الفصل الأول: رماد الماضي.. وجسد العدم

كانت رائحة البخور الرخيص تمتزج برائحة المطر الطيني في تلك المقبرة المنسية على أطراف القرية. وقف "ساي" أمام القبر الرخامي البسيط، يداه المرتجفتان تمسكان بلفافة قديمة من ورق البردي، هي كل ما تبقى له من إرث عائلته التي اندثرت. كان في الثالثة والأربعين من عمره، لكن وجهه كان يحمل تجاعيد رجل في الستين. ثمانية وعشرون عاماً من السعي خلف "الداو"، ثمانية وعشرون عاماً من استنشاق أبخرة الكيمياء السامة، والنوم في الكهوف الباردة، ومحاولة إجبار "التشي" على دخول عروقه.. دون جدوى.

"أمي.. لقد رحلتِ وأنا لا أزال مجرد فانٍ لا قيمة له،" همس ساي بصوت محطم. "عالم المزارعين لا يرحم الضعفاء، وأنا كنت أضعفهم جميعاً."

فجأة، تغير لون السماء. لم يكن غيماً رمادياً، بل سواداً حالكاً انكمش حول نقطة واحدة فوق رأسه مباشرة. ساد صمت مطبق، حتى قطرات المطر توقفت في الهواء. ثم انطلق "برق العدم". لم يكن صاعقة عادية، بل كان شقاً في نسيج الواقع، سقط كالسيف ليخترق جمجمة ساي. لم يصرخ، لأن حباله الصوتية تلاشت في جزء من الثانية، وتحول جسده بالكامل إلى جزيئات متناثرة في فجوة زمنية مظلمة.

[تم رصد مضيف متوافق..]

[تحليل الروح: نقية لكنها محطمة..]

[تفعيل نظام زراعة الخلود الأزلية..]

[الموقع المستهدف: الأرض - البعد 616..]

[الحالة الزمنية: 1995 ميلادية..]

استيقظ ساي على صوت ضجيج لم يعهده قط. صرخات معدنية، رائحة احتراق مطاط، وأضواء ملونة تومض في كل مكان. وجد نفسه ملقى في زقاق خلفي ضيق، جدرانه مغطاة برسومات غريبة (جرافيتي). كان جسده يؤلمه بطريقة غير مألوفة، كأن كل خلية فيه يتم تمزيقها وإعادة تركيبها.

حاول الوقوف، لكنه سقط مجدداً. فجأة، انبثقت شاشة شفافة أمام عينيه، مكتوبة بلغة "الداو" القديمة التي يفهمها:

[المرحلة الأولى: تجسيد الكيان]

[المهمة الحالية: تطهير الشوائب (تنقية الجسد من السموم البشرية)]

[التقدم: 5%..]

بمجرد ظهور الكلمات، بدأت عملية التطهير الحقيقية. شعر ساي بحرارة بركانية تنفجر في معدته. بدأ جلده يتشقق، ويخرج منه سائل أسود لزج يفوح برائحة الموت والفساد؛ كانت هذه بقايا الـ 43 عاماً من الطعام الملوث، الهواء الفاسد، والأدوية الكيميائية الفاشلة التي تناولها في عالمه القديم.

"آآآآغ!" صرخ ساي، لكن صوته هذه المرة كان عميقاً، يهز الطوب المحيط به.

في نهاية الزقاق، كان هناك ثلاثة رجال يرتدون سترات جلدية، يضايقون امرأة شابة. توقفوا فجأة عندما سمعوا الصرخة وشاهدوا السائل الأسود ينبعث من ذلك الرجل الغريب.

"يا إلهي، ما هذه الرائحة؟ هل هو مدمن مخدرات يحتضر؟" قال أحدهم وهو يشهر سكيناً. "أيها العجوز، أعطنا ما تملك وإلا أجهزنا عليك!"

نظر إليهم ساي بعيون كانت تتحول من البني الباهت إلى الفضي المتوهج. لم يكن يرى بشراً، كان يراهم عبر نظام الزراعة: [كتل لحمية ضعيفة - طاقة التشي: صفر].

تقدم الرجل صاحب السكين وطعن ساي في كتفه. لكن ما حدث جعل الدماء تتجمد في عروق اللصوص. السكين لم يخترق اللحم، بل انثنى نصلها الفولاذي وكأنه ضُرب ضد جدار من الماس.

[النسيج الفولاذي: مفعل بنسبة 10%]

[تنبيه: تم اكتشاف مادة معدنية (فولاذ رخيص). هل ترغب في تفعيل "تفكيك المادة الأولية"؟]

"تفكيك.." همس ساي، غريزياً.

بمجرد أن لمست يد ساي نصل السكين، توهجت يده بضوء رمادي باهت. في أقل من ثانية، تلاشت السكين تماماً، وتحولت إلى ذرات من الطاقة البيضاء التي امتصتها مسام جلد ساي. شعر بموجة من القوة تتدفق في ذراعه، وبدأ جرح الكتف البسيط يلتئم فوراً، بل أصبح الجلد هناك أكثر صلابة ولمعاناً.

"شيطان! إنه شيطان!" صرخ اللصوص وفروا هاربين، تاركين خلفهم ساي الذي بدأ يقف على قدميه بثبات لم يعهده طوال حياته.

نظر ساي إلى يديه؛ التجاعيد اختفت، والجلد أصبح ناعماً كالخزف لكنه صلب كالمعدن. كان يشعر بكل جزيء هواء من حوله. نظر إلى الشاشة مجدداً:

[تطهير الشوائب: 100% اكتمل]

[الحالة: تم استعادة حيوية الشباب. العمر الظاهري: 20 عاماً]

[الموقع: نيويورك - مطبخ الجحيم]

خرج ساي من الزقاق بخطوات ثقيلة، كل خطوة كانت تترك أثراً بسيطاً في الأسفلت نتيجة كثافة جسده الجديدة. رفع رأسه ليشاهد لوحة إعلانات ضخمة عليها صورة لرجل يبتسم بكبرياء ويدعى "هوارد ستارك"، مكتوب تحتها: "نبني المستقبل اليوم".

ابتسم ساي ابتسامة باردة. "المستقبل؟ في عالمي، الخلود هو المستقبل الوحيد. إذا كان هذا العالم يفتقر إلى مزارعين، فسأكون أنا الإمبراطور الأول والأخير."

في تلك اللحظة، على بعد أميال، داخل قاعدة سرية تابعة لمنظمة (S.H.I.E.L.D)، بدأت أجهزة الاستشعار بالاضطراب.

"سيدي، لدينا توقيع طاقة غير معروف في مانهاتن،" قالت عميلة شابة وهي تنظر للشاشة. "إنه ليس إشعاعاً غاماً، ولا طاقة كهرومغناطيسية.. إنه كأن الواقع نفسه قد ثُقب في تلك المنطقة."

نظر رجل ذو بشرة سمراء ويرتدي معطفاً طويلاً (نيك فيوري الشاب) إلى الشاشة بجدية. "أرسلوا فريق استطلاع. أريد أن أعرف ما إذا كان هذا زائراً من النجوم أم شيئاً أسوأ."

لم يكن ساي يعلم بعد أن رحلته للوصول إلى [الصفر المطلق] قد بدأت للتو، وأن "أبطال" هذا العالم ليسوا سوى عقبات في طريق داو الخاص به. جلس في زاوية مظلمة بحديقة "سنترال بارك"، وبدأ في تركيز عقله لتفعيل الميزة ا

لتالية في نظامه: [العظام الماسية].

2026/01/30 · 142 مشاهدة · 759 كلمة
INFINITU
نادي الروايات - 2026