خرج وحشٌ من البوابة، ضخمٌ لدرجة أن المرء كان عليه أن يرفع رأسه فجأةً ليرى رأسه. كان جلده أزرق
داكنًا، يكاد يكون أسود، وبدا سميكًا كأنه مغطى بطبقاتٍ متراكمة من دروعٍ يصعب اختراقها. كانت
أطرافه الأربعة أطول من أطول مبنى في المدينة، وكان كل إصبعٍ من أصابعه بحجم شاحنة. كان للوحش
ذيلٌ يشبه ذيل السحلية، لكنه أكبر بكثير، وكان جسده مغطى بأشواكٍ كبيرة وصغيرة.
دوت صفارات الإنذار في كل مكان، وارتفعت الصرخات. بدأ الناس يركضون إلى المناطق الآمنة، وسارع
من يستطيع القتال إلى التقاط أسلحته، لكنهم جميعًا تجمدوا في أماكنهم أو أبطأوا حركتهم عندما
رأوا الوحش يخرج من البوابة. كأنهم رأوا أسوأ كوابيسهم تتحول إلى حقيقة. أولئك الذين عرفوا
الوحوش وامتلكوا القدرة على قتالها كانوا أول من شعروا بشيء يتحطم في داخلهم، ويتفتت،
وتفرغت قلوبهم. مهما فكروا، لم يكن هناك سبيل لمواجهة هذا الكائن الهائل بقلة عددهم وضعف
قوتهم.
-"تنين..."
لم يعرف أحد من كان أول من تمتم بهذه الكلمات بين الحشد، ولكن بعد ثوانٍ معدودة، راودت
الجميع أفكار مماثلة وهم ينظرون إلى الوحش الضخم الذي كان لا يزال يخرج من البوابة.
كان رأس الوحش الآن واضحًا تمامًا. برزت أسنانه البيضاء الحادة كالشفرات من فمه المفتوح على
مصراعيه، كل منها بسماكة جسد رجل بالغ. كانت عينا "التنين" رماديتين مزرقتين، باردتين، ثاقبتين
بنظرة واحدة. كان جسده طويلًا جدًا لدرجة أنه كاد يكون متصلًا بالبوابة في السماء البعيدة رغم أنه
انفصل عنها تمامًا.
تحركت عينا الوحش في اتجاه واحد وثبتتا على نقطة واحدة بمجرد خروجهما من البوابة. تألقت
عيناه قليلاً مع اتساع حدقتيه، وكأنه يحاول تكبير الصورة لرؤيتها بوضوح. في المكان الذي كان الوحش
يحدق فيه، داخل المبنى وبجوار النافذة، لم يستطع كايرين إلا أن يرتجف قليلاً تحت نظرات ذلك الكائن
الضخم. كانت النظارات قد تشققت قليلاً بفعل الهزات الأرضية الخفيفة، وتحطم بعضها وسقط على
الأرض. مرّ كايرين بجانب الزجاج المكسور ووقف بجوار النافذة، يحدق في "التنين" الذي ما زال يحدق به.
-"يا له من شيء ضخم..."
لقد انتقل كايرين بين العوالم، وواجه أنواعًا مختلفة من الوحوش، ورأى أختامًا وفخاخًا غريبة داخل
أطلال قديمة، وقاتل تماثيل دبت فيها الحياة فجأة، وتعامل مع قنابل قادرة على تدمير العاصمة
بأكملها، وجرّب الموت، وعاش في الفراغ لبعض الوقت، ومع ذلك، فقد شعر بالصدمة والخوف بعد رؤية
هذا "التنين" الضخم، بل ازداد خوفه عندما بدأ الوحش يحدق به فجأة.
بعد الصدمة الأولية، هدأ كايرين بشكل ملحوظ. كان ذلك لأنه تذكر تجاربه السابقة. فقد رأى العديد
من الوحوش التي توقفت عن كل شيء بعد ظهوره، إما للنظر إليه أو للهروب نحوه. كلما ارتفع
مستوى الوحش، زادت ردة فعله تجاه وجود كايرين. لذا، كان من الواضح كيف سيتصرف هذا المخلوق
العملاق.
-'لحظة... مستحيل أن يكون هذا "التنين" قد أتى إلى هنا بسبب وجودي، أليس كذلك؟'
لم يُرد كايرين التفكير في هذا السؤال، فمجرد التفكير فيه جعله يشعر بذنب شديد، فهز رأسه
ونظر حوله. رأى الناس يركضون خارج المباني ويتجهون إلى أماكن آمنة، كما رأى المقاتلين يتجمعون
حول قائد المنطقة لتلقي الأوامر. نظر كايرين إلى الرجل الأشقر في منتصف العمر، الذي ادعى أنه
صديق مقرب لأخيه، وهو يُعطي التعليمات للناس، قبل أن يُفيق من شروده بسبب صراخ مدوٍ.
- "يا إلهي! ماذا تنتظر بحق الجحيم؟ يجب أن نهرب!"
عند سماع هذا الصوت، استدار كايرين ليجد الرجل الآخر الذي كان معه في الغرفة نفسها، واقفًا
بجانب الباب ويصرخ في وجهه.
-' ألم يهرب؟ '
تفاجأ كايرين، فخطا خطوةً إلى اليسار مسرعًا نحو الرجل، لكنه في اللحظة التالية تجمد في مكانه.
-"رين!"
كان ذلك بسبب الصوت الذي دوّى في رأسه.
- "رين! رين! توقف!"
كان صوتٌ مألوفٌ يصرخ بنبرةٍ متوسلةٍ، يرتعد في أذني كايرين ويملأ رأسه، مما جعل رؤيته ضبابية
للحظةٍ، و عقله فارغا ايضا. ارتجف جسده، وخدر، وترنّح جانبًا، داس على الزجاج المكسور واتكأ على الجدار
المتصدع.
-"اخرج من هذا المكان! رين! هل تسمعني؟"
كان الصوت مألوفًا جدًا ولكنه بعيد في الوقت نفسه، وقد أثار في قلب كايرين مشاعرَ غريبةً بمجرد
سماعه لتلك الكلمات. كان كايرين يعلم أنه الوحيد الذي يسمع صراخ الرجل. لقد سمعه عدة مرات في
الأيام القليلة الماضية، لكنه كان أعلى وأوضح هذه المرة.
-"أغغ..."
ضغط كايرين على أسنانه، وشد شعره بينما انحنى جسده قليلًا. في غضون ثوانٍ، كان ظهره غارقًا
بالعرق، ويداه باردتان كالثلج.
-"يا إلهي! ماذا تفعل بحق الجحيم؟"
عبس الرجل الآخر في الغرفة، وصرخ في وجه كايرين مرة أخرى، وبعد أن لم يتلقَ منه أي رد، استدار
وركض خارجًا من الباب.
-"اسمعني ! ابتعد عن تلك المنصة الآن! رين! لا تبتسم هكذا! اهرب!"
ظل الصوت المألوف يصرخ في رأسه، مما جعل كايرين عاجزًا عن التفكير بوضوح للحظات. كان يعرف
لمن ينتمي هذا الصوت. إنه ذلك الصوت لرجل ذي شعر أحمر كان كايرين ينتظره.
- "اخرس أيها المجنون! اخرس!"
تردد صدى صوت كايرين في المبنى الفارغ. لقد صرخ دون وعي ردًا على الصوت في رأسه. والمثير
للدهشة أن الصوت في رأسه هدأ بعد صرخة كايرين، مما أتاح للشاب فرصة للتفكير في موقفه.
-' يجب أن أهرب! '
كان هذا أول ما خطر بباله. لم يكن يعلم إن كان هذا التفكير نابعًا من الموقف الذي كان فيه ومن
الرجل الذي كان ينتظره ليهرب، أم لأن الصوت الداخلي في رأسه كان يلح عليه بالهرب، ومع ذلك، كان
متأكدًا من أنه لا يجب أن يبقى هناك، وأنه يجب أن ينتقل إلى مكان آخر، مكان آمن.
ألقى كايرين نظرة خاطفة أخرى من النافذة. كان الوحش لا يزال يحدق به بنفس النظرات الباردة
المتعطشة للدماء. تجمع المقاتلون أسفل الوحش، ممسكين بأسلحتهم بإحكام، ينتظرون فرصة
للانقضاض على الضيف غير المرغوب فيه، إلا أن التردد والخوف كانا واضحين على وجوههم. من
هيئتهم، وعيونهم الخائفة، ومعنوياتهم المنخفضة، كان جليًا أنهم هم أيضًا يتمنون الهرب والاختباء
من العدو الذي لا يستطيعون هزيمته. وقف كايرين بجانب النافذة، وقد ثبتت قدماه في مكانهما. ظل
ينظر إلى الوحش، ثم إلى المقاتلين، ثم إلى الناس الذين يركضون إلى مخابئهم، ثم إلى المدينة
المدمرة. تداعت الأفكار في ذهنه، بعضها لم يكن مناسبًا للتفكير فيه في مثل هذا الموقف.
-' قال ذلك الرجل إن عائلة رون قُتلت...'
-'كان لديه زوجة وابنة... رأيت صورتهما في الجريدة. بدت الفتاة جميلة جدًا. '
- 'هل قتلتهم الوحوش؟'
-' العالم في هذه الحالة... في هذه الحالة بسبب الوحوش.'
- ' المكان الذي كنا أنا ورون نحبه كثيرًا أصبح الآن أطلالًا... المكان الذي حماه هارون لسنوات...'
- 'هل سينجح هؤلاء الناس في هزيمة هذا الشيء؟ لا. لا. سيُدمر المكان بأكمله... سيموتون جميعًا...
سيموتون جميعًا...'
- ' تمامًا مثل عائلة رون...'
-' لماذا؟ ما المختلف هنا؟ لماذا لم يُدمر العالم الآخر الذي عشت فيه؟ هل لأن الوحوش هاجمت ذلك
العالم منذ آلاف السنين؟ كان ذلك في الماضي، لذا كان لدى الناس الوقت لإعادة بناء أرضهم؟ '
- 'لكن كيف لهم أن يعيدوا بناء أرضهم إذا دُمرت بالكامل؟ على حد علمي، اختفت قارة بأكملها
وسكانها بعد ظهور الوحوش لأول مرة، ولم يُرَ لهم أثر أو يُعثر عليهم بعد ذلك.'
-'ومع ذلك، كانت القارة التي عشنا فيها في حالة جيدة... ذلك لأن سكانها نجوا من تلك العصور
المظلمة وحاربوا الوحوش.'
- 'لا! لم يكن الأمر أنهم حاربوا الوحوش، بل أنهم وجدوا منقذًا. رجلًا لينقذهم... رينولد...'
- 'لماذا أسمع صوت ذلك الرجل في رأسي؟ هل جننت؟ هل هذه أولى علامات فقدان عقلي؟ '
-'ولكن مرة أخرى، لماذا يتحدث رينولد إلى "رين"؟ هل يُحدث نفسه؟ هل يُخبر نفسه بالهرب؟ هل هو
مجنون؟ هل الجنون مُعدٍ؟ هل التقطتُ منه فيروس الجنون؟ يا إلهي...' (مم: يعن ما اعرف ابكي بسبب
الموقف 'طبعا لن تفهموا الى غاية ان تنهو الرواية ' ولا اضحك من منطق كايرين العجيب)
وقف كايرين في مكانه، وألقى نظرة أخيرة على خط دفاع المدينة. عندها أدرك أن نظرة أخرى
موجهة إليه. كانت لرجل أشقر في منتصف العمر، يدّعي أنه صديق هارون المقرب. كان يحدق في
كايرين بعينين ضيقتين، بينما يلقي نظرات خاطفة على الوحش بين الحين والآخر، وكأنه يبحث عن الشيء
الذي يحدق فيه الوحش.
-' أوه أجل... أنا الغريب هنا... ولن أتفاجأ إن كان هذا التنين الضخم قد ظهر بسبب وجودي...'
-'في النهاية، كل هذه الأشياء الغريبة تظهر بسببي... مهما كان العالم الذي أتواجد فيه، فاللوم كله
عليّ...'
-'كله...'
في لحظة ما، بدأت تشققات ذهبية فضية تشبه التيارات الكهربائية تملأ الهواء المحيط بكايرين.