"آه.. كِدتُ أنسى، سأحتاج إلى شيءٍ ما، ولا أدري إن كان باهان يستطيع توفيرَه لي أم لا"

أضاف شوفين وهو ينظُر إلى داوفين الذي كان مثل الجثّة على سريرِه

"لديّ مجموعة مِن الرفاق في حاجةٍ إلى جوازات السفر، أتمنى لو تحصلون لي على عشرين جوازٍ فارغ، سأقوم بِملأ بَياناتِها بِنفسي"

تغيّرَت تعابير الاثنَين بِشدّة لأنّهما يعلمان بِأن أصعب ما في تزوير جوازات السفر هو ملؤها بِالبيانات وليس الحصول عليها فارِغةً من الموظّفين المُرتَشين من منظمة الأمم المتّحدة، فهل شوفين مُزوِّرٌ مُحترِف أم فقط يعرِف مُزوّراً مُحترِفاً آخر ؟

مهما فكّر الاثنان.. يجِدان بِأن شوفين عبارةٌ عن صفقةٍ لا تتكرّر، لذلك أومأ داوفين فقال باهان

"سأحرِص على توفيرِها لأجلِك.. سيد شوفين"

أومأ شوفين أيضاً ثم استدار وخرَج، نظر إليه باهان قليلاً قبل أن يضع حجر التصوير الذي أعطاه له شوفين على مكانٍ مُخصّص لِنقل الأغراض الصغيرة، لكن وصولَها سيأخُذ يومَين أو أكثر بِسبب طول المسافة، اختفى حجر التصوير داخِل المصفوفة فقال داوفين

"حافِظ على علاقةٍ جيدة معه، وامنَحه أي شيءٍ يطلُبه ما دام في استِطاعتِنا، أما بِخصوص بيع التقنيات الأسطورية فأخبِره بِأننا سندفع له أكثر مِن أي مزاد، لا تدَع مثل هذه التقنيات تخرُج مِن أيدينا"

...

بعد ثلاثة أيامٍ أخرى، كان شوفين قد صقل العديد من الحبوب وأعطاها لرِفاقِه حتى يرفعوا بِها تدريبهُم، وحسب تقديرِه فسوف يرتفِعون مرحلة واحِدةً على الأقل لِأن الموارِد التي استخدمَها في الحبوب كانت قويةً ونادِرة، وكل ما عليهِم هو صقلُها ودعمُها بِالتدريب على تقنِياتِهم الخاصة، ثم أخبرَهُم بأنه لن يسمَح لهُم بِالخروج ما لم يُصبِحوا في مستوى #متدرّب_مبتدئ على الأقل، ومع أن زِنهار هو الأقرب إلى هذا المستوى إلا أنه لن يُخرِجَه حسب اتّفاقِهما لِأنه إذا خرَج من أركادية فلَن يُعيدَه إليها.

هذا التصريح الجديد من شوفين.. جعل سويكا غاضبةً لِأن راموليا كانَت مُستثناةٍ من القواعِد، لكن شوفين لم يهتمّ للشّغَب الذي أرادَت سويكا إحداثَه وإنما غادر تارِكاً إياها في حالةٍ مِزاجية سيئة، خرج شوفين إلى راموليا وكانت قد استهلكَت الحبوب الثلاثة التي منحَها إياها، تركَها في الفندق وذهب إلى متجر الأعشاب وكان المدير قد حصل بِأعجوبةٍ على قلب المائة لُغز، أمسكَه شوفين وتصفّحَه قليلاً حيث كان شكلُه مِثل كُرةٍ زجاجية بيضاء لامِعة، خزّنَه ثم قال

"جيد، يبدو عمرُها أقل من ألف عام، أليس كذلك ؟"

طأطأ المدير رأسَه وقال بِصوتٍ مُنخفِض

"كانَت جاريةً عِند أحد المُرتزِقة، جلبَها معه مِن عالم السّحر قبل قرون لِمُساعدتِه في عملِه، واشترَيتُها مِنه بسِعرٍ خيالي"

وقف شوفين ورمى إليه حجر تصويرٍ وهو يقول

"هذا هو اتّفاقُنا"

أمسَك المُدير حجر التصوير وتصفّحَه بِسرعةٍ قبل أن يتبسِم بِسعادةٍ لأنها كانت حقاً تقنيةً أسطورية من الدرجة الخامِسة، وعندَما رفع نظرَه كان شوفين قد خرج وكأنه لم يكُن هنا من قبل.

...

بعد ساعةٍ أخرى.. كان شوفين مع راموليا في غُرفة تدريبٍ مُغلقَة داخِل بيتِها في أركادية، لم يعلَم أحدٌ بِأنهُما قد عادا إلى أركادية لِأن شوفين يُريد بعض الهدوء أثناء عملية استخدام قلب المائة لُغز، كانت راموليا تنظُر باستغرابٍ إلى الكُرة الزجاجية البيضاء لأنها لا تُشبِه أي نوعٍ من الأعشاب، وكان من الأفضل تسمِيتُها جوهرةً وليس عُشبةً كما سمّاها شوفين أمام ذاك المُدير.

قام شوفين بِتجهيز لوازِم العمليّة فسألَته راموليا

"كيف سيجعلُني هذا الغرض أكتسِب ميزةً جديدة ؟"

أشار لها شوفين حتى تستلقي على الأرض ثم قال

"لا تهتمّي بالتفاصيل، ما يهمّك الآن هو التركيز على العملية، سأقوم بِدمج هذه العُشبة مباشرةً مع قلبِك، لكنّي لا أستطيع صقلَها لِأجلِك، لأن صقلَها سيأخُذ مِنك عدّة أعوام، المهم الآن هو نجاح عملية الدمج"

رفع قلب المائة لُغز وأحاطَه بِالطاقة قبل أن يُرسِل موجةً من الطاقة الروحية إلى راموليا فجعلَها لا تستطيع الحركة ولا تشعُر بالألم، ابتسم نحوَها وبدأ يقطع ثِيابها عن صدرِها، تغيّرَت ملامِحها بعض الشيء إلا أنها هدأَت عندما قال شوفين

"سأفتح صدرَك وأدمِجها مباشرةً مع قلبِك، ومع أنكِ لن تشعُري بأي ألم إلا أن العملية ستكون مُخيفة، وعليكِ تمالُك نفسِك أثناء ذلِك"

رمشَت بِعينَيها فأخرَج شِفرةً من طاقة النور وصنع بِها جُرحاً كبيراً وسط صدرِها، استخدم بعدها أذرُع النور وفتح صدرَها حتى ظهر قلبُها النابِض، حينها.. بدأ يُذيب قلب المائة لُغز حتى صار مِثل سائلٍ لزِج يطفو في الهواء، وبِحركةٍ خفيفة.. قام بِجعل خيطٍ من السائل يتّجِه نحو قلب راموليا ويخترِقُه، لم تشعُر راموليا بأي ألم.. لكنها شعرَت بِأن شيئاً غريباً كان يدخُل إلى جسدِها، ما يعني بأن هذه العُشبة كانت تندمِج مع جميع شرايِينِها وليس مع قلبِها فقط.

لم يُخبِرها شوفين بِحقيقة قلب المائة لُغز بِسبب حادِثة الطفل المحروق والضجة التي افتعلَتها في ذلك الوقت، ولو علِمَت راموليا بِأن هذه الكرة الزجاجية هي القلب السّحري لدى صِنف الساحِرات مِن عالم السحر لرُبّما كانت حالتُها المِزاجية صعبةً الآن، خاصةً إذا علِمَت بأن استخراجَه من جسد الساحِرة يتِمّ وهي على قيد الحياة، وأن استِخراجَه منها يعني موتَها مُباشرةً، وبِسبب هذا.. تقوم منظمة العوالِم المتّحِدة بحِماية الساحرات مثلما تفعل مع أطفال الغابة والجان وبعض الأصناف المطلوبة، وأيّ أثرٍ على عمليّة صيدِهم أو أخذ أعضائِهم تعني وضع اسم الصيّاد في القائمة السوداء.

عملية صقل قلب الساحِرة مع جسدٍ بشريٍّ لا ينجح على الدوام، لكن شوفين لديه آمالٌ عالية بِسبب جسد راموليا الصغير وروحِها القديمة، وهذان العامِلان سيجعلان نِسبة النجاح مُرتفِعة، خاصةً أنه يضع ختم الروح على راموليا وسيقوم بحِمايتِها مِن أي إرادةٍ مُتبقّية من روح الساحِرة التي تمّ أخذُ القلب مِنها.

يُمكِن اعتِبار عملية الدمج هذه بأنها عملية عكسِيّة، حيث يولَد السحرَة بِقلوبٍ سحرية غير مصقولة، ويحتاجون إلى العديد من السنين لِصقلِها عبر جمع الموادّ مِن أجسادِهم وجعلِها تتجمّع على شكل كرةٍ زُجاجية، وحينها فقط سيكون أمامهُم فُرصة استخدام المهارات السحرية المُعقّدة، أما قبل ذلك فسيكون سِحرُهم مثل لعِب الأطفال، وهذا ينطبِق على راموليا أيضاً حيث يجِب عليها صقل قلبِها السحري الخاص بِجمع المادّة السحرية من شرايِينِها لِتصنع بِها مثل تلك الكرة الزجاجية البيضاء، وبعد نجاحِها في هذا.. ستكون ساحِرةً مثل أي ساحِرةٍ أخرى من عالم السّحر.

في العادة.. لا أحد يستخدِم قلب المائة لُغز بِهذه الطريقة لأنها مُغامرةٌ لا يُمكِن ضمان نتيجَتِها، بل أصلاً لا يعلم أغلبِية الكيميائيّين بِوجود مثل هذه الطريقة، لذلك يستخدِمونَه بِطُرقَ مُختلِفة مثل جعلِه وحدة مُعالجةٍ للبيانات أو لإدارة المؤسّسات والآليات حيث يُعتبر أفضل من المصفوفات التي لديها خياراتٌ محدودة، أو ربما مُحاولة صُنع السحر بِالتحكّم في العناصِر، وكل شخصٍ يكتشِف طريقةً جديدةً لاستخدامِه لِأن ألغازَه لا تنتهي، لذلك أُطلِق عليه اسم قلب المائة لُغز.

استمرّت عملية الدمج لِأكثر من أربع ساعاتٍ، وكانَت راموليا تشعُر بِحرارةٍ غير مفهومة في جميع أطراف جسدِها، وأخيراً.. انتهَت العملية فقام شوفين بعِلاج جُرح راموليا بِطاقة الخشب الموجودة في الجسد الهلامي الخاص بِه، وقف بعدَها وقال لها

"اِغتسلي وغيّري ثِيابَك ثم نامي لبِضعة أيام حتى تستقرّ العملية، وبعدَها سأُخبِرك عن ميزاتِك الجديدة"

...

بعد أسبوع.. كان شوفين قد استلمَ عشرين جواز سفرٍ من باهان، وكان شكلُها عبارةً عن شارةٍ فضّية صغيرة يُمكِن قراءة بياناتِها باستخدام القوى الروحية، وتحتوي على صورة واسم صاحبِها، بالإضافة إلى العالم الذي وُلِد فيه وعُمرِه والعوالِم التي زارَها، وكل هذا يتمّ إضافتُه تِلقائياً عند إنشاء الجواز أو عند المرور عبر بوّابات مسار النقل الكوني.

قام شوفين في الأيام الماضية بِصناعة عشر جوازات سفر لِنفسِه، وكانت بعضُها تحمِل صورتَه بعد تغيِير شكلِه بعض الشيء مثل لون شعرِه وعينَيه، بالإضافة إلى اختلاف المعلومات من جوازٍ لآخر مثل الاسم والسن والعالم الذي ينتمي إليه، وكل هذا لِأنه لا يُريد ترك آثارٍ خلفَه عِندما يُسافِر، وهذا مؤقّتٌ طبعاً لأنّه يهوى اختراق مسار النقل الكوني بدل المرور عبر البوّابات، لكنّه لا يزال أضعف من ذلك في الوقت الحالي.

أمضى باقي أوقاتِه مع راموليا يُدرّبها على ميزَتِها الجديدة والتي تسمَح لها بِالتحكّم في العناصر الطبيعية، ومع أن الأمر كان صعباً عليها كما هو صعبٌ على الساحِرات أنفُسِهن.. إلا أن معرِفة شوفين قد كانت مُفيدةً لها حيث بدأت تستشعِر العناصِر الخارجية وتتفاعَل معها، لكن تحريكَها وتشكيلَها لا يزال صعباً عليها بِسبب قلّة خِبرتِها.

وفي هذا اليوم.. أتى باهان وأخبر شوفين بأنّهُم سوف ينتقِلون إلى مدينةٍ أخرى حيث ستُقام هُناك مُسابقةٌ لليافعين ويُريد مِن تلاميذِه تجرِبة حظوظِهم فيها، وكانت المسابقة مُخصّصة لليافعين داخل مِنطقةٍ صحراوية مليئة بِالآثار القديمة، وافق شوفين على مُرافقتِهم وأخذَ معه راموليا، وعندَما التقى بِالجميع.. صرخ رافين على باهان بِغضب

"ما الذي جاء بِه إلى هنا ؟"

صمت باهان بِعبوسٍ فضحِك شوفين وقال

"ألَم تُخبِرهُم يا باهان بِأن الأب داوفين قد تبنى طِفلاً جديداً ؟"

تفاجأ الجميع وتغيّرت نظراتُهم نحو شوفين، وكانت رافين و صوفين أكثر المُتأثّرين لِأن ظهور شوفين كمُنافِسٍ قد يجعلُهما يخسران إرثَ أبيهِما، ومن جهةٍ أخرى.. كان باهان مصدوماً أيضاً لِبعض الوقت قبل أن يُقرّر مُسايرَة شوفين لِأنها ستكون أفضل طريقةٍ يشرَح بِها للآخرين سبب جلبِ شوفين معهُم، خاصةً عِندما سيرجِع به إلى عالم البحر الضبابي لزِيارة أبيهِم داوفين الذي لا زالوا يعتقِدون بِأنه مريضٌ قريبٌ من الموت، لذلك حمحم وقال

"لقد تواصلنا مع السيد داوفين وأعجبَته مهارات شوفين، لذلك قرّر جعلَه ابنه الخامِس عشر"

اسودّ وجه رافين لأن كلام باهان يعني بأن ما قالَه شوفين حقيقي، وأن عليه تغيِير جميع خُططِه من "المُسَيطِر على الوضع" إلى "المُنافِس على الفوز"، لذلك كان يرمُق شوفين بِعين الحذر وهو يقترِب من نيوفين، وصل إليه وربّت على رأسِه قبل أن تتطايَر الدماء مِن خدّه، تأوّه نيوفين من الألم لكنّه لم يتراجَع لأنه يعلم ما كان يفعلُه شوفين، وبعد ثوانٍ قليلة.. كان جُرحُه قد عُولِج وكأنه لم يكُن موجوداً، مدّ شوفين مِنشفةً نحو نيوفين لِيمسح بِها الدماء ثم ضمّه إليه وهو يقول

"نيوفين تحت حِمايتي، وإزعاجُه مِثل إزعاجي"

--------------
سؤال الفصل:
في رأيك..
1- ماذا ستفعل راموليا إذا علِمَت بأن قوّتَها تعتمِد على حياة امرأةٍ أخرى ؟
2- لماذا يهتمّ شوفين بالصغير نيوفين ؟
3- هل شوفين هذا لا يملِك ذرّة فخرٍ حتى يجعل نفسَه ابناً لِشخصٍ أقلّ شأناً منه ؟

#تحت_المجهر
--------------

صفحة الرواية على فيسبوك:
https://fb.com/MicroShowFine

التعليقات
blog comments powered by Disqus