عتبة الهذيان

وراء تخوم الأفق، حيث يتصدع المنطق وتضل بوصلة الوجود طريقها، يمتد فراغٌ لا يجرؤ الفراغ نفسه على ادعائه. إنه ليس مكانًا، بل هو "العدم" متضخمًا بالبشاعة. هناك، على شواطئ الإبهام النائية، تتدافع أمواج الخلق وتنحسر في مدٍّ فوضوي، حركات متقلبة يشدها إيقاع خفيّ سادي.

ما قد يحسبه ناظرٌ فضاءً ليس سوى وهم بصري؛ إنه جلمد كابوسي من بهائم عديمة العقل، ألوية من المسوخ تتخبط في بلاهة أبدية. ترقص هذه الكائنات كخفافيش هلامية بلا قسمات، تضرب بأجنحتها على الفراغ لتثير زوابع من هواء قاتم، رياح لا تحمل عبقًا إلا نتانة الخواء. تتباهى بوجودها الأخرق، محلقةً فوق مياه الغموض السحيقة، دون أن تلامس أبدًا الضفة القصية... ذلك الشط العجيب الذي يظل متعاليًا على الإدراك.

وسط هذا الجلبة الكونية، بينما تدق طبول الجنون وتزمر مزامير الحماقة لترسم خلفية وجود مشوه، برزت تفصيلةٌ نافذةٌ في غرابتها. شيء مادي صلب شق زخم الهلاوس: طاولة خشبية.

كانت تطفو متمهلة، تجريها تيارات العدم كزورق منسيّ في محيط من التيه. وعلى ركنها الأيسر استقر مصباح معدني عتيق يصارع للبقاء حيًا. ارتعش المصباح، يضيء وينطفئ في نوبات من صرع ضوئي، صادرًا أزيزًا كهربائيًا حادًا مزق سكون الفراغ، طنين يشبه مواء قطة تُذبح ببطء.

كان سطح الطاولة مقبرة لأغراض عشوائية: فنجان قهوة سيراميكي جفت ثمالته حتى تشققت كجلد ميت؛ قلم غارق في عتاقته؛ وكتب بلا عناوين مصفرة الصفحات كأسنان العجائز، تحتضن أسرارًا لم يقرأها أحد قط. وخلف الطاولة، على مقعد أخرق يئن تحت ثقله، جلس هو.

لم يكن له وجه. عباءة ثقيلة، بلون الغسق المحترق، تدلت فوق رأسه لتطمس معالمه في ظلام تام. لكن يديه كانتا مكشوفتين، باديتين كفضيحة. كانتا يدين عجوزتين، تكسوهما غضون كأخاديد أرض قاحلة، بأظفار طويلة مقوسة صفراء لم تمسسها مقصات منذ دهور.

كان الرجل يحل أحجية. وضع قطعة تلو الأخرى بتركيز وثني. ومع كل ارتعاشة من المصباح، كان يختطف بضع ثوانٍ من الضوء ليمسح الصورة بعينيه الخفيتين، وحين يعود المكان للظلمة الدامسة، كانت أصابعه المتآكلة تتحرك بدقة مرهبة لتثبت القطعة في موضعها الصحيح. كان يبني الواقع من الذاكرة، وسط الديجور.

بدأت الصورة تتشكل. قافلة صغيرة تعبر سهلًا أخضر شاسعًا تحت سماء صافية؛ مشهد من زمن آخر، نقي وبعيد. فجأة، احتدم أزيز المصباح. تحول الطنين إلى صرخة كهربائية مكتومة، وملأ الهواءَ نتانةُ أسلاك تحترق.

توقد المصباح بضراوة انتحارية. اهتزت الطاولة، ونفرت البهائم في الخلف. وضع العجوز القطعة الأخيرة بطرف ظفره الطويل. في تلك اللحظة، انفجر المصباح بضياء مهيب، سناء أكثر بؤسًا وقوة من توهج نجم يحتضر. جرف الضوء الفراغ، محا الطاولة، وابتلع البهائم، مزحًا الستار عن بداية الحكاية... بداية الهلاك.

تحركت القافلة شرقًا بخطى ثابتة متأنية، خطى رجال تعلموا منذ أمد بعيد أن الطريق لا يجازي العجلة. أربع عربات، تجر كل منها زوجان من خيول عريضة المنكبين، كانت تشق خطًا رفيعًا عبر السهل الأخضر اللانهائي. التجار الذين امتطوها ضحكوا وتجادلوا وقصوا القصص المرهقة نفسها التي سبق أن حكوها مئة مرة من قبل، ففي الطرقات الطويلة ليست الحكاية ما يهم، بل الصوت.

بدا السهل نفسه كمن لا نهاية له. في كل اتجاه امتد العشب خارجًا وبعيدًا، ومن فوقه انسكب ضوء الأصيل الذهبي في أشعة مائلة طويلة جعلت العالم يترقرق كما لو كان على حافة حلم. كان ذلك النوع من الجمال الذي قد يحدق فيه المرء طويلًا ويظل يشعر أنه لم يره حقًا.

لكن الذباب هو ما كسر السحر.

أحد التجار، رجل قصير مكتل يدعى بيلي، بيدين متجعدتين وطبع يثق فيه بحدسه، لاحظ الكتلة الداكنة الدوارة تحت شجرة وحيدة منزوية عن الدرب. لم يعرها اهتمامًا في البداية. الذباب يعني جيفة، والجيفة تعني أحيانًا فراءً أو عظامًا تستحق الالتقاط. جذب عربته جانبًا ومشى نحو الظل.

توقف على بعد ثلاث خطوات.

كانت طفلة. صبية. لا تتجاوز الرابعة.

الجانب الأيمن من وجهها مختفٍ. والعين اليسرى، ونصف الصدر، والبطن، والساق اليسرى، كلها مفتوحة على مصراعيها، لا بحد سكين بل بشيء أخذ وقته. كانت الجروح تتحرك. ديدان تشق طريقها عبر اللحم في موجات بطيئة قاصدة، والحشرات التي حلقت حولها كانت تهبط وترتفع بإيقاع يوحي بالصبر، كأنها ألفت هذا المكان من قبل وتتوقع العودة إليه.

تراجع بيلي خطوة إلى الوراء.

كان ينبغي أن يغادر. أي رجل عاقل كان ليفعل. لكنه حينئذ رآه، ذاك الشيء الذي قلب معدته لا اشمئزازًا، بل بشيء أقرب إلى الذهول، والرعب.

القلب. ما زال ينبض. ظاهرًا من بين الأضلاع المشقوقة، يزيح الديدان مع كل انقباضة كأنها تضايقه. والرئتان أيضًا، تتمددان وتنكمشان عبر الجروح المفتوحة بصوت رطب خافت، منتظم كالمد والجزر. الطفلة لم تكن تحتضر.

الطفلة كانت حية.

وقف بيلي بلا حراك للحظة طويلة. ثم، بتروٍّ حَذِر لرجل يتحرك قبل أن يثنيه عقله عن فعله، مد يده تحت معطفه وسحب خنجرًا. كان عتيقًا، أعتق منه، وأعتق ربما من أبيه، نقشت على نصله رموز بلغة ميتة لا يحسن قراءتها إلا القلة، ويفهمها أقل منهم. فولاذ مكرس. النوع الذي يحرق الشياطين بمجرد الملامسة، الذي لا يمكن أن يمس لحمًا نجسًا دون أن يتقهقر اللحم.

غرزه في جسد الطفلة.

لا شيء.

لا رد فعل من الصبية. لا أزيز نار مقدسة. لا ارتداد في النصل. انزلق الفولاذ داخلاً وخارجًا كما لو لم يكن أكثر من فولاذ.

حدق بيلي في الخنجر بيده. ثم، بصوت خافت، لنفسه: «هذا خنجر مكرس. ينبغي أن يحرق الشياطين بضربة واحدة.»

فكر برهة، ثم انحنى والتقط عودًا طويلاً من الأرض. برفق، قلبها على ظهرها.

أربع سنوات. وربما أقل.

«بيلي!» صوت من الدرب، رفيقه شال، نافد الصبر، يتقدم نحوه بالفعل. «ما الذي أبطأك كل هذا؟»

انتصب بيلي في وقفته. استدار ليواجه شال وقال فحسب: «من الأفضل أن تستعد.»

دار شال حول الشجرة ونظر إلى الأسفل.

ترنح إلى الوراء كأن شيئًا صفعه. خارت ساقاه وسقط بقوة على العشب جالسًا، يداه خلفه تسندانه. لبرهة لم ينبس ببنت شفة. ثم رفع بصره إلى بيلي بتعبير لم يكن رعبًا تمامًا، بل كان اعترافًا.

«إنها هي،» همس شال. «طفلة الشيطان. إنها حقيقية.»

أشاح بوجهه وتقيأ.

حين استعاد شيئًا من تماسكه وغسل فمه بماء من قربته، تحدث بصوت منخفض متحمس، صوت رجل يريد بشدة أن يُصدَّق.

«هناك شائعة قديمة في هذه المنطقة. كنت أظنها دائمًا مجرد شائعة لا أكثر. يقولون إن طفلة ولدت تحت لعنة قوية. أو ربما هي خالدة. لا أحد يعرف من كان والداها. أودعت في ميتم، وبعد أسبوعين احترق المبنى بأكمله حتى سوّي بالأرض. مات الجميع. إلا هي. وجدوها بين الرماد، حية، ليست سوى قشرة متفحمة، ومع ذلك كانت تتنفس.»

توقف، متمالكًا نفسه.

«حاول الناس قتلها. مرات عديدة. لم ينجح شيء. انتشرت القصص، أنها تجلب النحس أينما حلت، أن أباها شيطان، أنها لعنة على كل ما حولها. اتركها يا بيلي. لا تنظر إليها. امشِ بعيدًا وصلِّ ألا يتبعنا شيء.»

صمت بيلي لحظة. حين تكلم، كان صوته متزنًا.

«انظر إلى جروحها. إنها عضات حيوان. أيًا تكن، فقد هاجمها وحش ما وتركها هنا. لو كانت ملعونة حقًا، لو كانت تحمل ذاك النوع من القوة التي ترويها القصص، ألا تظن أن الخيول كانت ستنفر هاربة الآن؟ إنها تستشعر أشياء لا نستشعرها. لم تتحرك.»

«ومن يهتم بالخيول؟» قال شال، صوته يرتفع. «ذاك الشيء معتل، يا بيلي. لست بحاجة إلى لعنة لأرى ذلك.»

«سآخذها معي.»

تلوّى وجه شال. «أمجنون أنت؟ أتعرف ما قد يفعله شخص طبيعي؟ يركض. بعيدًا عنها قدر ما يستطيع.»

نظر إليه بيلي بثبات. «إذن لست طبيعيًا. وهذا لا علاقة له بك. سأتعامل مع أي شيء يأتي.»

كان شال واقفًا على قدميه الآن. «حسنًا. لكن ابقَ على مسافة من بقيتنا. لا أحد يريد أن يُلعن بسبب ضميرك.» استدار وعاد إلى الدرب دون أن ينظر إلى الصبية ثانية.

جثا بيلي بجانبها.

بسط قطعة قماش على الأرض ومد يده ليحملها، فأحس بها تتحرك. قبضة صغيرة، واهنة كجناح طائر، ارتطمت بيده. مرة أخرى. وثالثة. كانت تلكمه. بالكاد، قوتها تكاد تكون معدومة، لكن بعزم. تقاوم.

بيدها الأخرى، تلك التي ظلت سليمة، كانت تكشط الديدان عن صدرها.

استند بيلي إلى عقبيه وراقبها برهة. ثم فتح قربته وسكب الماء فوقها ببطء، غاسلاً ما استطاع. وحين حملها أخيرًا، لم تتوقف عن المقاومة، صغيرة، واهنة، غاضبة، فحملها إلى مؤخرة عربته ومددها بين صناديق الفاكهة المحفوظة، حيث تبقي التعويذات الواقية الحشرات بعيدًا وحيث تفوح في الهواء رائحة خافتة كأنها بقايا الصيف.

حدق فيها طويلاً. نصف بطنها مختفٍ. لم يكن يدري إن كانت تستطيع الأكل. لم يكن يدري ما عساها تستطيع فعله.

هرس شيئًا من الفاكهة اللينة إلى عجينة، وربطها في كيس قماش صغير، وعلقه قرب وجهها، قريبًا كفاية حتى إن وجدت القوة لتشرب، استطاعت.

ثم صعد إلى العربة، وأمسك الأعنة، وعاد لينضم إلى القافلة.

استمر السهل. استمر الضوء. وفي مكان ما خلفهم، عاد الذباب إلى الفراغ تحت الشجرة، فلم يجد شيئًا.

2026/04/20 · 4 مشاهدة · 1314 كلمة
Cassius
نادي الروايات - 2026