لم تكن مرحلة ما بعد الإنتاج للفيلم صعبة جدًا. فبما أنه فيلم بشخصية واحدة ونهاية مفتوحة ذات طابع ساخر، لم يحتج
مدفون حيًّا
عند مراجعة مكتب الرقابة للفيلم ذي الميزانية المنخفضة، لم يواجهوا العقبات الصارمة التي تُذكر في الروايات. فبعد بعض التعديلات البسيطة على التفاصيل، حصل الفيلم على موافقة العرض.
لكن الحصول على الموافقة لم يكن سوى نصف المعركة — أما النصف الأصعب فكان تأمين أماكن عرض له في دور السينما.
حتى مع تحديد موعد الإصدار، إذا لم توافق سلاسل السينما على عرضه، فسيبقى الفيلم عالقًا، مؤجلًا إلى أجل غير معلوم.
وبما أن "لو يوان" مخرج غير معروف، فلم يكن له نفوذ يُذكر. أما مساعد المخرج "وي بانغتسي"، فلم يكن سوى خريج حديث بلا دعم عائلي، والممثل الرئيسي كان موهوبًا لكنه على القائمة السوداء لشركة "هوا جين" للإنتاج، لذا لم يتلقوا أي دعم من هناك.
حين بدأ "لو يوان" و"وي بانغتسي" بزيارة مكاتب شركات دور السينما لعرض فيلمهم، كانوا يُرحّب بهم بأدب في البداية، ثم يُطلب منهم المغادرة قبل أن تُعرض عليهم اللقطات حتى.
وفي الوقت نفسه، كانت العاصمة تعجّ بالحركة. فبدعم من سلاسل كبرى مثل
تيان تشين
وان جيا
لم يُبدِ "لو يوان" أي انفعال، لكن "وي بانغتسي" كان يغلي من الغيظ. لولا أنه مساعد مخرج، لبصق على تلك الملصقات ازدراءً.
فالعالم — كما يعرفان — لم يكن عادلًا.
الأحلام والواقع نادرًا ما يلتقيان.
لقد كانا مجرد مبتدئين يسحقهما الواقع القاسي.
قال "وي بانغتسي" متذمرًا: "إن لم نجد حلًا، فلن ننافس (شن ليانججيه) حتى، بل سنخسر المال!"
أجابه "لو يوان": "صحيح."
"بقيت ثلاث سلاسل سينما لم نحاول معها بعد. فلنجربها."
"على الأرجح سيرفضون أيضًا."
"اللعنة! لم يشاهدوا الفيلم حتى قبل أن يرفضوه! ألهذه الدرجة صعب عرض فيلم؟"
"ربما لم نبذل جهدًا كافيًا في الترويج؟"
"ليس لدينا ميزانية إعلانات أصلًا! هيه، لو يوان، ما رأيك تموّل بعض الإعلانات من مدخراتك؟"
"كم سيكلف ذلك؟"
"حوالي أربعين إلى خمسين ألف يوان."
"لماذا لا نوزّع منشورات بدلًا من ذلك؟"
"هيه! هذا لا يليق بنا! نحن محترفون مثقفون!"
"…"
غادر "لو ييهونغ" في تلك الفترة، إذ اضطر للعودة إلى "هوا جين" لتنفيذ التزاماته رغم أنه مُستبعد هناك.
أما "لي تشينغ"، فقد عاد هو الآخر إلى عمله في "تيانيو إنترتينمنت"، بعدما أنهى مهامه في
مدفون حيًّا
بقي المكتب في شركة "ريموت إنترتينمنت" خاليًا إلا من "لو يوان" و"وي بانغتسي" — مجرد هيكل إداري بلا موارد.
وفي الظهيرة، بعد رفضٍ جديد، جلس الاثنان على رصيف شارع الشرق، يدخنان سجائر
الأوركيد الحمراء
لكن لسبب ما، كان طعم السجائر مرًّا.
قال "وي بانغتسي" وهو يطفئ سيجارته: "فلنستسلم، لقد اكتفيت."
ردّ "لو يوان": "نعم، كفانا اليوم. لنذهب إلى الشركة التالية."
"حسنًا."
مع غروب الشمس، تلوّن الأفق بحمرة ذهبية فوق شوارع "هنغديان" المزدحمة.
كان وجه "وي بانغتسي" متصلبًا من كثرة الابتسام القسري، بعد أن طُردا مجددًا من أحد المكاتب.
لقد أصبح واضحًا —
مدفون حيًّا
كانت حقيقة مرّة ومحبطة.
سأله "لو يوان": "بماذا تنشغل على هاتفك طوال الوقت؟"
أجاب "وي بانغتسي": "أفكر بالاتصال بوالدي… لكن لا أجرؤ."
"ولماذا؟"
"بسبب أحلامي…"
"كفّ عن هذا الهراء الدرامي." قال "لو يوان" رافعًا عينيه بتململ.
"أبي رجل قوي النفوذ، لكني لا أحب شخصيته، لذا لم أنحنِ له أبدًا."
"أوه؟"
"هذا أول فيلم لي، فرصتي لإثبات نفسي. أتراني أتنازل الآن؟"
قال "لو يوان" بلا اكتراث: "إن لم ترد الانحناء، فلا تنحنِ. لديك يدان وقدمان، فما الذي تخشاه؟"
ابتسم "وي بانغتسي": "أتعلم يا أيوان؟ كلما قضيت وقتًا معك، أدركت كم أنا صغير أمامك. أنت كأنك بطل رواية يمشي على الأرض!"
"بطل رواية؟ وأنا أدخن بهذا الشكل؟" ردّ "لو يوان" مستغربًا.
لم يكن الوقت مناسبًا للإطراء، خاصة إن كان بتلك السخرية المبطّنة.
لكن "وي بانغتسي" تابع بجدية: "صدقني، فيك صفات أحترمها: الصلابة، الثقة الغير مسبوقة، والموهبة الحقيقية… ناهيك عن طموحك المخيف."
"؟؟؟" تجمّد "لو يوان".
طموح؟
هل تحدث في نومه عن رغبته في فتح مطعم وكسب المال؟
تابع "وي بانغتسي" بحماس: "بقدراتك ومواهبك، أي شركة ترفيه ستفتح لك أبوابها. سيعاملونك كنجم صاعد. حتى لو كنت كاتب أغاني فقط، ستسيطر على المجال! لكنك لم تختر ذلك، بل آثرت البدء من الصفر هنا. أليس هذا دليلًا على العظمة؟"
"أمم…"
"أفهمك يا أيوان. أنت تحتقر تلك الشركات. تريد تأسيس شيء أعظم. تتصرف بلا مبالاة، لكني رأيتك تقرأ
كيف تبدأ مشروعك
"؟؟؟" نظر إليه "لو يوان" بدهشة من خياله الجامح.
ثم أكمل "وي بانغتسي"، وصوته يفيض بالعزم: "بطموحك وعزيمتك، سننجح. معاناتنا مؤقتة، وغدًا سيكون أفضل. لنعمل معًا لنجعل هذه الشركة عظيمة!"
ربّت على كتف "لو يوان" وهو ينظر نحو الغروب، تغمره أشعة الشمس الذهبية، فيبدو كقدّيس نهض من اليأس.
لحظة… هل بدا المشهد رومانسيًا بعض الشيء؟
قال "لو يوان" بابتسامة ساخرة: "بما أنك متحمّس لهذه الدرجة، فأنت من سيدفع ثمن العشاء الليلة."
"هاه؟ لماذا أنا؟"
"لأنك تتعلم مني. والتعليم ليس مجانيًا!"
"اللعنة!"
وبعد العشاء وبعض الشراب، عاد الاثنان مترنحين نحو المكتب.
وقبل أن يصلا إلى الباب، اعترضهما رجلان.
"أنت لو يوان، أليس كذلك؟"
"هاه؟ ومن أنتما؟"
"أنا تشو شواي من مجلة
هواشيا إنترتينمنت ويكلي
"حول ماذا؟"
"أنت تعرف (آن شياو)، أليس كذلك؟"
"ماذا؟"
"لقد زارت هذا المكان من قبل، صحيح؟"
"وإن فعلت؟"
"أنت (لو البربري)، أليس كذلك؟" قال "تشو شواي" بعينين متألقتين وهو يراقب تعبير وجه "لو يوان".
توقف "لو يوان" لحظة، ثم ابتسم بمكر: "يا له من طقس جميل اليوم، أليس كذلك يا بانغتسي؟"
"نعم، طقس مثالي!" أجاب "بانغتسي" وهو يتحرك ليقف خلف "تشو شواي".
"؟؟؟" شعر "تشو شواي" بقشعريرة مفاجئة، وقبل أن يدرك ما يجري —
بام!
"ما الذي تفعلانه؟! أطلقاني!"
"النجدة! كنت أمزح فقط!"
وفي ظلال الليل، انقضّ "لو يوان" و"بانغتسي" عليه، فأمسكه أحدهما من ساقيه والآخر كمم فمه، وجرّاه إلى الداخل كأنه خنزير يُساق للذبح.
أُغلق الباب بإحكام، وترددت داخله أصوات مكتومة: "مممف! مممف!"
وامتد الليل طويلًا وصامتًا…