الفصل الخمسمائة والواحد والثمانون: معنى الحقيقة
____________________________________________
"يا فتى، ما الذي يجعل القدر يجمعنا مرتين هكذا؟" توقفت سيارة أجرة أمام غو شانغ، ولم يكن سائقها سوى الرجل ذاته الذي أوصله إلى هنا من قبل. ثم سأله السائق بلهجة عابرة: "أتراك عائدًا إلى ديارك؟ لم أعد أطيق تلك الأجواء الخانقة في الداخل."
أجاب غو شانغ بكلمات مقتضبة وهو يفتح باب السيارة ويركب: "أجل، المكان يعج بالفوضى، ولا يناسب فتى بريئًا مثلي." وما إن أغلق الباب حتى استأنف السائق حديثه الثرثار قائلًا: "الفتى الصالح مثلك يجب أن يجدّ في دراسته، ويدخل جامعة مرموقة، ثم يجد وظيفة مستقرة بعد التخرج، ويتزوج وينجب طفلين. حينها فقط تكتمل دورة حياتك الحقيقية."
أعاد هذا الحديث إلى غو شانغ شعورًا نادرًا، حتى إنه شك للحظة أنه عاد بالزمن إلى حقبة لم يكن قد عبرها بعد، وتذكر بصورة مبهمة أن والديه كانا يرددان على مسامعه الكلام ذاته. وتحت وطأة هذه الذكرى الخانقة، انطلقت سيارة الأجرة مسرعة في طريقها.
وفيما هو يراقب الطريق، تلاشت البسمة فجأة عن وجه غو شانغ. "يا معلم، إلى أين تأخذني؟ يبدو أن الطريق ليس صحيحًا، أليس كذلك؟" قالها وهو يلتقط هاتفه ليتفحص الخريطة، ليجد أن السيارة تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا لمجمعه السكني.
رد السائق بهدوء تام: "ما من خطأ في الأمر، بل أنت ذاهب إلى حيث تستحق العقاب." ثم ضغط على زر بجانبه، وفي اللحظة التالية، أُحكم إغلاق الأبواب، وانخفضت قضبان حديدية من سقف مقصورة القيادة، لتحصن السائق وتحميه بشكل كامل.
أمسك غو شانغ رأسه وتنهد قائلًا في نفسه: 'إنه حقًا عالم غريب. أينما ذهبت، لا بد أن تواجهك أمور عجيبة كهذه.' وفي مواجهة هذا الموقف الطارئ، مدّ غو شانغ يده اليمنى بهدوء، وأطلق من كفه سحابة من الضباب السام. كان ضبابًا لا لون له ولا يُرى، فاستنشقه السائق في صمت دون أن يدرك.
لطالما نجحت أساليبه السامة هذه مع البشر العاديين الضعفاء، ولكن يبدو أنها فشلت هذه المرة. فبعد مضي دقيقتين، لم تظهر على السائق أي علامة تأثر.
عندها قال الرجل الأصلع ببرود: "يا فتى، كُفَّ عن حيلك الصبيانية تلك. لقد تحققنا من خلفيتك جيدًا، ومعي لن تتمكن من إثارة أي شغب، فلا تضيع جهدك سدى."
سأله غو شانغ: "هل لأنني لم أنفق ما يكفي من المال في الحانة، قررتم اختطافي؟ ألم يعد في هذه الدنيا قانون سماوي؟ ألم يعد هناك من يردعكم؟" ورغم أنه كان يعلم سخافة ما يقول، إلا أن اتهام الآخرين من موضع أخلاقي متعالٍ منحه شعورًا بالرضا. لم يفعل ذلك سوى مرتين طوال حياته، وكانت كل مرة أمتع من سابقتها.
"يا فتى، لا تبسط الأمور هكذا. لو كان الأمر مقتصرًا على عدم إنفاقك، لما استطعنا أن نفعل لك شيئًا، ولكان أقصى ما يمكننا فعله هو ضربك أو إصابتك بجروح." ثم أضاف بنبرة حادة: "لكنك ما كان يجب أن تعتدي على رجالنا. لن نسمح لأحد بأن يهين أيًا من إخوة تشينغ مينغ!"
بعد سماع كلامه، تملّك غو شانغ الشك حيال هذه المنظمة. أليس هؤلاء القوم مرضى بحق الجحيم؟ فسأل مجددًا: "هل تحققتم حقًا من خلفيتي؟"
"بالتأكيد. أنت مجرد طالب متفوق في المدرسة الإعدادية الأولى. ورغم حصولك على جوائز عديدة من المدرسة والحكومة الاتحادية، ورغم علاقاتك الجيدة مع بعض رجال المكتب، ولكن في هذه المدينة، الكلمة العليا تعود إلى تشينغ مينغ!" قالها الرجل الأصلع بصلف، وبنبرة متعالية لم تضع الاتحاد في عين الاعتبار قط.
تملكت الدهشة غو شانغ حقًا، فقد أمضى الأيام الماضية يبحث بجنون عن معلومات لفهم هذا العالم، لكنه لم يعثر على أي ذكر لحانة تشينغ مينغ في مدينة سين. لقد أصبحت الأمور شائكة بعض الشيء، فقبض على راحتيه وحرك مفاصله بهدوء داخل السيارة.
قال الرجل الأصلع الذي يقود باستهزاء: "مهما حاولت، فسيارتي هذه مصنوعة من مواد خاصة. فلأرَ ما أنت فاعل." لم يرد غو شانغ، بل رفع قبضته واستجمع كل قوته استعدادًا للهجوم. وفي تلك اللحظة، تغير العالم من حوله فجأة.
ظهرت عن يمينه ويساره قوتان، إحداهما سوداء والأخرى زرقاء سماوية، تتصارعان وتتشابكان في مشهدٍ أشبه برمز التاي تشي، ووجد نفسه يقف على الخط الفاصل بين اللونين.
ثم جاء صوت مألوف، كان صوت تشو رو رو: "كيف يجرؤ حثالةٌ مثلك على الإمساك بأخي." وتبعه صوت آخر، صوتٌ أنثوي ناضج وقور يبعث على الارتياح: "من المحزن حقًا ألا يدرك المرء حجمه الحقيقي."
تفاجأ غو شانغ، فهذه القوة كانت مألوفة لديه، إنها قوة الخبيرين اللذين تقاتلا أمامه في ذلك الوقت. لكن ألم تكن تشو ون رو هي الشخص الآخر آنذاك؟ هل أصبحتا الآن تقفان في جبهة واحدة؟
كان ظهور الميدانين متزامنًا وسريعًا، مما أدى إلى انهيار دفاعات الرجل الأصلع النفسية. فمكانته في تشينغ مينغ كانت خاصة نوعًا ما، وكان يعرف الكثير عن هذه القوى رفيعة المستوى، ولذلك أدرك تمامًا طبيعة ما هو على وشك مواجهته. يا للعجب، لقد كانوا يهاجمون مجرد طالب موهوب بلا خلفية، فكيف استفزوا خبيرين من الرتبة الأسمى فجأة؟
قال الرجل الأصلع بصوت متقطع وهو يقاوم: "يا سيدتي، لا بد أن هذا سوء تفاهم."
صرخت تشو ون رو بقوة: "سوء تفاهم؟ تباً لك!" ثم اندفعت قوة سوداء هائلة، سحبت رأس الرجل الأصلع من عنقه مباشرة، فتناثر الدم على مقصورة القيادة في مشهد أحمر قاني.
وعندها، رنّ صوت السيدة الأخرى من جديد: "أخي لا يزال هنا، هلا كففتِ عن هذا المشهد المقزز؟" ثم ظهر ضوء أخضر نقي، نظّف كل الدماء في المقصورة، وأخفى معها جسد الرجل الأصلع مقطوع الرأس. وفي طرفة عين، لم يبقَ في السيارة سوى غو شانغ، بينما اختفى الرجل الأصلع دون أثر.
عوضًا عن رائحة الدم، فاحت في السيارة رائحة فانيلا عطرة. ورغم أنه لم يكن هناك من يقود، استمرت السيارة في السير بصمت على الطريق المظلم. وفي الثانية التالية، ظهر ضوءان وظلان فجأة، وجلسا عن يمين غو شانغ ويساره.
كانت إحداهما تشو ون رو بملابسها العادية، والأخرى سيدة ترتدي ثوبًا أبيض طويلًا، ذات مظهر وديع وقور، وصاحبة الصوت الناضج.
نظرت تشو ون رو إليه بعينين تملؤهما الشفقة وقالت: "يانغيانغ، لقد حُلّت مشاكلنا تقريبًا، والآن سأخبرك بالحقيقة كما وعدتك."
حدّقت بها السيدة ذات الثوب الأبيض بحدة وقالت: "كفي عن نظراتك المقززة هذه. إنه أخوكِ، هل ما زالت تراودكِ أفكارٌ عنه؟" ثم أمسكت بذراع غو شانغ وسحبته إلى أحضانها.
ورغم دفء جسدها الناعم الذي ضمه، كان غو شانغ هادئًا على نحو مفاجئ. أخذ نفسًا عميقًا، وحرر نفسه من بين ذراعيها، ثم سأل بجدية: "ما الذي يحدث؟ أخبِراني وحسب."