع أفكاري صوت داميان.

كان يجلس على الأريكة الجلدية المقابلة لي، يمد ساقيه الطويلتين براحة.

داميان، بطل الأكاديمية السابق، الشاب الذي يمتلك وجهاً يبدو وكأنه نُحت من الرخام بواسطة فنان إغريقي مهووس بالكمال، وشعراً فضياً ينسدل بجاذبية مبالغ فيها على جبهته.

كان لا يزال يرتدي البدلة الرسمية الفاخرة التي ارتداها خلال مسرحيتنا الغبية في متجر "دموع الألماس".

​تنهدت بضيق ولم أجبه، فاكتفى بابتسامة مستفزة وأضاف: "بجدية يا إيفا، كيف استطاع أن يهرب منكِ؟ كنتِ واثقة جداً. قبل أن ندخل المتجر، قلتِ بالحرف الواحد: 'سأكسر ساقيه في ثانيتين، وسنعود لتناول العشاء'.

لدرجة أننا اضطررنا للعب تلك المسرحية المقززة والتظاهر بأننا عشيقان غبيان يشتريان الألماس! هل تعرفين كم كان مقززاً أن أهمس لكِ بكلمات غزل رخيصة بينما كنتِ تنظرين إليّ وكأنني صرصور؟"

​من زاوية الغرفة، ضحكت 'سيا'. الفتاة الشقراء ذات الوجه الملائكي، والتي كانت مشغولة بطلاء أظافرها بلون أحمر قاني يشبه لون الدماء التي نريقها يومياً.

سيا كانت المعالجة والداعمة في فريقنا، وعلى الرغم من مظهرها الرقيق، إلا أنها كانت تحمل عقلاً سادياً يحب رؤية دماء الأعداء تتناثر.

​"كان شكلكما مضحكاً جداً،" قالت سيا وهي تنفخ على أظافرها ببرود.

"داميان كان يبدو ككلب جائع، وأنتِ يا إيفا كنتِ تبدين كتمثال من الجليد يحاول عدم تقيؤ العشاء. لكن حقاً... كيف أفلت؟"

​أرخيت ظهري على الكرسي، وأجبت بنبرة خالية من المبالاة تماماً، رغم الغليان في داخلي:

"لقد نجا هذه المرة لأنني أهملت دفاعي. ببساطة. كان مجرد يائس يحتضر، وتوقعت أن يستسلم. لكنه... كان ذكياً نوعاً ما. لم يهاجمني مباشرة بالرصاصة، بل استخدمها كتمويه، ثم استغل المروحية الغبية والقناص الأغبى التابع للدعم الجوي لصنع فوضى. ذكاء فئران المجاري... يعرفون متى يعضون ومتى يهربون."

​"ذكاء فئران، هاه؟"

​دخل 'أيدن' إلى الغرفة، يحمل جهازه اللوحي (الآيباد) بيده، ووجهه محتقن بالغضب.

أيدن لم يعد يشبه ذلك الرجل السمين البدين الذي كان يرتجف في المتجر.

لقد أوقف مهارة "الوهم الجسدي"، وعاد لشكله الحقيقي: شاب نحيل، ذو شعر أسود مجعد، يرتدي نظارات طبية دائرية، وعيناه محاطتان بهالات سوداء من قلة النوم وكثرة التحديق في الشاشات.

​ألقى أيدن الجهاز اللوحي على الطاولة أمامي، وتناثرت بعض قطرات القهوة.

​"ذكاء فئران؟ حسناً، هذا الفأر جعلنا أضحوكة العالم السفلي والعلوي معاً!" صرخ أيدن وهو يفرك جبهته بعصبية.

"هل رأيتم ما يحدث في تطبيق 'إكس'؟ الجحيم حرفياً قد فُتح علينا! خبر هروب 'الجوكر الأسود' من فخ الـ FBI المحكم انتشر كالنار في الهشيم.

نحن الترند الأول عالمياً، وليس بطريقة جيدة!"

​عقدت حاجبي وسحبت الجهاز اللوحي.

الشاشة كانت تعرض هاشتاق #سقوط_الإف_بي_آي و #الجوكر_يضحك_أخيراً.

​بدأت أقرأ التعليقات التافهة التي جعلت شرياناً في رقبتي ينبض بقوة:

​[@HunterGossip_007]:

"فرقة النخبة التابعة للاستخبارات، فرقة 'ألفا'، بكامل عتادها، ومروحية دعم جوي، ولم يستطيعوا الإمساك بلص واحد؟ هل كانوا يقاتلون الجوكر الأسود أم كانوا يعلمونه كيف يسرقهم؟ [وجه يضحك بدموع الفرح] ،[نار ملتهبة] "

​[@Elysium_Truth]:

"سمعت أن إيفا بلاكود، الملقبة بـ 'أميرة الظلال'، تلقت صفعة على وجهها من الجوكر! الأسطورة تقول إنه ترك لها وردة سوداء قبل أن يهرب! [رمز:وردة حمراء]، [رمز:قلب أسود]

#رومانسية_الأشرار"

​"وردة سوداء؟!" صرخت، وفنجان القهوة في يدي تشقق من الضغط الذي مارسته عليه بمهارة الإيترا الخاصة بي.

"أنا سأقتلع قلب من كتب هذه التغريدة وأحشره في حنجرته!"

​ضحك داميان بصوت عالٍ، ممسكاً ببطنه.

"وردة سوداء! يا إلهي، إيفا، ربما يجب أن تعطيه فرصة! يبدو أنه رومانسي!"

​"اخرس يا داميان قبل أن أقطع لسانك،" رمقته بنظرة جعلت ضحكته تتلاشى في ثانية ويتحول إلى السعال.

​واصل أيدن التذمر وهو يمشي ذهاباً وإياباً في الغرفة.

"المشكلة ليست في المراهقين الأغبياء، المشكلة في القيادة. القائد 'آرثر ستيرلينغ' مستشاط غضباً. لقد وبخني عبر الاتصال الداخلي لمدة عشرين دقيقة. قال إننا مجموعة من الهواة المغرورين، وإننا تركنا هدفاً من الرتبة G يمسح بكرامتنا الأرض."

​عند ذكر اسم 'آرثر ستيرلينغ'، ساد صمت مزعج في الغرفة. آرثر... ذلك المتعجرف الأشقر من الرتبة A، والذي يظن نفسه سامي يمشى على الأرض.

​تنهدت سيا وأغلقت علبة طلاء الأظافر.

"آرثر كان ينتظر فرصة لزلتنا. لكن بصراحة، لا يمكنني إلقاء اللوم بالكامل عليه. المهمة فشلت. اللص هرب، المتجر تدمر، ومروحية بملايين الأرصدة تحولت إلى خردة."

​قلت ببرود وأنا أقف وأنفض معطفي: "سأمسك به. إنها مسألة وقت فقط. الجرح الذي سببته له في بطنه... إيترا الظلال خاصتي قد تسللت إلى مجرى دمه. سيموت ببطء إذا لم يجد معالجاً من الرتبة A فما فوق، ولا أحد في السوق السوداء سيخاطر بعلاجه الآن."

​فجأة، أضاءت الشاشة العملاقة المعلقة على جدار الغرفة الآمنة باللون الأحمر، وانطلق صوت إنذار قصير ومكتوم.

​[أمر مهمة طارئ: فرقة ألفا]

[التصنيف: خطير جداً (أحمر)]

[الهدف: تطهير واستخراج]

​توقفنا جميعاً عن الحديث. المزاح انتهى. نحن أصدقاء مقربون، نتشاجر ونتبادل النكات الثقيلة، لكن عندما يومض الضوء الأحمر، نتحول إلى ما صُنعنا لنكونه: آلات قتل محترفة تابعة للنظام.

​قرأ أيدن التفاصيل من جهازه اللوحي، وتلاشت ملامح الغضب من وجهه لتستبدل بجدية مرعبة.

"يا رفاق... استمعوا إلى هذا. استشعار الإيترا رصد نشاطاً غير طبيعي في القطاع G، تحديداً في محطة مترو الأنفاق القديمة 'خط أوميغا' التي غمرتها المياه وتم هجرها منذ عشر سنوات.

التقارير تشير إلى اختفاء خمسة وعشرين متشرداً وصياداً من الرتب الدنيا في تلك المنطقة خلال الساعات الـ 48 الماضية."

​سألت سيا، وهي تستدعي عصاها السحرية القصيرة من حلقة التخزين المكاني: "اختفاء؟ هل ظهرت بوابة جديدة غير مسجلة؟"

​"أسوأ،" قال أيدن، وهو يرفع صورة هولوغرامية على الشاشة الكبيرة.

الصورة كانت مشوشة، التقطتها كاميرا مراقبة معطلة جزئياً في أنفاق الصرف الصحي.

كانت تظهر مخلوقاً... لا يمكن وصفه إلا بأنه 'ملعون من سامي غاضب'.

​كان المخلوق يمتلك جذعاً بشرياً لرجل سمين، لكن أطرافه لم تكن بشرية؛ كانت عبارة عن مخالب حشرية ضخمة تشبه مخالب السرعوف، ورأسه كان منقسماً إلى نصفين بشكل أفقي، تتدلى منه أمعاء متوهجة بلون أخضر مريض.

​شعر داميان بالاشمئزاز، وأدار وجهه. "ما هذا القرف؟ هل هو غول متحور؟"

​قلت وأنا أحدق في الصورة بعيون نصف مغلقة: "لا. انظروا إلى بقايا القميص الممزق على كتفه. هذا شعار نقابة عمال النظافة. هذا... كان بشرياً."

​ساد صمت مميت في الغرفة.

​أكمل أيدن بصوت منخفض: "القيادة تعتقد أن هناك من يستخدم تلك المحطة المهجورة كمعمل لتجارب التحويل البيولوجي.

'تحويل البشر إلى وحوش'. الأوامر واضحة: النزول إلى خط أوميغا، إبادة أي وحش متحور، القضاء على المسؤول عن التجارب، واسترجاع أي بيانات يمكن العثور عليها."

​ابتسمت ابتسامة باردة، ولمست الجرح المغطى على خدي.

كنت أحتاج إلى شيء لأفرغ فيه هذا الغضب المتراكم.

"أخيراً، مهمة حقيقية بدلاً من مطاردة لصوص المجوهرات. جهزوا أسلحتكم. سننزل إلى الجحيم الليلة."

​(الموقع: القطاع G - محطة أوميغا المهجورة)

​كانت الرائحة هي أول ما يضرب حواسك.

رائحة العفن، المياه الراكدة المليئة بالصديد، والحديد الصدئ.

​كنا نقف عند مدخل السلالم المؤدية إلى المحطة السفلية.

المطر كان لا يزال يهطل بالخارج، يتدفق عبر الشقوق في السقف الإسمنتي المحطم كشلالات صغيرة ملوثة.

الظلام كان شبه دامس، لولا بعض الفطريات المشعة التي نبتت على الجدران الرطبة، تلقي بظلال خضراء شاحبة ومريضة على المكان.

​"أيدن، التغطية،" قلت بصوت هامس عبر نظام الاتصال الداخلي في أذننا.

​"علم،" همس أيدن. رفع يديه، وتدفقت إيترا شفافة من أصابعه لتغطينا نحن الأربعة. على الفور، أصبحت خطواتنا على المياه الراكدة صامتة تماماً، وتلاشت رائحتنا الحرارية. مهارة 'التمويه الكامل' الخاصة بأيدن من الرتبة A كانت مثالية لعمليات التسلل.

​سار داميان في المقدمة، سيفه العريض المشبع بإيترا البرق في يده، جسده متوتر كزنبرك جاهز للانطلاق.

سيا كانت في المنتصف، شفتاها تتحركان بصمت وهي تتلو تعويذات تعزيز دفاعية جاهزة للإطلاق في أي جزء من الثانية.

أنا وأيدن كنا في الخلف. أنا بعيني السوداوين اللتين تخترقان الظلام كسكين، وخناجري القصيرة السوداء المخبأة في أكمامي.

​نزلنا السلالم ببطء.

المياه بدأت ترتفع حتى وصلت إلى كواحلنا.

​فجأة، توقف داميان. ورفع قبضته. توقفنا جميعاً.

​من عمق النفق المظلم، سمعنا صوتاً.

​"ساعدوني... أرجوكم... الجدار... الجدار يأكلني..."

​كان صوت طفلة. صوت باكي، مليء بالرعب والألم الخالص.

​ارتجفت سيا قليلاً، وهمست: "هل يوجد ناجون؟ يجب أن نسرع."

​أمسكت بكتف سيا بقوة، واعتصرته حتى تأوهت.

"لا تتحركي، يا غبية،" همست ببرود قاتل.

"ركزي في تدفق الإيترا. هل يبدو لكِ هذا كإيترا طفلة؟"

​أغمضت سيا عينيها للحظة، ثم شهقت بصدمة وتراجعت خطوة.

​تقدمنا بحذر شديد نحو مصدر الصوت.

في نهاية رصيف المحطة، كانت هناك عربة قطار قديمة ومحطمة، صدئة ومغطاة بشباك عناكب سميكة تشبه الأسلاك الشائكة.

​الصوت كان يأتي من سقف العربة.

​وجهت نظري إلى الأعلى، ورأيت الكابوس.

​لم تكن طفلة. كان وحشاً يشبه العناكب الذئبية العملاقة، بحجم شاحنة صغيرة، معلقاً بالمقلوب على السقف.

لكن الكارثة لم تكن في شكله العنكبوتي، بل في بطنه.

كان بطن الوحش شفافاً ومنتفخاً، وداخله... كانت هناك عشرات الوجوه البشرية المذابة جزئياً في حمض معدته.

الوجوه كانت تتحرك، تفتح أفواهها، وتصدر منها تلك الأصوات البشرية المسجلة من ضحاياها.

​"ساعدوني... أرجوكم..." كرر الوحش بصوت الطفلة من خلال أحد الوجوه المذابة، بينما كانت عيونه الثمانية الحمراء تحدق بنا مباشرة في الظلام. لقد كشف تمويه أيدن!

​"فخ استشعار حراري متقدم!" صرخ أيدن وهو يتراجع.

​"هجوم!" أمرت بصوت جليدي.

​انفجر المكان بالحركة. الوحش العنكبوتي أطلق صرخة ليست بشرية هذه المرة، صرخة معدنية تصم الآذان، وبصق شبكة هائلة من الخيوط الحريرية اللزجة والخضراء المحملة بالحمض نحو داميان.

​داميان لم يتهرب. ابتسم بتهور، ولوح بسيفه العظيم بحركة أفقية سريعة.

"برق القطع!"

​انطلق هلال من الإيترا الزرقاء المكهربة من سيفه، ومزق الشبكة الحمضية في الهواء، لتتناثر القطرات الحارقة على الجدران وتذيب الإسمنت محدثة أزيزاً مقززاً.

​لكن الوحش لم ينتظر.

سقط من السقف كصخرة ضخمة مباشرة نحو سيا.

​"درع النور!" صرخت سيا، وضربت عصاها بالأرض. قبة ذهبية مشعة ظهرت حولها في جزء من الثانية.

ارتطم الوحش بالقبة بقوة هائلة جعلت الأرضية تهتز، لكن الدرع صمد.

​كنت قد تحركت بالفعل. بينما كان الوحش مشغولاً بالدرع، ذبت في الظلال.

مهارة 'السير في الظل' من الرتبة A تتيح لي الانتقال الآني عبر أي ظل في نطاق عشرين متراً.

​ظهرت مباشرة فوق ظهر الوحش العنكبوتي. رفعت خنجري الأسود، الذي ينبثق منه ظلام مكثف كالدخان.

​"مت أيها المسخ."

​طعنت الخنجر بكل قوتي في الفاصل الدقيق بين رأسه وصدره.

الإيترا المظلمة خاصتي لم تقطع اللحم فقط، بل التهمت طاقته الحيوية من الداخل.

صرخ الوحش بأصوات جميع الوجوه البشرية في بطنه في آن واحد—سيمفونية من العذاب المرعب. بدأ يترنح، ينزف دماً أسود لزجاً، وأرجله تنثني تحته.

​لكن... الأمر لم ينتهِ.

​من ظلام النفق الممتد، سمعنا أصوات أقدام تضرب المياه. العشرات منها. بل المئات.

​"إيفا!" صرخ أيدن وهو يرفع بندقية رشاشة مشبعة بإيترا النار. "نحن محاطون!"

​نظرت حولي. من كل ممر، من نوافذ عربات القطار المحطمة، ومن فتحات التهوية، بدأوا يتدفقون. لم يكونوا وحوشاً عادية. كانوا 'المتحولين'.

​بشر مشوهون. بعضهم فقد عينيه ونمت مكانها أنياب، بعضهم التصقت أذرعهم بأجسادهم وتحولت إلى أسلحة عظمية حادة، وبعضهم كانوا يزحفون على أربع وبطونهم مفتوحة تسحب أمعاءهم خلفهم.

كانوا يرتدون بقايا ملابس بشرية مألوفة—بدلات عمل، فساتين ممزقة، وحتى ملابس أطفال.

المشهد كان يمزق القلب بقدر ما يثير الرعب والغثيان.

​"تشكيل الدفاع! سيا في المركز، داميان في المقدمة، أنا في الأجنحة، أيدن التغطية النارية!"

أصدرت الأوامر بثبات، قمعت أي ذرة تعاطف في قلبي.

هؤلاء لم يعودوا بشراً.

إنهم مجرد عقبات.

​بدأت المجزرة.

​داميان كان آلة طحن. سيفه المكهرب كان يشق الظلام، يقطع أجساد المتحولين إلى أنصاف، ويرسل رائحة اللحم البشري المحترق في الهواء.

كان يضحك ضحكة مجنونة، ضحكة محارب فقد عقله في نشوة القتال، والدماء تتناثر على وجهه الجميل.

"تعالوا أيها القمامة! واجهوا بطل الأكاديمية!"

​أيدن كان يقف خلف سيا، يطلق النار بتركيز آلي.

كل رصاصة مشبعة بإيترا النار كانت تخترق جماجم المتحولين وتنفجر بداخلها، محولة رؤوسهم إلى غبار أحمر يتطاير في الهواء.

​سيا كانت تبكي بصمت، لكن يديها لم ترتجفا.

كانت تطلق تعويذات 'رماح النور' التي تخترق صدور الوحوش كشهب ذهبية، وتجدد دروعنا الواقية كلما خدشتها مخالب المتحولين.

​أما أنا... كنت أرقص رقصة الموت.

​تحركت عبر الظلال كطيف انتقامي.

لم أكن أقاتل بقوة غاشمة كداميان.

كنت أستهدف النقاط الحيوية فقط. خلف عنق وحش... طعنة. أسفل ذراع متحور... قطع للشريان الرئيسي.

اختفاء، ثم ظهور. كان الدم الأسود يغطي معطفي، لكنني لم أشعر بالاشمئزاز. شعرت بالقوة.

​استمر القتال لمدة عشرين دقيقة. عشرون دقيقة في جحيم من الدماء، الصراخ، والأطراف المقطوعة.

المياه التي كانت تغمر كواحلنا تحولت إلى اللون الأحمر الداكن اللزج، وامتلأت بأشلاء لا حصر لها.

​أخيراً... سقط آخر متحول، ورأسه مفصول عن جسده بسيف داميان.

​كنا نلهث بشدة. داميان كان ينحني، مستنداً على سيفه، وكتفه ينزف من خدش عميق. سيا سقطت على ركبتيها في المياه الملوثة، تتقيأ من بشاعة المشهد ورائحة الموت الخانقة.

أيدن كان يغير مخزن سلاحه بيديٍ ترتجفان من الأدرينالين.

​وأنا... كنت أقف وسط المجزرة، أنظر إلى الجثث ببرود.

​"أحسنتم صنعاً،" قلت بصوت متقطع. "لكننا لم نجد المصدر بعد. هؤلاء كانوا مجرد حراس."

​"هناك... ضوء في نهاية النفق،" قال أيدن وهو يشير بيده المرتعشة نحو عمق المحطة.

​مشينا بحذر شديد فوق الجثث والأشلاء، متوجهين نحو مصدر الضوء. كان الضوء ينبعث من غرفة الصيانة الرئيسية للمحطة.

الباب الحديدي الضخم كان مفتوحاً نصف فتحة.

​دخلنا.

​الغرفة كانت واسعة جداً، وتحولت إلى ما يشبه المختبر الكابوسي.

أنابيب زجاجية عملاقة كانت تصطف على الجدران، مليئة بسائل أصفر لزج، وبداخلها... بشر.

كانوا لا يزالون أحياء، يطفون في السائل، وأنابيب معدنية تخترق جماجمهم وحناجرهم، تضخ فيهم تلك 'الإيترا الفاسدة' التي تحولهم.

​وفي وسط الغرفة، كان يقف 'الزعيم'.

​لم يكن بشرياً متحولاً، بل شيء أسوأ. كان وحشاً من الرتبة S-، "مجسم لحمي آلي"

(غولم لحمي سايبورغ). كان طوله يتجاوز الثلاثة أمتار، يتكون من قطع بشرية مخيطة ببعضها بأسلاك فولاذية، مدعمة بتروس ومحركات سحرية تنبض بالإيترا القرمزية.

رأسه كان عبارة عن كتلة من الكاميرات والعدسات الحمراء بدلاً من العيون، ويمتلك أربعة أذرع—اثنتان تنتهيان بمناشير آلية عملاقة، واثنتان تحملان مدافع إيترا مركزة.

​كان هناك شخص يرتدي معطفاً أبيض يقف خلف الوحش، يكتب بيانات على لوح إلكتروني.

عندما رآنا، ابتسم ببرود، وضغط زراً أحمر على اللوح.

​"تخلص منهم، يا تجربتي رقم 404،" قال الرجل، ثم هرب عبر باب خلفي في الجدار.

​التفت الوحش الآلي نحونا، وعدساته الحمراء تركزت علينا. انطلق صوت آلي مشوه من صدره: "تدمير... الدخلاء."

​"تباً!" صرخ داميان، واندفع للأمام.

​"داميان، انتظر! إنه رتبة S-!" صرخت، لكن الأوان كان قد فات.

​الوحش لم يتحرك ببطء كما يوحي حجمه. في جزء من الثانية، رفع مدفعه وأطلق شعاعاً أحمر مركّزاً كاد أن يذيب داميان لولا أن سيا ألقت 'درع التضحية' أمامه.

الشعاع حطم الدرع، ودفع داميان للخلف بقوة هائلة ليرتطم بالجدار، ويسقط فاقداً للوعي.

​"داميان!" صرخت سيا.

​"أيدن، غطني!" زأرت بغضب لم أعهده في نفسي.

​بدأ أيدن بإطلاق وابل من رصاص النار المستمر نحو رأس الوحش الآلي، ليشتت عدساته.

استغللت الفرصة، وذبت في الظلال.

​ظهرت خلف الوحش، محاولة طعن الأنابيب التي تضخ الإيترا في ظهره.

لكن الوحش كان يمتلك استشعارات دائرية.

أحد الأذرع التي تحمل المنشار الآلي استدارت للخلف بزاوية مستحيلة، وضربتني.

​رفعت خنجري للصد، لكن قوة المنشار الآلي الذي يعمل بالإيترا كانت مرعبة.

شُطر خنجري السحري إلى نصفين، وضُربت في كتفي. اخترق المنشار معطفي، ومزق جزءاً من لحمي.

​صرخت ألماً، وتراجعت للخلف أتدحرج على الأرض لتفادي ضربة أخرى كانت ستشطرني نصفين.

​"إيفا!" صرخ أيدن وهو يركض نحوي.

​الوحش تقدم بخطوات ثقيلة، يرفع مناشيره لإنهاء حياتنا.

​نظرت إلى ذراعي الملطخة بالدماء، ثم تذكرت ذلك الوجه المبتسم الساخر للجوكر الأسود.

تذكرت خدشه لكبريائي. تذكرت أنني أميرة الظلال، ولن أموت في هذا المجاري القذرة.

​الظلام ليس مجرد مهارة لدي. إنه طبيعتي.

​وقفت ببطء. تجاهلت الألم في كتفي.

أغمضت عيني، وفتحت بوابات الإيترا في روحي لأقصى اتساع ممكن.

​"تراجع يا أيدن،" قلت بصوت لم يكن صوتي. كان صوتاً يتردد كصوت الأشباح في المقابر.

​توهج جسدي بهالة سوداء قاتمة، كثيفة لدرجة أنها بدأت تمتص الضوء من الغرفة. الفطريات المشعة ماتت، والأنابيب انطفأت.

​[مهارة فريدة تفعيل: مجال الموت المظلم - الرتبة A+]

​اندفعت الظلال من تحت قدمي كأمواج تسونامي سوداء، غطت الغرفة بأكملها.

الوحش الآلي حاول إطلاق أشعة المدفع، لكن الظلام ابتلع الضوء.

​تحولت إلى طيف نقي.

لم أعد أركض، كنت أنزلق عبر الفضاء.

ظهرت أمام الوحش، ويدي اليمنى كانت مغلفة بالكامل بشفرة طويلة من الظلام المكثف، حادة كشفرة مقصلة إلهية.

​بضربة واحدة، أفقية، وبقوة تتجاوز حدود الجسد البشري، مررت من خلال الوحش.

​وقفت خلفه ببضعة أمتار، ألهث، والهالة السوداء تتلاشى ببطء من حولي.

​لثانية كاملة، لم يحدث شيء. الوحش كان يقف جامداً. ثم... سمعنا صوت صرير معدني مرعب.

الخط الأفقي الذي رسمته شفرة الظلام ظهر عبر خصره المصنوع من الفولاذ السحري واللحم.

​انشطر الوحش الآلي إلى نصفين. سقط النصف العلوي على الأرض بقوة، وانفجرت محركاته السحرية في نافورة من الشرار الأحمر والزيت الأسود.

​مات الوحش من الرتبة S-.

​سقطت على ركبتي، أسعل بقوة، والإرهاق يسحق عظامي. أيدن سارع نحوي، بينما كانت سيا تركض نحو داميان الفاقد للوعي لتلقي عليه تعويذات الشفاء المتقدمة.

​"يا إلهي... لقد فعلتها يا إيفا،" همس أيدن وهو يساعدني على الوقوف.

​نظرت إلى الجثة الآلية المقطوعة، ثم مسحت العرق الممزوج بالدماء عن جبهتي. ابتسمت بضعف، وسخرية كئيبة طغت على صوتي.

​"نعم، فعلتها... سحقت وحشاً من الرتبة S-..." تمتمت، ونظري يتجه نحو الظلام الفارغ. "...لكنني لم أستطع الإمساك بلص من الرتبة G. يا لها من مهزلة."

​استندت على كتف أيدن، وبدأنا نسير ببطء خارجين من هذا الجحيم، نحمل داميان، وبيانات المختبر التي وجدناها.

​المهمة نجحت. نحن أبطال في نظر القيادة الآن. لكن في داخلي، كانت هناك حقيقة واحدة تشتعل كالجمر.

​عالمنا يتغير. الوحوش تتطور. البشر يتحولون. وهناك لص غامض يرتدي قناعاً مبتسماً يتسكع في شوارع إيليزيوم، يلعب بنا كدمى.

​"الجوكر الأسود..." تمتمت في قلبي، والمطر في الخارج لا يزال يهطل بلا رحمة.

"في المرة القادمة التي نلتقي فيها، لن أهمل دفاعي... وسأمزق تلك الابتسامة عن وجهك، حتى لو اضطررت لحرق المدينة بأكملها."

2026/04/17 · 8 مشاهدة · 2922 كلمة
ash
نادي الروايات - 2026