الفصل الأربع مئة والخامس والعشرون: أتجرؤ على قتالي بفنٍّ من إبداعي؟
____________________________________________
انقشعت ستائر الضباب الكثيف، وقد مزقتها هالةٌ قاهرةٌ شقت طريقها في عنفوان، فباتت الأجواء صافية في لحظة واحدة.
وقعَتْ عينا هونغ يوان على شابٍ ناحل البنية، يسير نحوه مكتوف اليدين خلف ظهره، وعلى محياه تجمدت ملامح لا تنم عن أي شعور، غير أن هيئة جسده كانت تنضح بهيبة خبيرٍ لا توصف بالكلمات.
كانت كل خطوة يخطوها تقطع عشرة أميال، يسير بخطى وئيدة لا عجل فيها ولا بطء، تنم عن ثقة راسخة وثبات من يملك زمام كل شيء بين يديه.
ما كان هذا الشاب إلا نينغ تشينغ شوان نفسه!
تجمدت نظرات هونغ يوان في مكانها، فقد كانت رؤيته وجهًا لوجه تبعث في النفس رهبة تختلف كليًا عن ذلك الشعور الذي انتابه حين لمح طيفه عبر الشاشة البلورية.
لم يكن نينغ تشينغ شوان يبدو على الإطلاق كشابٍ غرٍّ خرج للتو من كوكب الأرض، فتلك الهيبة الاستثنائية التي تحيط به لم تكن وليدة قوته فحسب، بل كانت انعكاسًا لتجارب لا تُحصى ومصاعب جمة، وكأنه قد عاش حياة أسطورية لم يعشها أحد غيره.
بل إن هونغ يوان قد شعر بوهمٍ غريب، وكأن هذا الشاب الذي أمامه هو سلفٌ له، خبيرٌ عتيقٌ اعتاد الوقوف في سدة الحكم، فانبعثت منه هيبة الملوك والقادة التي جعلت أنفاسه تضطرب وتتثاقل.
'أحقًا هذا هو الشاب اليافع الذي لم ينبت شاربه بعد، والقادم من كوكب الأرض؟' تساءل هونغ يوان في قرارة نفسه، وقد اعتلت ملامحه نظرة جدية عميقة.
ومع تقدم نينغ تشينغ شوان إلى قلب المعركة، علت ضحكة ماجنة من المرأة الفاتنة التي خاطبته بنبرة لا تخلو من الاستفزاز.
"يا للعجب، أليس هذا هو صاحب المركز الأول في قائمة أقوى مئة متدرب؟"
صاح باي تشوان وهو يجز على أسنانه، وقد كان يعاني بالفعل من بعض الإصابات جراء ضغطهم المتواصل عليه.
"أخي نينغ، كن على حذر، فهؤلاء جميعهم متجسدون من فضاء الإله الرئيسي!"
وما إن انقضت كلماته حتى بادرت المرأة الفاتنة بالهجوم دون تردد، فلوحت بكمها لتطلق العنان لسوطها الثعباني العملاق، الذي اندفع كالصاعقة نحو نينغ تشينغ شوان.
أطلق السوط دويًا انفجاريًا هز الفضاء، وقد كان مشبعًا بقوة فن خالدٍ من نوع ما، فألقى نينغ تشينغ شوان نظرة واحدة خاطفة، وأدرك في الحال أن هذه المرأة من المتدربين الخالدين، لكنها تتبع نظامًا مختلفًا عن الدروب المألوفة كدرب النواة الذهبية والروح الوليدة.
أما عن مستواها القتالي، فبتقييم محاربي النجوم في إمبراطورية أتلان، فقد كانت تقف عند عتبة المراحل الأولى من عالم صهر النجوم.
غير أن نينغ تشينغ شوان مد يده ببرود، وبحركة خفيفة من ظهر كفه، صفع ذلك السوط الثعباني العملاق فأحاله إلى شظايا متناثرة في الهواء. كان ذلك السلاح المقدس مرتبطًا بروحها الإلهية، فما إن تحطم حتى تغير وجهها في عنف، وشعرت بقوة قاهرة وكأن كوكبًا قد ارتطم بها، لا بل كانت قوة كواكب عديدة مجتمعة!
أدى تحطم السوط إلى رد فعل عنيف، فانفجر الدم من فمها وتناثر في الأرجاء، واضطربت هالتها على الفور. ولكن قبل أن يتسنى لها فعل أي شيء، كانت ركلة نينغ تشينغ شوان قد هوت عليها من السماء، مصحوبةً بملامحه الجليدية الباردة، فسحقت صدرها سحقًا، وتطايرت عظام جسدها في كل اتجاه محدثةً فرقعة مروعة، وتحولت إلى أشلاء في لحظة واحدة!
"أه!" انطلقت منها صرخة رعب مكتومة، قبل أن يسحقها نينغ تشينغ شوان بقدمه في باطن الأرض، فانهارت الأرض من تحتها. انشقت قشرة الأرض على امتداد مئة ميل، وتوقفت صرختها فجأة، واتسعت حدقتاها الداميتان، ثم انطفأت شعلة الحياة فيهما إلى الأبد.
أصاب هذا المشهد المروع باي تشوان بالوجوم، بينما تجمدت أجساد هونغ يوان وبقية المتجسدين من هول الصدمة، حتى أن عقولهم توقفت عن التفكير للحظات.
"نينغ... نينغ تشينغ شوان." همست غو تشو شيويه بعد أن استفاقت من ذهولها، فقد كانت تذكر جيدًا أنه قبل شهرين فقط، حين انتهى التدريب الأول، كانت القوة التي أظهرها لا تتجاوز المراحل الأولى من عالم صهر النجوم.
'تلك القوة كانت كافية لسحق أبطال عشيرة آن السبعة في نجم روديل دون عناء، لكنه اليوم، في مواجهة متجسدة من نفس المستوى، لم يكتف بهزيمتها، بل سحقها سحقًا في لمحة بصر! نعم، لقد كان قتلًا فوريًا!'
'إلى أي مدى وصلت قوته خلال هذين الشهرين؟ أم أنه لم يكن يستخدم كامل قوته قط في مواجهة أبطال عشيرة آن؟' لم تستطع غو تشو شيويه أن تتخيل حجم الأسرار التي لا تزال خافية عليها بشأنه.
وبعد أن قُتلت المرأة الفاتنة في لحظة، تراجع بقية المتجسدين بسرعة، وقد تبدلت ملامحهم مرارًا وتكرارًا، واختفى من وجوههم ذلك الغرور والصلف، لتحل محله نظرات من الرعب الخالص.
كانوا عاجزين عن فهم القوة التي واجهتها المرأة الفاتنة، لكن سحقها بتلك الطريقة يعني أن قوة نينغ تشينغ شوان الجسدية قد تجاوزت بكثير المراحل المتوسطة أو حتى العليا من عالم صهر النجوم.
"أظهروا ما لديكم من حيل أخرى." قال نينغ تشينغ شوان وهو يتقدم، فقد كان قد رسم في ذهنه بالفعل صورة لقوة متجسدي فضاء الإله الرئيسي وما قد يملكونه من فنون خارقة، وكان فضوله يدفعه لمعرفة الفارق بينهم وبين متجسدي الاتحاد، لكن المرأة الفاتنة قد خيبت أمله.
"هيئة الشيطان الحقيقية!" صاح هونغ يوان بصرخة مدوية، وقرر أخيرًا أن يتحرك، فظهر وشمٌ غريب لملك شياطين على جبهته، وتدفقت منه طاقة شيطانية عارمة، بينما انفجرت قوة هائلة من جسده، لتشكل حوله طيفًا مهيبًا لملك شياطين.
كان الطيف عظيمًا، غاضب النظرات، يزمجر فتتقلب له الرياح وتضطرب قوى الين واليانغ في الكون، وظهر سيف شيطاني في يد الطيف، وتحت وطأة نية هونغ يوان القاتلة، هوى السيف بضراوة نحو نينغ تشينغ شوان.
شق ذلك السيف الفضاء ومزقه، وخلف وراءه موجة من اللهيب المدمر، لكن في عيني نينغ تشينغ شوان، بدا ذلك الفن الشيطاني الذي يستخدمه غاية في الألفة، وكأنه أحد الفنون الشيطانية التي لا تحصى والتي أبدعها بنفسه يومًا ما في العوالم السماوية.
"ممل." همس نينغ تشينغ شوان بخيبة أمل، ثم أشار بإصبعه، فارتجف السيف الشيطاني في الحال، وفقد كل قوته أمام صانعه الحقيقي.
لم يستطع هونغ يوان إلا أن يراقب بعينين متسعتين سيفه الشيطاني وهو يتفتت شيئًا فشيئًا، بل إن هيئة ملك الشياطين نفسها بدأت تنهار بشكل غريب من تلقاء نفسها.
'لماذا؟' انفجر رأسه من هول الصدمة، فلم تفشل فنونه الخارقة أمامه فحسب، بل شعر بوهمٍ غريبٍ مرة أخرى، وكأن استعراضه لهذا الفن الشيطاني أمام نينغ تشينغ شوان ما هو إلا محاولة تلميذٍ ساذجٍ للتباهي أمام معلمه الأكبر. يا للسخرية! يا للغرابة!
وفي اللحظة التي تلاشت فيها هيئة الشيطان الحقيقية، كانت كف نينغ تشينغ شوان قد استقرت على رأسه، فدوت أصداء انفجار هائل، وتناثر الدم من مسامه السبعة، وتلاشى وعيه في الحال، وتحطمت كل أسس قوته تحت وطأة تلك الصفعة القاسية التي لا ترحم