الفصل الخمسمئة والثاني: سجن الكون، برج اللاعودة

____________________________________________

كان البرج يشع بهالة ظلامية سرمدية، وتحيط به نيران زرقاء سماوية، وتغطيه كتابات عتيقة تبدو كقانون قديم، وقد أُحكم إغلاقه بالكامل. وفي اللحظة التي تجلى فيها من الفراغ، تسبب في التواء الفضاء المحيط به، محدثًا تموجات خفيفة انتشرت في الأرجاء.

فتح نينغ تشينغ شوان عينيه مرة أخرى، وقد علت وجهه نظرة غريبة وهو يتأمل البرج. فبفضل استشعاره الذي اكتسبه من طبيعته كإله للغموض، كان بمقدوره أن يرى بوضوح المشهد الدائر في داخله.

يتألف البرج من تسعة وتسعين طابقًا، نصفها تقريبًا يضم كائنات حية، أما الطوابق المتبقية، فإما لم يبقَ فيها سوى هياكل عظمية بيضاء، أو بقع دماء جافة، أو حتى تحولت إلى رمادٍ متناثر دون أن تترك أثرًا واحدًا.

'سجن الكون، برج اللاعودة؟' لمع في ذهنه اسم عتيق، وسرعان ما تتبعه وعرف أصل البرج. لقد وُلد هذا الكنز الأسمى من رحم قوانين الداو العظمى، بينما كان الكون السرمدي في طور إصلاح ذاته، وكانت قوته تفوق كل خيال. أما الكائنات المسجونة بداخله، فجميعهم كانوا من المستيقظين دون استثناء.

لقد اجتازوا بطريقة أو بأخرى نسخًا مختلفة من العالم، وقتلوا أنفسهم لتعزيز قوتهم بشكل هائل. ومن المدهش أنه بعد مرور كل هذه السنين، وبعد انقضاء دهور لا حصر لها، ما زال نصفهم على قيد الحياة داخل برج اللاعودة حتى يومنا هذا.

وبينما كان نينغ تشينغ شوان يتأمل البرج، بدا أن الكائن القابع في الطابق السابع والستين قد استشعر وجوده، ففتح عينيه الشاحبتين اللتين ظلتا صامتتين لدهور، وتبادلا النظرات. وفي تلك اللحظة، شعر نينغ تشينغ شوان بضغط لا يستهان به.

كان السجين قوةً عظمى من الجنس البشري، يرتدي رداءً إمبراطوريًا باليًا وممزقًا، وشعره طويل أشعث ينسدل على كتفيه. كان وجهه قد تقدم به العمر كثيرًا، وجسده نحيلٌ حتى العظم وشاحبٌ لا أثر للدماء فيه، أما هيئته المنحنية فكانت توحي بأن نسمة هواء خفيفة قد تبعثره أشلاء. ومع ذلك، رأى نينغ تشينغ شوان في هذا الشيخ خبيرًا قد بلغ نكبة ملك الآلهة الخامسة، بل وبدا أنه قد قتل أكثر من عشرين نسخة من نفسه.

"أهو مستيقظ جديد؟" تساءل الشيخ ذو الرداء الإمبراطوري، إذ استشعر في نينغ تشينغ شوان هالة من جنسه، وأدرك أنه يملك هو الآخر ذكريات من اجتياز نسخ العالم المختلفة.

لكن سرعان ما تغيرت ملامحه، وبدت عليه صدمة شديدة. ففي هذه اللحظة، لم تكن القوة التي أظهرها نينغ تشينغ شوان هائلة فحسب، بل إنه بصفته مستيقظًا، لم يتعرض لهجوم من عرق الكائنات الغامضة، بل إن كل الكائنات المحيطة به أظهرت له الخضوع والانحناء.

لقد قلب هذا المشهد مفاهيمه رأسًا على عقب، ففي العصور السحيقة، حين ظهرت الكائنات الغامضة، لم يتمكن أحد قط من إخضاعها.

"من أنت؟" سأل الشيخ بصوت متهدج. وفي تلك اللحظة، فتحت كل القوى العظمى المتبقية في برج اللاعودة أعينها، واخترقت ببصيرتها حواجزه المنيعة لتنظر إلى نينغ تشينغ شوان، وقد علت وجوههم جميعًا نظرات من الحيرة والاستغراب.

"أنا إله الغموض." أجابه نينغ تشينغ شوان ببساطة، دون أن يكشف عن هويته الحقيقية.

"محال! يستحيل على مستيقظ أن يحكم عرق الكائنات الغامضة، من أنت بحق الجحيم؟" زأر الشيخ بصوت أجش، وأطلق من داخل برج اللاعودة قوة إلهية عتيقة. ورغم اضمحلالها، إلا أنها كانت لا تزال تحمل شيئًا من هيبة نكبة ملك الآلهة الخامسة.

لكن في اللحظة التالية، أطلق برج اللاعودة قوة القوانين، فانبثقت سلسلة سوداء جلدت جسد الشيخ بلا رحمة، فصرخ من الألم، ولم يتبقَ من ردائه الممزق سوى نصف قطعة قماش. لقد كان ذلك الرداء في الأصل كنزًا أسمى، لكنه بعد أن تحمل ضربات القوانين التي لا تحصى على مر الدهور، فقد بريقه وقيمته بالكامل.

'يا له من سجن رهيب.' فكر نينغ تشينغ شوان وهو يتأمل البرج بدهشة. لم يكن السجناء يقتصرون على ذلك الشيخ، بل كان هناك قوى عظمى أخرى، أضعفهم قد بلغ نكبة ملك الآلهة الثالثة، وفي الطوابق التي تحولت إلى هياكل عظمية، كانت لا تزال هناك بقايا من هالات خبراء بلغوا نكبة ملك الآلهة الخامسة.

وفي ظل هذه الظروف، تمكن البرج من سجنهم حتى الموت، فكان من الصعب تخيل مدى قوة القوانين التي يمتلكها. وفوق كل ذلك، لم تكن هذه القوة من سجل تنصيب الآلهة، ولم تكن من المصدر ذاته.

"من أنت!" زأر الشيخ مرة أخرى في غضبٍ وقهر، وهو يحدق في نينغ تشينغ شوان. كان من المفترض أن يعاقبه الداو، فإما أن يتلاشى ويتحول إلى رماد، أو يُسجن معه في هذا البرج المظلم الذي لا يرى النور. لكن ما حدث كان على النقيض تمامًا، فلم يتعرض نينغ تشينغ شوان لأي عقاب، بل إنه تمكن من قيادة عرق الكائنات الغامضة، وادعى أنه إله الغموض.

"بأي حق؟ بأي حق يُسجن هو هنا، بينما ينعم نينغ تشينغ شوان بحريته؟"

"بالنسبة لك، لا يهم من أكون." رد نينغ تشينغ شوان بهدوء بعد لحظة صمت. لقد فهم سبب جنون الشيخ، ولو أراد أن يتقصى الحقيقة، لكان السبب هو أنه يحمل سر الأرض العتيقة الأعظم، وأنه الوحيد بين المستيقظين الذي يمثل حالة خاصة مندمجة مع قوانين الداو العظمى.

وفوق كل ذلك، فقد استخدم فن ترويض قطرة الدم، وارتبطت سلالته بروح الفينيق، لذا وبغض النظر عن أي عوامل أخرى، فإنه لن يتعرض لهجوم جماعي من الكائنات الغامضة.

"لا بد أنك تملك وسيلة لإخراجي من هنا، أليس كذلك؟" تغيرت لهجة الشيخ فجأة، وارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة مفعمة بالرغبة. "أخرجني من هنا، وسأفعل أي شيء تطلبه مني!"

وما إن انطلقت كلماته، حتى تحركت قلوب القوى العظمى الأخرى في طوابق البرج، وأخذوا يحدقون في نينغ تشينغ شوان بنظرات متقدة، وقد بلغت رغبتهم في الحرية ذروتها في تلك اللحظة.

"أجل، أملك هذه القدرة حقًا." مد نينغ تشينغ شوان يده، وشعر من خلال الكوكب الغامض بقدرته على التحكم في برج اللاعودة، فكان بإمكانه إطلاق العنان لقوته بسهولة لقمع أعدائه الأقوياء، أو العفو عن سجنائه.

"إذن ماذا تنتظر، أخرجني حالاً!" تسارعت أنفاس الشيخ واحمرت عيناه.

"أما أنت، فلا." هز نينغ تشينغ شوان رأسه، ثم مسح بنظره ببطء جميع المستيقظين المسجونين في البرج. كان جزء كبير منهم قد قتلوا أنفسهم، بينما سُجن الجزء الآخر لمجرد كونهم مستيقظين.

كان من المنطقي والعاطفي ألا يغير مسار قوانين الداو التي تسعى لإصلاح ذاتها. فهؤلاء قد أخلوا بنظام السماوات الثلاث والثلاثين للكون، ولم يهدأ الوضع إلا بعد مرور كل تلك السنين، فليس هناك سبب يدعوه لتغيير ذلك.

وفوق كل شيء، لم يكن ذلك الشيخ بالشخص الصالح، ولم تكن القوانين وحدها قادرة على كبحه، ورغم أنه يملك قوة مذهلة توازي نكبة ملك الآلهة الخامسة، إلا أنه بالنسبة لنينغ تشينغ شوان، كان شخصًا لا يمكن السيطرة عليه، ولا يمكن استخدامه.

"أخرجني، أخرجني حالاً!" تعالت زفرات الشيخ، وبدأ يفقد صوابه تدريجيًا. وأمام الشخص الذي يملك مفتاح حريته، فقد كل ما كان يجب أن يتحلى به من وقار وعقلانية كقوة عظمى.

2025/11/23 · 43 مشاهدة · 1030 كلمة
ZEUS
نادي الروايات - 2025