الفصل الأربع مئة والثاني: شهادة إقليم كون لون الكوني، وخبر الفوضى المزلزل
____________________________________________
تقع قاعدة التدريب الخاصة بنجم الإمبراطوري المجري في قلب سلسلة جبلية مترامية الأطراف، وما إن وطأت قدما نينغ تشينغ شوان وغو تشو شيويه أرض المكان، حتى استولت على قلوبهما روعة المنظر الذي تكشّف أمامهما، فتملّكهما ذهولٌ عميق.
كانت تماثيل عظيمة، مفعمة بالوقار والجلال، تنتصب شامخة بين القمم، لتشكل هيئة قصور مهيبة، فيما تحلّقت حلقات نجمية صغيرة في عنان السماء، وكانت أعداد غفيرة من العاملين في القاعدة تتنقل ذهابًا وإيابًا بخطى متسارعة، وقد بدت على وجوههم علامات الانشغال بأمور لا يعلمها الواقف من بعيد.
وقف قائد الحرس خلفهما، ثم تحدث باحترام مجددًا: "يا سيدي ويا سيدتي، إن محتوى التدريب لهذه الدورة لا يزال في مرحلة الإعداد، وبعد عامٍ من الآن، سينضم إليكما العديد من الأفراد الذين تم استدعاؤهم خصيصًا من حضارات كوكبية أخرى للمشاركة في هذا التدريب."
وتابع قائلًا: "وخلال هذه الفترة، لكما حرية التجول في أرجاء القاعدة، أو تأمل معالمها، أو حتى القيام بجولة في ربوع نجم الإمبراطورية المجرية، وسيتكفل الهيكل المقدس بجميع النفقات."
أومأ نينغ تشينغ شوان برأسه إثر انتهاء كلامه، ثم رفع بصره نحو السماء مرة أخرى، متأملًا تلك الحلقات النجمية الصغيرة، التي لم تكن من صنع البشر، بل بدت وكأنها تشكيلات انتقال آني أبدعتها يد إله واحد أو ربما آلهة عدة.
ورغم اختلافها الطفيف عن تشكيلات الاتحاد، إلا أنها كانت تنبعث منها هالةٌ ألفها نينغ تشينغ شوان وأحس بها من قبل، فخالجَهُ شعور بأنه أدرك كنهها، ولكنه مع ذلك التفت إلى قائد الحرس وسأله: "ما تلك الحلقات النجمية التي في السماء؟"
رمقها قائد الحرس بنظرة سريعة ثم أجاب مبتسمًا: "تلك هي تشكيلات نجمية أبدعتها السيدة ميكائيل بنفسها، وهي تمثل المحور الأساسي لبرنامج التدريب في هذه القاعدة."
وأضاف موضحًا: "يخضع جميع المشاركين في هذا التدريب لاختبارات صارمة تُقيّم أداءهم، فكلما كانت نتائجهم أفضل، حظوا بمعاملة أفضل في إمبراطورية أتلان مستقبلًا، وإذا أثبتم جدارة استثنائية، فقد تتاح لكما فرصة الخدمة في هيكل ميكائيل المقدس."
"ولكن لا بد من التنويه بأن محتوى التدريب شاقٌ للغاية، وشروطه قاسية على نحو خاص، فكل تشكيل نجمي يمثل تحديًا تدريبيًا فريدًا، ويشمل اختبارات لا حصر لها، منها اختبار الموهبة الفطرية، والخبرة القتالية، والقدرة على العمل الجماعي، والتعامل مع الأحداث المفاجئة والمجهولة."
استغرق نينغ تشينغ شوان في تفكير عميق بعد سماعه هذا الشرح، فالقدرة على إبداع حلقات نجمية بهذا الحجم الهائل تدل على أن الإلهة ميكائيل، التي تحكم مجموعة مجرات أندروميدا الفائقة، لا بد أنها تتمتع بقوة لا يستهان بها.
ولأنه يجهل نظام الحكم في إمبراطورية أتلان، فقد استعصى عليه تخمين مرتبة ألوهيتها، ولكن، ما دامت إلهة حقيقية، فلا شك أن مرتبتها تفوق مستوى إله بنجمة واحدة على أقل تقدير.
وهذا ما يميّز نظامها عن نظام الاتحاد، حيث يُمنح الكيان القوي الذي يحكم مجموعة مجرية فائقة لقب حاكم إقليم، وتتراوح مرتبته عادة بين السابعة والتاسعة من مراتب سيد العوالم، وإلى جانب هؤلاء، هناك رؤساء فروع قصر التناسخ، الذين لا تقل مرتبتهم عن السابعة أيضًا، بالإضافة إلى كبار الموظفين من مختلف الرتب والمناصب.
أما هنا في إمبراطورية أتلان، فتنحصر السلطة الإلهية المطلقة في يد إله واحد فقط، ورغم قلة المقاتلين ذوي المراتب العليا، إلا أن قوة الإله التي لا تقل عن مستوى إله بنجمة واحدة تعوض هذا النقص، مما يجعل القوتين متكافئتين في نهاية المطاف.
في تلك اللحظة، سألت غو تشو شيويه وقد علا صوتها قلقٌ خفي: "هل يمكنك أن تخبرنا بتفاصيل التدريب، حتى نتمكن من الاستعداد جيدًا؟"
فالمكان هنا لم يعد الأرض التي ألفتها، وما ينتظرها هو بحر النجوم الشاسع، ومواجهةُ عباقرةٍ قادمين من كواكب مأهولة وحضارات إنسانية لا حصر لها، وإن أرادت أن تحظى بنتائج طيبة في هذا التدريب، فعليها أن تخوض منافسة شرسة لا ترحم.
صمت قائد الحرس برهة يفكر، ثم أجاب: "كل ما يمكنني إخباركُما به هو أن التشكيلات النجمية ستنقلكم إلى أقاليم خطرة، وقد تضطرون فيها لمواجهة كائنات مجهولة، بل ومقاتلة بعض الأجناس الغريبة، وفي أقصى الظروف، قد تواجهون خبراء من اكوان أخرى، فالأمر برمته محفوف بالمخاطر والمفاجآت."
'خبراء من اكون أخرى؟' خفق قلب نينغ تشينغ شوان لسماع هذه العبارة، فسأل بحذرٍ مستطلعًا: "وماذا تقصدون تحديدًا بخبراء الاكوان الأخرى؟"
أجاب قائد الحرس دون تردد: "قد لا تكونان على دراية كافية بمفهوم الاكوانس الأخرى، ولكنه في الحقيقة مصطلح عام يُطلق على الأكوان المغايرة، ففي سمائنا المرصعة بالنجوم هذه، تهب أحيانًا عواصف زمانية ومكانية، يظهر على إثرها أناسٌ يرتدون أزياء غريبة، ويتمتعون بقوة هائلة تضاهي قوة الآلهة."
"أما المتسبب في هذه العواصف، فهي قوة حضارية تُعرف باسم فضاء الإله الرئيسي، وهذه القوة لا تكتفي بتمزيق الزمان والمكان، بل تخطف الكائنات الحية من كل حدب وصوب، وتجبرهم على دخول عوالم غريبة لتنفيذ مهام مختلفة لحسابها، ولقد استمر الصراع بين الإمبراطورية وفضاء الإله الرئيسي لسنوات طوال، وهو ما ينعكس جليًا في طبيعة هذا التدريب."
ضاقت عينا نينغ تشينغ شوان وهو يستمع، ثم غرق في صمت عميق، فقد كان يعلم منذ أن كان على الأرض أن إمبراطورية أتلان تخلو من آلهة تُدعى الآلهة الرئيسية، ولكن هذا لا يعني أن هذه السماء الشاسعة تخلو منهم تمامًا.
غير أن كلام قائد الحرس أشار إلى أن الآلهة الرئيسية في هذه الأنحاء قلة نادرة، وجميعهم ينتمون إلى تلك القوة الحضارية المسماة بفضاء الإله الرئيسي، وهذا التكوين يختلف اختلافًا جذريًا عن الوضع القائم في الاتحاد.
"يبدو الأمر محفوفًا بالمخاطر." قالت غو تشو شيويه وعلى محياها أمارات القلق، فرغم الأهمية الكبرى التي توليها الإمبراطورية لكل فرد من المدعوين، وما توفره لهم من حماية شخصية، إلا أن عدد الذين لقوا حتفهم خلال الدورات التدريبية السابقة لم يكن قليلًا على الإطلاق، وفكرة فضاء الإله الرئيسي تلك بدت لها شريرة وغامضة وقوية إلى أبعد الحدود.
تنهد قائد الحرس قائلًا: "إنه كذلك بالفعل، ولكن إتمام هذا التدريب بنجاح يمنح المرء مجدًا لا يمكن تصوره، وأذكر جيدًا أنه في الدورة التدريبية الأولى التي نظمتها الإمبراطورية، ظهر عبقري فذ تمكن من إخضاع أحد الآلهة الرئيسية، لقد كانت موهبته تفوق الخيال، حتى أن العباقرة الآخرين وقفوا عاجزين عن مجاراته أو اللحاق به."
"أحدث ظهوره ضجة هائلة في أرجاء الإمبراطورية، ومُنح مكانة رفيعة ومنزلة سامية، بما في ذلك سلطة تفوق النفوذ الإلهي من الدرجة الثانية، ولكن للأسف، استبد به الغرور وتعاظم طموحه، فما إن امتلك قوة هائلة حتى غدر بالإمبراطورية، وسرق كنزها المقدس، قصر الفوضى الإلهي، بالإضافة إلى عدد كبير من الملفات السرية للغاية، ثم توارى عن الأنظار ولم يعد له أثر."
كان قائد الحرس يسترجع الماضي، وبينما يشرح تفاصيل التدريب، وجد نفسه يسترسل في درس تاريخي لم يقصده، إلا أن نينغ تشينغ شوان، عند سماعه تلك التفاصيل المألوفة، شعر برعشة تسري في جسده، فسأل مرة أخرى بصوت يملؤه الشك والدهشة: "هل هذا الشخص هو من أطلق على نفسه لاحقًا لقب سيد مدينة الفوضى؟"
نظر إليه قائد الحرس في حيرة واستغراب، ثم أومأ برأسه وهو يقول: "لا أذكر أن مثل هذه المعلومات التاريخية قد وصلت إلى الأرض، ولكنك على حق، فبعد أن استولى على قصر الفوضى الإلهي، أطلق على نفسه لقب سيد مدينة الفوضى، ثم أخذ القصر ومعه ذلك الإله الرئيسي الذي أخضعه، واختفى في غياهب السماء المرصعة بالنجوم."
"لقد بحثت الإمبراطورية عنه لسنوات طويلة دون جدوى، حتى صار اختفاؤه لغزًا غامضًا يؤرقها، وسرًا من أسرارها التي لم يُكشف عنها الستار."
تسارعت أنفاس نينغ تشينغ شوان على نحو غريب، لقد تطابقت الخيوط، نعم، لقد تطابقت تمامًا، إذن، سيد مدينة الفوضى قد أخذ قصر الفوضى الإلهي، وتوجه إلى إقليم تشو يو الكوني، وهناك أسس مدينة الفوضى!
وإذا ربطنا ذلك بهزيمته أمام تحالف دي شو، وهروبه نحو جسر الفضاء السحيق المقفر، فلا بد أن هذا المكان هو… إقليم كون لون الكوني