الفصل السبعمئة والسبعة والثمانون: المتغير
____________________________________________
عندما بلغ الكون تمام تطوره، انبثقت عوالم لا حصر لها تفصل بين أدنى درجاته وأعلاها، ثم ما لبثت الفجوة بين كل عالم وآخر أن اتسعت حتى غدت كهوة طبيعية سحيقة. فلو شبهنا العالم السابق بأصغر وحدة للمادة، لكانت كل ذرة فيه تعادل عوالم لا تحصى تشبهه في تكوينه، وقد وقف غو شانغ يراقب هذا التمدد والتضخم في صمت.
حينما تأكدت له حلقة التكرار اللامتناهية، أدرك أن هذا العالم لن يطرأ عليه أي تغيير ما لم يتدخل هو، خالقه، فيمحو كل شيء ويعيد البناء من جديد. وفي تقدير غو شانغ، كان من الممكن أن يستمر هذا العالم على حاله إلى الأبد، لكن ما لم يكن في حسبانه هو ظهور متغير مفاجئ لم يكن له أثر من قبل.
بعد انقضاء مئتي مليار عام على خلقه لهذا العالم، صار عدد العوالم لا يعد ولا يحصى، وبلغ عدد الأقوياء فيه مبلغًا لا يمكن إدراكه. ففي كل دقيقة وكل ثانية، كان عدد هائل من الخبراء يخترقون حدود تدريبهم ليرتقوا إلى عالم جديد، متضرعين أن يصبحوا الكائن الأقوى الذي يتجاوز كل شيء. وفي خضم هذا المشهد، ظهر فجأة مخلوق غريب في العالم الأول الذي خلقه.
"ما الذي يحدث؟ كنت في منزلي مرتاح البال، فكيف أتيت إلى هذا العالم فجأة!" هكذا تساءل نادل عادي في نزل متواضع، وهو ينظر إلى العالم من حوله بوجه تملؤه الحيرة والارتباك. ومع تدفق ذكريات غريبة لم تكن له من قبل إلى عقله، بدأ قلبه يهدأ تدريجيًا وهو يدرك حقيقة ما جرى له، فقد عبر الزمن إلى عالم آخر لم يألفه.
بعد عقود من الكد والعمل الشاق في حياته السابقة، تمكن أخيرًا من جمع ثروة طائلة تكفيه ليعيش ما تبقى من عمره في ترف ونعيم، مستمتعًا بكل ما يشتهي من متاع الدنيا. وفي ظل هذه الظروف، كان قد عقد العزم على أن يعيش سيدًا لنفسه، يتزوج امرأة حسناء، وينعم بحياة هانئة بعيدًا عن الكدح الذي لن يعود إليه أبدًا.
حاملًا هذه الفكرة في ذهنه، بدأ يستمتع بحياته، وفي أثناء رحلة لتسلق الجبال، التقى طالبة جامعية حديثة التخرج. وبفضل مظهره الثري ومكانته المرموقة، نجح في أسر قلبها، وسرعان ما انسجما وتوافقا، فلم يمضِ شهر واحد على تعارفهما حتى تكلل بالزواج. ولكن في ليلة عرسهما، وبعد أن قضيا ليلة من الحب، وجد نفسه قد عبر الزمان والمكان.
لم يكد يهنأ بشيء مما سعى إليه حتى فقد كل شيء، ليجد نفسه نادلًا في قاع المجتمع داخل نزل حقير في هذا العالم الغريب. كان عليه أن يؤدي أعمالًا لا حصر لها كل يوم، ويخدم ضيوفًا لا ينتهون، ويتحمل مشاعرهم السلبية، في حين كانت حياته بؤسًا ما بعده بؤس، لا يجد ما يسد رمقه إلا الفتات، ولا ما يستر جسده إلا الأسمال البالية.
كانت حياة بائسة يمكن للمرء أن يرى نهايتها من بدايتها، فتملك اليأس من قلب الفتى حتى فكر في إنهاء حياته على الفور. فلربما لو فعل ذلك، لأتيحت له فرصة العودة إلى عالمه ليرث كل ما لم يستمتع به. وبينما كان غارقًا في قمة خيبته، دوى صوت عذب في عقله فجأة.
"تم الارتباط بنظام التجاوز اللامتناهي. هل ترغب في بدء رحلتك ومغامرتك؟"
عند سماعه ذلك الصوت، شعر الفتى ببصيص أمل يشرق في قلبه من جديد. ففي حياته السابقة، أمضى معظم وقته في العمل الجاد، وكانت وسيلته الوحيدة للترفيه هي قراءة الروايات السطحية الممتعة، لذا كان على دراية تامة بمفهوم "النظام". لم يتوقع يومًا أن يحصل على نظام كهذا، وبهذا، لن يبقى مجرد نادل بسيط في نزل حقير بعد الآن.
وفقًا للذكريات التي استقرت في ذهنه، كان يعلم جيدًا أن هذا ليس مجرد عالم قديم عادي، وإلا لما بلغ به اليأس هذا المبلغ. ففي هذا العالم، تنتشر فنون قتالية شتى، وكان يلتقي يوميًا بالعديد من سادة الفنون القتالية، لكن الجسد الذي انتقل إليه كان ضعيفًا للغاية. لقد حاول تعلم الفنون القتالية من قبل، لكنه كان أبطأ من غيره بأضعاف مضاعفة، فلم يكن أمامه خيار سوى العمل كنادل في النزل. ورغم أن حياته كانت بائسة، إلا أنه كان على الأقل قادرًا على البقاء، وهو حال أفضل بكثير من المتسولين في الخارج.
"يا نظام التجاوز اللامتناهي، ما هي قدراتك؟" سأل النادل بفضول. وسرعان ما ظهرت معلومات مباشرة في ذهنه، فاستوعبها دون أي عائق. إن نظام التجاوز اللامتناهي، كما يوحي اسمه، يمكنه من الاختراق اللامتناهي، سواء كان ذلك في تقنيات العوالم أو حواجزها، طالما توفرت لديه نقاط تجاوز كافية.
ولجمع نقاط التجاوز، كان النظام يمنحه القدرة على تحويل كل المواد في الوجود إلى نقاط يستفيد منها. وضع النادل إصبعه بتجريب على الطاولة التي أمامه، فجاءه الرد من النظام على الفور: "طاولة خشبية عادية لا تحوي أي قوة خاصة، يمكن تحويلها إلى نقطة تجاوز واحدة". ثم جرب على أشياء أخرى، وتأكد له الأمر، فما دامت المادة ملكًا له أو لا مالك لها، وما دام بإمكانه لمسها، فإنه يستطيع تحويلها مباشرة.
وهكذا، وبمساعدة النظام، بدأ الفتى مسيرته التي تحدت الأقدار، فحوّل كل الأغراض في غرفته إلى نقاط تجاوز، ثم التقط كتابًا سريًا من كتب الفنون القتالية عشوائيًا، ودفعه إلى أقصى حدود الارتقاء. بعد أن بلغ هذه المرحلة، أصبح لا يقهر في بلدته بأكملها، ورغم أنه لم يكن قادرًا على هزيمة مئة رجل بمفرده، إلا أنه كان يستطيع قتال عشرة منهم والانسحاب سالمًا.
مع لياقته البدنية القوية، والشجاعة والمثابرة التي اكتسبها في حياته السابقة، بدأ تحولًا أكثر شراسة. فكل شيء كان يعجبه، كان مصيره أن يتحول في النهاية إلى نقطة تجاوز يستخدمها لصالحه. لم يترك كنزًا طبيعيًا ثمينًا، أو جوهرة فريدة، أو لؤلؤة، أو حجرًا كريمًا، أو حتى تلك الأحجار الغريبة التي تحمل طاقة طبيعية، إلا واستفاد منها.
حصل الفتى على عدد هائل من نقاط التجاوز بمساعدة هذه المواد، وسرعان ما ارتقى في عالم الفنون القتالية إلى أقصى حدود هذا العالم، حتى بلغ مستوى يمكنه من اقتلاع رأس قائد الجيش من بين آلاف الجنود. ثم استخدم ما تراكم لديه من نقاط التجاوز ليغادر عالمه، وكانت الأيام التي تلت ذلك تكرارًا لهذه الخطوة، حيث جعل نفسه أقوى خطوة بخطوة، مكتسبًا القوة التي تمكنه من تغيير كل شيء والسيطرة على كل شيء.
في خضم هذه الرحلة، تغيرت عقلية الفتى حتمًا، فقد أصبح تدريجيًا أكثر برودًا ولامبالاة تجاه الحياة، وجفت مشاعره، وصار أكثر عقلانية من أي شخص آخر. ففي سبيل رفع قوته واختراق عوالم أقوى، كان مستعدًا للتضحية بكل شيء. وفي ظل هذه الظروف، أصابه جنون القوة، فعبر عشرات العوالم في وقت قصير جدًا، ليصبح عبقريًا حقيقيًا، وابنًا للحظ.
راقبه غو شانغ وهو يرتقي من أدنى العوالم إلى قمتها، وما زال يواصل تجاوزه نحو الأعلى باستمرار. في أقل من ثلاثين عامًا، أكمل هذه المسيرة المذهلة. كانت عزيمة هذا الفتى أقوى مما كان يتصور، فبعد أن يصل إلى عالم ويصبح الأقوى فيه، كان يواصل استشعار ما وراءه، وما إن يدرك وجود عالم فوقه، حتى يواصل مسيرة التجاوز. وفي تلك اللحظة، تساءل غو شانغ في قرارة نفسه: "هل هناك جدوى حقيقية من كل هذا؟"