الفصل الخمسمائة والواحد والتسعون: العالم البدائي
____________________________________________
في قلب النجم الأزرق، يمتد بحرٌ سحيق. وعلى خلاف سائر البحار، كانت مياهه تفوح بعطرٍ زكيٍّ على مدار العام، فضلاً عن لونها الأخضر الداكن الذي يُميّزها عن غيرها.
وعلى حين غرة، اضطرب سطح البحر الهادئ، فارتسمت على صفحة مياهه الخضراء تموجاتٌ سرت في كل اتجاه. وما لبثت رطوبة الهواء أن تموّجت وتراقصت، قبل أن يتجسد من خلالها طيفٌ لشخصٍ ما، كان يطأ بقدميه سطح الماء، ويرمق البحر أمامه في صمتٍ عميق.
كان هذا هو مدخل العالم الأصلي لدهليز النجوم التسع. وبخلاف الدهاليز الأخرى التي تتطلب انتقالًا فوريًا، كان يكفي للمرء أن يغوص في الماء ليجد نفسه قد ولج إلى عالم هذا الدهليز.
وما إن ظهر غو شانغ، حتى أحاط به من كل جانبٍ رجالٌ يرتدون حللًا سوداء. كان كل واحد منهم يُشهر سلاحًا ناريًا يلمع بضوءٍ أحمر، وقد ارتسم الذعر على وجوههم وهم يحدقون فيه.
ألقى غو شانغ نظرة حوله، ثم أصدر أمره في صمت.
"أنا تشو رو رو، وأنوي الآن دخول هذا الدهليز. احموا هذا العالم إلى أن أعود."
وما إن أفصح عن هويته، حتى سارع أولئك الرجال ذوو الحلل السوداء بإخفاء أسلحتهم، وأدّوا له التحية بكل وقار، قبل أن يتلاشوا في الهواء. فلا أحد على كوكب النجم الأزرق يجرؤ على انتحال هوية تشو ون رو، إذ لا أحد يستطيع تحمل عواقب فعلةٍ كهذه.
راقب غو شانغ رحيلهم السريع، ثم أطرق رأسه ببطء وأطلق العنان لقوته دفعةً واحدة، فهوى جسده بأكمله نحو البحر. ومع صوت ارتطام جسده بالماء، وجد نفسه فجأةً في غابةٍ شاسعة.
كانت تحيط به أشجارٌ باسقة من كل جانب، يبلغ ارتفاع كل واحدة منها مئة متر، وتتشابك جذوعها الضخمة لتحجب ضوء الشمس بالكامل.
وعندما شعر بنفحات الحياة الغنية التي تعم المكان، بسط غو شانغ وعيه على الفور في كل اتجاه، وأطلق في ذات الوقت دخانًا خفيًا لا لون له، باحثًا عن أي سموم محتملة في الأرجاء.
بعد أن انتهى من ذلك، اختار غو شانغ اتجاهًا عشوائيًا ومضى فيه ببطء. وما إن خطا بضع خطوات، حتى بدأت الأرض تهتز بعنف، وومض ضوء ساطع فوق رأسه، ثم انهارت شجرة ضخمة على بعد مئة متر منه على الفور.
انقضّت قوة جبارة من السماء، فلمح غو شانغ بلمح البصر جانبًا واختبأ فيه.
دوى صوت ارتطام هائل، فقد سقطت قدم عملاقة من السماء، تاركة وراءها حفرة لا قرار لها في الأرض. حلّق غو شانغ ببطء في الهواء، ليرى بوضوحٍ خلف الشجرة المنهارة مخلوقًا هائلاً.
كان ديناصورًا يبلغ ارتفاعه مئة متر، يهز ذيله وهو يندفع إلى الأمام، وقد أحدث جسده الضخم فجوةً واسعة في الغابة أمامه، مما سمح لأشعة الشمس بالتسلل عبرها، وكشفت لغو شانغ عن حقيقة العالم من حوله.
نظر غو شانغ إلى الطريق الذي شقه الديناصور أمامه، فشعر ببهجةٍ غامرة. كان الديناصور الذي ظهر للتو قويًا للغاية، حتى إنه بلغ مستوى الخبراء الأسمى، لكن بسبب اختلاف القوانين هنا، لم تكن تلك المخلوقات تملك ميدانًا خاصًا، بل مجرد قوة جسدية خالصة توازي ذلك العالم.
'أنا على يقين أنني سأجد ما أبحث عنه هنا!'
واصل غو شانغ تحليقه في الهواء، ناشرًا ضبابه السام في كل مكان، ومستمرًا في تمشيط هذه المنطقة الشاسعة. لقد اكتسب بالفعل بعض الخبرة في البحث عن السموم، وأصبح قادرًا على إنجاز الأمر بسرعة ملحوظة.
وبعد انقضاء نصف يوم، نجح في العثور على ثلاثة أنواع من السموم. لم يسعه إلا أن يعترف بأنها جديرة بكونها من دهليز النجوم التسع، فالطاقة التي تحتويها كانت هائلة بحق. استغرق صقل السموم الثلاثة يومين كاملين من وقته، لكنها زادت من قوته الإجمالية بأكثر من ثلاثة أضعاف.
في صباح اليوم التالي، كان غو شانغ يحلق فوق مستنقع شاسع، مستشعرًا الأجواء المحيطة به بعناية فائقة. سرعان ما لاحظ شيئًا ما، فانطلق مسرعًا نحو بقعة طينية كبيرة على الأرض.
وقبل أن يقترب من المستنقع الموحل، قفز مخلوق هائل من الأسفل فجأة، وفتح فاهه الواسع وحدّق مباشرة في غو شانغ. كان خصمه ضخمًا للغاية، ومغطى بحراشف داكنة، وبدا جسد غو شانغ ضئيلاً للغاية مقارنة بفمه.
في خضم هجوم عنيف، ابتلع الوحش غو شانغ دفعة واحدة. ثم ضرب بذيله خلفه، فحطم عشرات الأشجار الضخمة الأخرى. وبعد أن التهم فريسته، انقلب وعاد ليغوص في أعماق المستنقع.
كانت هذه هي المرة الأولى التي يرى فيها فريسة من هذا النوع. فرغم صغر حجمها، كانت الطاقة التي يختزنها جسدها قوية بشكل غير متوقع. بعد ابتلاع هذا الكائن، يمكنه البقاء دون طعام لمدة ثلاثة أشهر دون أي مشكلة.
في تلك الأثناء، وجد غو شانغ نفسه قد انتقل مع حركة البلع إلى فضاء يملؤه سائل أخضر داكن، وكان جسده مغمورًا بالكامل فيه. أحاطت به أصوات أزيز لا تنقطع، بينما كان السائل ينهش جسده بجنون.
في مثل هذا الموقف المثير للاشمئزاز، لم تظهر على غو شانغ أي علامات قرف، بل على العكس، ارتسمت على وجهه نظرة حماس، وفتح فمه والتهم السائل بنهمٍ شديد. كان يشعر أن هذه السوائل تحتوي على سموم قوية يمكن أن تمنحه دفعة هائلة.
أما مسألة تآكل جسده بفعل هذه السوائل، فلم تكن تقلقه على الإطلاق. فبعد اكتسابه تقنية السموم العشرة آلاف، أصبح يتمتع بمناعة تامة ضد كل السموم. فأي سم لن يضره، بل سيتحول إلى غذاء يزيده قوة.
امتص السم بسرعة كبيرة، وفي أقل من ثانيتين، نجح غو شانغ في صقل جزء من السائل المحيط به. وبعد أن بلغ هذه المرحلة، أغلق فمه ببطء، لكنه لم يكن راضيًا بعد، فهذا المخلوق يمتلك أكثر من نوع واحد من السموم في جسده.
وبينما كان يطفو في السائل اللزج، دار جسد غو شانغ قليلاً، ثم لوّح بيده كالنصل، فشق فتحة صغيرة في اللحم السميك المحيط به، وانطلق عبرها دون أي شعور بالاشمئزاز.
أثارت حركته الصغيرة تلك ألمًا شديدًا لدى العملاق القابع تحت المستنقع. فانقلب الوحش غريب المظهر بجنون، وخرج فجأة من المستنقع وأخذ يتحرك بعشوائية في الغابة المحيطة، مدمرًا مساحات شاسعة منها. حتى إن عددًا لا يحصى من المخلوقات الصغيرة لاقت حتفها في تلك الكارثة المروعة.
في الوقت ذاته، كان غو شانغ يواصل شق طريقه، متجاوزًا الكهوف اللحمية واحدًا تلو الآخر، حتى وصل أخيرًا إلى قلبٍ حارٍ ينبض بقوة. كان هذا القلب أسود بالكامل، وتحته بركة من سائل لزج متعدد الألوان.
كانت السوائل تتألف من خمسة ألوان: الأسود، والأصفر، والوردي، والأرجواني، والأخضر. وكان كل سائل يطلق خيطًا من الدخان إلى الأعلى، يمتصه القلب النابض.
لوّح غو شانغ بيده عرضًا، فارتفع جزء من كل سائل من السوائل الخمسة وتجمع أمامه. تخلص من السائل الأخضر الذي ابتلعه من قبل، ثم جمع السوائل الأربعة المتبقية معًا، وشكّلها على هيئة كرة صغيرة، وأجبرها على الدخول إلى فمه وابتلعها دفعة واحدة.
انفجرت قوة هائلة في جسده، فارتقى مرة أخرى. وبعد خمس دقائق، وبعد أن أتم مبتغاه، زفر غو شانغ نفَسًا عميقًا، وحطّم جسد الوحش إربًا إربًا، ثم ومض طيفه، ليجد نفسه في غابةٍ يعمها الخراب.