الفصل الرابع والثمانون وأربع مئة: مطاردة الزفاف، وعملاق السلاح من عائلة باي
____________________________________________
في الأفق البعيد، توقفت خطى نينغ تشينغ شوان فجأة، وقد غمرته موجةٌ من الذهول وهو يرقب ما يحدث من حوله.
لقد تغير الكون في لمح البصر، فتلاشت الطاقة الروحية من السماء والأرض بسرعة خاطفة، وحلت غابةٌ من ناطحات السحاب الشاهقة محل القمم الخالدة التي كانت تملأ الأفق. عادت الضوضاء الصاخبة تملأ أذنيه من جديد، وبدأ الناس، الذين لم يكن لهم وجود في النسخة الإلهية الخالدة، يظهرون في كل مكان ليعلنوا عودة النسخة الحضرية للحياة.
لم يعد يقف في مدينة آن شين، فمن خلال بعض المعالم البارزة، أدرك نينغ تشينغ شوان أنه الآن في عاصمة دولة غو يان. كان هذا التبدل المفاجئ في نسخة العالم أمرًا لم يتوقعه قط، لذا أخرج هاتفه على الفور، وراح يتفحص آخر الأخبار، باحثًا بعينيه عن أي ذكر لاسمه في قوائم المطلوبين.
وبعد بحث دقيق، ازدادت دهشته أكثر فأكثر، إذ بدا أن كبار المسؤولين في دولة غو يان قد تكتموا على خبر مقتل جيانغ بينغ تمامًا. فلم تصدر أي مذكرة توقيف بحقه، بل لم تظهر أي معلومة عن الحادثة على الإطلاق، وكأن شيئًا لم يكن.
'ألم يحدث انعكاس سببي بين العالمين؟' تساءل نينغ تشينغ شوان في قرارة نفسه، لكنه سرعان ما استبعد هذا الاحتمال. فجيانغ بينغ كانت شخصية موجودة في كلتا النسختين، الحضرية والإلهية الخالدة، وموتها في إحداهما يعني حتمًا فناءها في الأخرى. كما أن القوانين الكونية التي تحكم الترابط السببي وتصحيح الأحداث كانت ستفرض تأثيرًا واضحًا لا يمكن إخفاؤه.
لم يكن هناك سوى تفسير واحد منطقي في ذهنه، وهو أن شخصية نافذة قد تدخلت وسوت الأمر برمته. نفض نينغ تشينغ شوان تلك الأفكار عن رأسه، وعاد لتركيزه على هدفه الأساسي، وهو العثور على أثر ليو يان تشي. ففي هذه النسخة الحضرية التي يتساوى فيها الجميع ظاهريًا، مهما بلغت قدرات المرء، فإنها تتلاشى أمام قوة السلاح، فرصاصة واحدة كفيلة بإنهاء كل شيء.
وفي تلك اللحظة، لفت انتباهه خبرٌ يُعرض على الشاشة العملاقة في الساحة المركزية، حيث ظهر اسم ليو يان تشي بوضوح. كان الخبر يعلن أن جمعية يونغ شينغ التجارية ستعقد مزادًا في برج العاصمة لعرض عشرات القطع الأثرية النادرة التي يعود تاريخها إلى ثلاثة آلاف عام، وتفوق قيمة كل منها المليار. ومن بين أبرز المعروضات، سيف يان باي ذو التاريخ العريق، وقد أُعلن أن رجل الأعمال والخير الشهير، ليو يان تشي، سيشارك في المزاد.
ضاقت عينا نينغ تشينغ شوان وهو يقرأ تفاصيل الخبر على الشاشة. في النسخة الحضرية، كانت هوية ليو يان تشي متعددة الأوجه، وما كان يظهره من كونه رجل أعمال وخير لم يكن سوى قناع يخفي حقيقته. أما تلك القطع الأثرية وسيف يان باي، فمن خلال تجاربه السابقة، رجّح أن بعضها قد يكون كنوزًا من النسخة الإلهية الخالدة، لكنه لم يجزم بذلك.
عقد العزم على انتظار بدء المزاد، فبصفته متجسدًا سابقًا في قارة الحجر الأسود، حيث دعم عصابة مغمورة حتى أصبحت إمبراطورية مالية خفية، كان يملك ألف طريقة وطريقة لجعل ليو يان تشي يختفي عن وجه الأرض دون أن يترك أثرًا.
مر يومان على عجل، وفي الطابق التاسع والتسعين من برج العاصمة في دولة غو يان، كانت القاعة تعج بالنبلاء وأفراد العائلات الثرية الذين حضروا بأبهى حلة. علت أصوات الضحكات والمحادثات الودية، فلم يكن هذا مجرد مزاد، بل ملتقى للنخبة.
جلس نينغ تشينغ شوان في زاوية هادئة، يراقب الحضور بعينين ثاقبتين. رأى حشدًا من المشاهير، وأصحاب النفوذ الخفيين، وحتى كبار المسؤولين في دولة غو يان، يتبادلون أطراف الحديث بحميمية. كانت بعض الوجوه مألوفة له من النسخة الإلهية الخالدة، بينما بدت أخرى غريبة تمامًا، وكأنها لم توجد إلا في هذا العالم الحضري.
وبينما هو مستغرق في تأمله، اقترب منه رجل يرتدي بزة رسمية أنيقة، حاملًا كأسًا من النبيذ. ابتسم الرجل وقال: "أنت شيا لي، من شركة باي ليان للترفيه التفاعلي؟"
رفع نينغ تشينغ شوان حاجبيه قائلًا: "هل تعرفني؟" فلم يذكر أنه التقى بهذا الرجل من قبل في هذه النسخة من العالم.
أجاب الرجل بابتسامة متكلفة: "لا يمكنني القول إنني أعرفك تمامًا، كل ما فعلته هو البحث عن هوية الداعم المالي لتسي يوي، وقد كانت صورتك هي التي ظهرت أمامي. اسمي ليو يين، مجرد شخصية بسيطة في شركة التنين الأزرق."
عند سماع ذلك، أدرك نينغ تشينغ شوان هوية محدثه على الفور. كانت شركة التنين الأزرق شركة ترفيه عالمية تمتلك العديد من الشركات الفرعية، وكانت الديون التي أثقلت كاهل هونغ دي وتسي يوي مرتبطة بهذه الشركة العملاقة بشكل مباشر، والتي لم يكن زعيمها سوى ليو يان تشي نفسه.
غير ليو يين نبرته فجأة، وهز كأسه برفق وهو يحدق في نينغ تشينغ شوان باهتمام متصنع: "لا أظن أنك مؤهل للوجود في مكان كهذا، أليس كذلك؟"
كان يعترف في قرارة نفسه بأن الديون التي تحملتها هونغ دي ورفيقاتها كانت باهظة، ومن تمكن من تسديدها لا بد أنه يمتلك بعض المال والنفوذ. في البداية، ظنوا أنه ثري عظيم ظهر من العدم، لكن بعد تحقيق دقيق، اكتشفوا أنه مجرد رجل أعمال صغير يملك بعض المشاريع المتناثرة هنا وهناك، وهو ما لا يُقارن بقوة شركة التنين الأزرق، فكان كمن يقارن ضوء حشرة بوهج الشمس.
لقد كان تبني نينغ تشينغ شوان لهونغ دي ورفيقاتها تحديًا صريحًا لسلطة ليو يان تشي، وكان لزامًا على هذا الوافد الجديد أن يفهم حجم المخاطر التي تترتب على أفعاله.
أضاف ليو يين بابتسامة باهتة، ونبرة تحمل في طياتها أمرًا مبطنًا: "أوه، تذكرت الآن، لقد حاول أحدهم في الشركة التواصل معك. إذا كنت قد أتيت لتقديم فروض الطاعة للسيد ليو، فانتظر في الخارج، سأبحث عنك بعد انتهاء المزاد."
وفي تلك اللحظة، ضجت القاعة بالحركة، وخرجت مجموعة من الرجال من ممر خاص. التفت ليو يين نحوهم على الفور، وسارع بتعديل هيئته ليبدو أكثر وقارًا.
أمام عيني نينغ تشينغ شوان، ظهر ليو يان تشي بشعرٍ غزا الشيب جانبيه، لكن وجهه كان يشع حيوية ونضارة، وابتسامته لا تفارقه، وكل حركة من حركاته كانت تنم عن تواضع مصطنع. بمجرد ظهوره، نهض كل من في القاعة، وتعلقت به الأنظار المليئة بالرهبة والاحترام.
في الوقت نفسه، ظهرت قافلة أخرى عند مدخل القاعة الرئيسي، مجموعة من الرجال يرتدون بزات رسمية داكنة بوجوه صارمة، يحيطون بامرأة ذات هيبة فريدة، ترتدي فستانًا بسيطًا وأنيقًا.
تساءلت باي مو شيويه وهي تتفحص المكان بنظرة سريعة: "هل شيا لي هنا؟"
أجابها رجل عجوز بزي خادم كان يقف بجانبها باحترام، بينما علت نبرته مسحة من العجز: "لا شك في ذلك يا سيدتي." لقد أحدث هروب شيا لي من الزفاف ضجة هائلة بين العائلتين، وبعد جهود مضنية، تمكنت عائلة باي من اقتفاء أثره إلى دولة غو يان. وقد أتت باي مو شيويه بنفسها من مكان بعيد، على أمل أن تعيده معها لإتمام عقد الزواج.
لفت انتباهها الحشد المتجمع حول شخص ما، وأصوات الترحيب التي تتعالى من كل صوب، وكأن كل من في القاعة يسعى لجذب انتباه ذلك الرجل ونيل رضاه، فسألت بفضول: "من ذلك الرجل؟ يا له من موكب عظيم."
أجاب الخادم وهو يهم بإخراج هاتفه: "لا أعلم يا سيدتي، ربما هو أغنى رجل في هذه البلاد. إذا كنتِ مهتمة، سأطلب من رجالي التحقق من هويته فورًا."
هزت باي مو شيويه رأسها قائلة: "لا داعي لذلك، لا أهتم." فبمجرد سماعها كلمة "أغنى"، فقدت كل اهتمامها. لطالما كانت تعاني من حساسية تجاه كلمة "ثري" منذ نعومة أظفارها.
في تلك الأثناء، علا صوت ليو يان تشي الجهوري وهو يرفع يده اليمنى بابتسامة واسعة: "فليجلس الجميع، أظن أن المزاد على وشك أن يبدأ. لقد أتيت اليوم تلبية لدعوة الجمعية، ورغم أنني عازم على الفوز بسيف يان باي، إلا أنني أتمنى ألا يمتنع أحد عن المزايدة مجاملة لي."
كان نينغ تشينغ شوان يراقب المشهد بصمت، بينما ترتسم على شفتيه ابتسامة ساخرة تزداد عمقًا.