الفصل الخمسمائة والستة والثمانون: ولوجٌ وتفكير

____________________________________________

كانت تلك قدرةً جديدة اكتسبها غو شانغ بعد أن امتصّ جسده العديد من السموم، فبواسطة مزجها معًا، أصبح بوسعه امتلاك ما يشبه القدرة على الانتقال عبر الفضاء. ويعود الفضل في ذلك إلى أحد السموم التي حصلت عليها تشو ون رو من دهليز ذي سبع نجوم، والذي يؤدي فور الإصابة به إلى انتقال عشوائي فوري عبر الفضاء، ما يجعله ضربًا من ضروب القدرات النادرة حتى في هذا العالم الزاخر بالعجائب.

وبينما كان شعورٌ قوي بانعدام الوزن يسيطر عليه، أخذ المشهد من حوله يتبدل بسرعة مذهلة. كان هذا الانتقال الفضائي مختلفًا تمامًا عما عهده في الماضي، إذ بدا أشبه بحركة شخص خاطفة والمشاهد تتلاشى إلى الوراء بجنون. وحين سكن كل شيء، وجد نفسه قد وصل إلى جزيرة نائية.

كانت الجزيرة تكتسي بحلة من الخضروات النضرة، دون أن يرى فيها أثرًا لأي حيوان أو نبات آخر. وفي قلب تلك الخضرة، امتدت مساحة مكشوفة تحتضن مستنقعًا رطبًا، تتصاعد من أطرافه خيوط من دخان أخضر. كان ذلك هو مدخل دهليز تسانغ هاي سانغ تيان.

وبما أن هذا الدهليز لم يُكتشف بالكامل بعد، فقد كانت الكثير من خفاياه لا تزال يكتنفها الغموض، ما جعل رقابة الحكومة الاتحادية عليه صارمة للغاية. وفي سبيل تجنب وقوع أي ضحايا، عمدت الحكومة الاتحادية إلى نصب كاميرات مراقبة شبكية في كل مكان لرصد كل حركة.

فور وصوله إلى هناك، بادر غو شانغ على الفور باستخدام تقنية سم أخرى حجب بها إشارات الشبكة المحيطة. ولم يتوقف عند هذا الحد، بل استل سمًا آخر تحول إلى سحابة من دخان أسود كثيف أحاطت به من كل جانب.

كان لهذا السم قدرة على حجب الإدراك، غير أن تأثيره لم يكن يدوم سوى لدقائق معدودة. ولم يكن مفعوله يسري إلا على الخصوم الضعفاء أو أولئك الذين يماثلونه في القوة، أما إذا فاقت قوة الخصم قوته، فإن السم يفقد تأثيره المنشود.

وبعد أن اتخذ هذين الإجراءين الاحترازيين، اندفع غو شانغ دون تردد نحو مدخل دهليز تسانغ هاي سانغ تيان. فكر في نفسه قائلًا: 'في غضون ثوانٍ معدودة، ستكون فرصة أولئك الخبراء في التصرف ضئيلة للغاية، ناهيك عن أن تشو ون رو قد تقدم له يد العون على الأرجح'.

صحيح أنه لم يخبرها بقدومه هذه المرة، لكنه كان على يقين بأنها بذكائها قد علمت بالأمر من خلال دلائل متفرقة. ما إن لامس جسد غو شانغ المستنقع حتى ابتلعته الوحول المحيطة في لمح البصر، ثم تململ الطين ببطء قبل أن يعود إلى سكونه المعتاد.

وبعد أن توارى غو شانغ داخل الدهليز ذي النجوم الثماني، بدأت الأشكال تظهر تدريجيًا في الفضاء المحيط. كانوا ستة وخمسين شخصًا، تنبعث من كل واحد منهم هالة فريدة لا يمتلكها إلا خبير من الرتبة الأسمى. وما إن ظهروا حتى تراجعوا بسرعة إلى الجانبين، ومن خلفهم، تقدم شكلان، أحدهما يرتدي الأبيض والآخر السواد، بخطوات وئيدة.

لم يكن الشَّخصان سوى تشو ون رو وذاتها الثانية، ترتدي إحداهما ثوبًا أبيض ناصعًا والأخرى ثوبًا أسود حالكًا، وعلى وجه كلتيهما ارتسمت ابتسامة غريبة ومريبة. تقدم أحد الخبراء من تشو ون رو وقال: "يا سيدتي، لقد دخل تشو يانغ بالفعل".

لم تنبس تشو ون رو ببنت شفة، لكن ذاتها الثانية التي تقف بجوارها أومأت بيدها قائلة: "واصلوا الانتظار هنا". فما كان من الخبير إلا أن تراجع على الفور.

تقدمت الاثنتان حتى بلغتا مدخل الدهليز، فقالت الذات الثانية: "يا ذاتي الأصلية، لقد أعددنا له الكثير من الترتيبات داخل الدهليز. وبمختلف أشكال الدعم، لا بد أنه سيتمكن من الحصول على السموم التي يحتاجها لزيادة قوته".

وأردفت قائلة: "غير أن سيطرتنا على المحيط الشاسع لم تتجاوز الخمسين بالمئة، أما الخمسون بالمئة المتبقية، بالإضافة إلى المزيد من الأراضي، فلم نصل إليها بعد". ثم استدركت: "ولكن بشخصيته تلك، من المرجح أنه سيتغلب على كل الصعاب..."

وقبل أن تكمل الذات الثانية حديثها، قاطعتها تشو ون رو بزمجرة ازدراء قائلة: "أنا لا أخشى نجاحه، بل أخشى فشله".

وأضافت بنبرة حادة: "فإن لم يتمكن من بلوغ مستوانا، ولم تسنح له فرصة الاتصال بأصل هذا العالم، فمن أين لنا بفرصة المضي قدمًا؟".

في تلك اللحظة، كانت تشو ون رو قد تبدلت كليًا، فلم تعد تلك الفتاة اللطيفة الرقيقة التي عرفها غو شانغ. خلا وجهها من أي تعابير، وامتلأت عيناها بعمق لا قرار له، بينما وقفت ذاتها الثانية إلى جوارها في خضوع تام كأنها تابع صغير.

سألت الذات الثانية: "ما مدى ثقتكِ يا ذاتي الأصلية في نجاح مسألة التسامي هذه؟".

أجابت تشو ون رو بحذر شديد: "لا ثقة لدي على الإطلاق. ففي نهاية المطاف، شخص مثله قد خبر من الأمور ما لا يمكننا تخيله، إن حكمته ودهائه يفوقان تصوراتنا بكثير، ولا أملك سوى أن أبذل قصارى جهدي سعيًا وراء بصيص الأمل ذاك".

رددت الذات الثانية بجانبها: "أنا على ثقة تامة بأن ذاتي الأصلية قادرة على تحقيق ذلك".

"هل سمعتِ يومًا بالمقولة التي تقول: ابذل قصارى جهدك، واترك الباقي للأقدار". قالت ذلك، ثم ولجت ببطء إلى الدهليز برفقة ذاتها الثانية.

فمنذ البداية وحتى النهاية، لم يكن كل ما حدث سوى تمثيلية متقنة، وكان غو شانغ وحده من حُجب عنه كل شيء. فبصفتها أقوى شخص في هذا العالم، وباعتبارها الخبيرة الحقيقية ذات الرتبة الأسمى، في اللحظة التي وطأت فيها قدما غو شانغ عالمها، كان أتباعها قد علموا بوجوده.

كما أنها انتهزت الفرصة لتكتشف هويته الحقيقية وتطلع على كل الذكريات الراسخة في عقله. لقد كان غو شانغ أول متسامٍ يهبط على هذا الكوكب، وكانت تظن أنه لولا وقوع ما لم يكن في الحسبان، لربما كانت ستسلك ذات الدرب الذي سلكه من سبقها في المستقبل.

أما الآن وقد ظهر في عالمها متسامٍ لا يخضع لسيطرة أحد، فقد بات لزامًا عليها أن تسرّع خطاها. وفي سبيل ذلك، فعلت الكثير وخاطرت بأمور لا حصر لها. فسواء كان ما يُدعى بكهف العناكب، أو ظهور لي تينغ تينغ، تلك المتسامية القوية لاحقًا، ومختلف الأحداث التي مر بها غو شانغ، كانت كل خطوة من تدبيرها هي.

حتى المعلومات التي عرفها عن هوية تشو يانغ، لم تكن سوى محض افتراء عبثت به تشو ون رو بنفسها. فبصفته ابن القدر في هذا العالم، فهو يمثل مصيره! وإن أصل هذا العالم لم يوجد في الأساس إلا من أجلها هي، ولن يكون إلا لها وحدها.

وبعد أن ولجت الاثنتان إلى الدهليز، أصدرت تشو ون رو أمرها بهدوء: "اتبعوا الخطة المرسومة".

أومأت الذات الثانية برأسها بقوة، ثم تموج ثوبها الأسود تموجًا خفيفًا، واختفى جسدها فجأة دون أن يترك أثرًا.

مدت تشو ون رو يدها وأمرّتها بلطف على مياه البحر المحيطة، فشعرت بعض الكائنات في الأعماق بقوتها، وبدأت تهيج بعنف. ثم همست: "يا عالمي، هلمّ لمساعدتي".

ظهر غو شانغ فوق سطح البحر كما كان متوقعًا، وكان جسده يطفو فوق المياه. وما إن استقر في مكانه حتى بدأ سطح الماء يموج بجنون، واجتاحته أمواج متلاطمة رفعته عاليًا، ثم هوت به قوة جبارة نحو قاع البحر في اندفاعة مجنونة.

2025/11/14 · 8 مشاهدة · 1048 كلمة
ZEUS
نادي الروايات - 2025