"طبعاً.. لكل شيء حلّ"

بِهذه الجملة من شوفين.. دخلت سويكا في دوامة من الأفكار المتناقضة، فبينما كانت تفكّر في أن شوفين لديه حلٌّ فعلي لِمشكلة قلبها البدائي والذي تزيد طاقتُه الذاتية يوماً بعد يوم، كانت أيضاً تفكّر في أنه ربما يكون حلّه للمشكلة تقليدياً جداً، وهو الزراعة المزدوجة التي ذكرها سابقاً، وبالتفكير في هذا.. هل لِمشكلتِها حقاً علاقة بِالزراعة المزدوجة أم أنه يرغب باستغلالها فقط ؟

لاحظ انشغالها في التفكير فقال

"القلب البدائي خطير جداً بِسبب طاقته البدائية المتراكمة، إذا لم تنجحي في تقليلها فسيتسبّب بِانفجار جسدِك، وإذا حدث هذا داخل عشيرة القمر الأحمر فسيأخذ الانفجار حياة الجميع"

توقّفت عن التفكير وركّزت على ما يقوله، لكنها لم تُركّز على الخطر الذي ذكرَه وإنما أرادت أن تعرِف كيف تُعالِجه، لذلك سألته مباشرة

"هل هناك طريقة أخرى غير الزراعـ.."

توقّفت عن الحديث واحمرّ وجهها، ابتسم شوفين وقال لها

"وما المشكلة في الزراعة المزدوجة ؟
ألا أبدو وسيماً بِما فيه الكفاية ؟"

اسودّ وجهُها بعد احمِرارِه وتراجعَت قليلاً للخلف وهي تصرخ

"علِمتُ ذلك"

ضحك عالياً عندما رأى حركاتِها لِأنه لاحظ بأنها تشكّ فيه منذ أخبرَها عن الزراعة المزدوجة، وأخيراً توقّف عن الضحك وقال

"توجد طريقة أخرى، وهي عبارة عن نوعٍ من التدريب ولا علاقة له بالرجال، لكنّها تتطلّب منك ترك العشيرة ومُرافقتي"

توقّفت عن تراجُعها وبدأت تفكّر في صمت، وبعد أكثر من دقيقة.. قالت

"أنا لا أستطيع ترك سيدي"

ابتسم شوفين وجلس على الأرض وهو يقول

"هذا أيضاً جيد، فقد سبق وجهّز لك الشيخ راجو حلاًّ مناسباً"

أومأت برأسها واستدارَت عندما رأته يُغلق عينيه، ابتعدت قليلاً ثم توقّفت فجأة، تسمّرت في مكانها طويلاً قبل أن تعود إليه وتسأل بِشكّ

"ما تقصد بأن سيدي قد جهّز لي حلاًّ مناسباً ؟"

فتح عيناً واحدة ثم أجابها بِسؤال

"ما هي العلاقة بينك والشيخ راجو ؟"

قالت بِفخر

"أنا من أفضل أتباعِه الصغار"

قال

"فتاة موهوبة مِثلك، لماذا لم يجعلها ابنتَه ؟"

كان قد تحقّق من ذكريات راموليا وعلِم حالها، قالت بِسرعة

"لقد كُنتُ ابنتَه بعد ولادتي لكنه حوّلني إلى تابِعته عندما اكتشف مشكـ.."

هنا.. تجمّدت وكأنها قد سقطت في بِركة جليدية، وذلك لأنها لا زالت تتذكّر اليوم الذي عاد فيه راجو من العاصمة وقرّر مُباشرة أنه سيتّخذها خادمة بدل ابنة، يومَها.. كانت نظرتُه إليها مختلفة عن السابق، فرغم أنها كانت ابنتَه من قبل إلا أنه لم يكُن حنوناً جداً مثل أن يحضنها أو يقبّلها، لكنه بعد اتّخاذها خادمة كانت مُعاملتُه معها مختلفة، حتى أنها كانت مستغربة لماذا يُعاملها هكذا بعد أن تخلّى عن تبنّيها، والآن.. مجرد سؤال من شوفين.. جعلها تنظر لما حدث من زاوية أخرى، وهي أن راجو قد حوّلها من ابنة إلى خادمة تمهيداً لأخذها جارية للجنس بغرض زيادة تدريـبِه.

أيقظها شوفين من جمودِها قائلاً

"على الأقل.. أنا لن أكذب عليك، يُمكنني مساعدُتك دون زراعة مزدوجة، لكن حُريتك ستكون مقيّدة قليلاً"

تنهّدت بِحرقة ثم استدارَت وقالت بِصوت منخفض

"دعني ... دعني أفكّر"

قالت هذا ثم غادرت إلى زاوية مظلمة.

أغلق شوفين عينَيه وانتظر استنزاف طاقة التلاميذ الذين وقعوا في الفخ مثل الذباب، سيبقى ما حدث هنا محفوراً في أذهانهم طول حياتِهم، خاصة أولئك الذين كانوا ينظرون إلى شوفين على أنه مجرد مشلول تافه، وما جعل هؤلاء يشعرون بالخِزي لِدرجة الرغبة في الانتحار هو أن شوفين لم يُزعِج نفسَه حتى بالنظر إليهِم، وكأنهم مجموعة من الحشرات في نظرِه.

استمرّ الاستنزاف حتى دخل اليوم التالي فبدأ الضعفاء يُغمى عليهم، ولِحسن الحظ أن المصفوفة كانت تتوقّف تلقائياً عندما تكون الطاقة قليلة في أجساد المستهدَفين، لذلك لا زالت لديهم القدرة على التنفّس.

في منتصف اليوم.. وقف شوفين أخيراً واتجه نحو راموليا وريكو، وكانت راموليا في تضاربٍ نفسي لا مثيل له، ابتسم وفرك شعرَها ثم ادخلَها هي وريكو في عالمِه الخاص، وهذا لم ينجُ من نظرات سويكا، ما زاد من استغرابها من هذا الشخص الذي لا تنتهي عجائبُه.

وقف شوفين قُرب المصفوفة وظهرَت على وجهِه ابتسامة شريرة ثم قال للتلاميذ

"شكراً لكم جميعاً على المساعدة، سأكتفي بهذا القدر"

قال هذا ثم دخل إلى وسط المصفوفة وأخرَج العديد من أحجار الطاقة الوردية والحمراء، وزّعها على الأرض لِرسم مصفوفة داخلية صغيرة ثم أغلق عينيه وقال

"دعني الآن أريكَ كيف يكون اللعب أيها التافه"

بِقولِه هذا.. تجمّعت المصفوفة الواسعة حتى صارت دائرة قُطرُها حوالي ثلاثة أمتار فقط، وجمعت كل أحجار الطاقة داخِلها، وبهذا صار التلاميذ خارج المصفوفة لكنهم لم يستطيعوا الوقوف بسبب استنزاف طاقتِهم إلى وضع حرِج جداً، نظر شوفين مرة أخيرة نحو سويكا ثم استعاد نظرَه وفعّل المصفوفة الداخلية التي سبق وجهّزها، وفي لمحة عين.. اختفى هو والمصفوفة تحت دهشة سويكا ومَن كان لا يزال في وعيِه من التلاميذ.

اختفى من السهل وظهر في قاعةٍ واسعة تحت الأرض، وأمامَه.. كان رجل عجوز على هيئة ضبابية شبحية، ارتجف العجوز واستخدم جزءً من طاقتِه فاختفى مِن مكانِه، ظهر على جبل بعيد وتنهّد بالراحة، إلا أن فرحتَه لم تدُم طويلاً حيث ظهرت مصفوفة شوفين خلفَه، صرخ في قلبِه عندما تذكّر شيئاً سمع عنه قديماً يسمى "مصفوفة التتبّع"، لكنه لم يعتقد بأن يراها ويكون هو نفسُه هدفاً لها، لأنها تتبع الهدف أينما ذهب ما دام فيها ما يكفي من الطاقة، وممّا يبدو أمامه فإن الطاقة الموجودة في المصفوفة أكبر من طاقتِه الروحية، والإمساك به ليس إلا قضية وقت.

في الماضي القديم.. كان شوفين يستخدِم هذه المصفوفة اعتماداً على طاقتِه الشخصية، لكنه الآن ضعيف واضطرّ لاستنزاف العديد من الضعفاء لِصنعها، ويُمكنها أن تنقله إلى حدود خمسين مرة، وكلما زادت المسافة نقصَت أعداد الانتقالات، لذلك تمنّى أن يُمسك هذه الروح الضعيفة بسرعة.

استمرّت المطاردة هنا وهناك لعدّة مرّاتٍ حتى قرّر الكيان القديم أن يتوقّف أخيراً بعد عودتِه إلى القاعة تحت الأرض، وما هي إلا لحظات حتى ظهر شوفين أمامه، وقد صارَت صورة الرجل العجوز أكثر شفافية من قبل، نظر بِحقدٍ نحو شوفين قبل أن يتصنّع الابتسامة ويقول

"جيد.. أنت جيد، لقد نجحتَ في جميع اختباراتي"

ابتسم شوفين وسخر منه

"هل كنتَ غبياً على الدوام أم أنك أصبحت غبياً بعد هروبِك إلى هذا الفراغ ؟"

--------------
معلومة سريعة:
التعليق والإعجاب يزيد من عدد الفصول وجودتِها

التعليقات
blog comments powered by Disqus