"هل كنتَ غبياً على الدوام أم أنك أصبحت غبياً بعد هروبِك إلى هذا الفراغ ؟"

سخر شوفين من العجوز الضبابي بابتسامة واسعة، شعر هذا الأخير بالاختناق عندما لم تنطلِ حيلتُه على شوفين، لذلك غير نبرته وقال بغضب

"قد أكون ضعيفاً لكني لا زلت أستطيع قتلك معي"

فرَدَ شوفين ذراعَيه وقال

"أنت تملك ضربة واحدة فقط، يُمكنك التجربة متى شئت، لكن.. هل أنت متأكد من قتلي ؟"

صمت العجوز الضبابي لأنه لم يكن يعرف ما هي قدرات شوفين، كما أنه لا يريد أن تندثر روحه إلى الأبد، لذلك بقي صامتاً.

نظر شوفين في أنحاء القاعة قليلاً ثم قال

"أو يُمكِننا التوصّل إلى اتفاق"

كان في البداية يرغب في تعذيبِه بسبب شغبِه، لكن بعد رؤيتِه اكتشف بأنه ضعيف جداً ولن يستقبل أي هجمات روحية منه، صمت الضبابي قليلاً ثم سأل

"ما نوع هذا الاتفاق ؟"

قال شوفين

"سأنقُلك إلى عالمي الفراغي وأتركُك تتعالج قرب شُعلتي الروحية، وفي المقابل.. ستخدُمني ألف سنة وتعتني بإدارة عالمي وتطويرِه، بعد ألف سنة ستكون قوياً بِما يكفي لاحتلال جسدٍ ما لِنفسك"

تهلّلت ملامح العجوز الضبابي وتلألأت عيناه، لكنه لم يُجب مباشرة وإنما سأل باندهاش

"أنت تملك عالماً فراغياً ؟
ما هو تدريبُك ؟"

قال شوفين

"أنا مِثلك نوعاً ما، وقد حصلتُ على هذا الجسد مُنذ بضعة أشهر فقط، يُمكنك القول بأني أتعاطف معك قليلاً"

صمت الضبابي طويلاً، فمع أنه يملك الرغبة في الموافقة إلا أنه شعر بِأن شوفين ليس شخصاً سهلاً كما يبدو عليه، لذلك لا يدري ما الذي سيفعله بِه عندما يكون تحت قبضتِه.

لاحظ شوفين خوفَه فأطلق هالتَه الروحية على شكل شعلة بيضاء وملأت أرجاء القاعة، شعر العجوز الضبابي وكأنه يتآكل، إلا أن النار البيضاء لم تقترِب منه، قطّب شوفين حاجبَيه وقال

"أستطيع إجبارَك بِالقوة إذا أردتُ إيذاءَك، لكنك لن تستحمِل هجوماً واحداً مني، أليس كذلك ؟"

تنهّد العجوز الضبابي أخيراً وقرّر بأنه لا يستطيع الإفلات من شوفين، لذلك قال

"أستطيع توقيع العقد معك، لكني أريد الاحتفاظ بِوعيِي"

أومأ شوفين واقترَب من العجوز الضبابي ثم اخترَق جسدَه بأصبعِه وغرس فيه ختمَه، شعر مباشرة بِمدى ضُعف خادمِه الجديد، لذلك أدخلَه مباشرة إلى عالمِه الفراغي حيث توجد الشعلة البيضاء، نظر العجوز الضبابي في راموليا وريكو اللذَين استغربا عندما رأياه مع شوفين، اقترب الضبابي من الشعلة البيضاء وشعر بالراحة لأنها شعلة من الطاقة الروحية، ارتفع فوقها ثم ألقى نظرة على العالم الفراغي المدمّر، تنهّد لأن الأعمال التي تنتظِره أكبر ممّا توقّع، لكنّه صار خادماً وسيعمل جاهداً لِأجل سيّده، حيث كان الختم الذي وضعَه شوفين عليه أكثر عمقاً من عَقدِه مع راموليا وريكو، أي أن الضبابي قد صار مطيعاً أكثر مِنهما مع أنه لا يزال مُحتفظاً بِوعيِه.

مدّه شوفين بِصلاحية التحكّم في العالم الفراغي عبر عقد الخادم الذي بينهما ثم سأله

"ما هو اسمك ؟"

سأله لأنه لم يستطِع قراءة ذكرياتِه حيث يمكن أن يؤذيه إذا فعل، لذلك قرر أن يتركه حتى يتعافى ثم سيقرؤها على مهل، قال العجوز باحترام شديد

"اسمي القديم هو أرفود، إذا لم يُعجبك فأطلق عليّ اسماً آخر يا سيدي"

لم يهتم شوفين بالاسم، أمسك راموليا وريكو وأخرجهما ثم سأل مرة أخرى

"أرفود.. كيف أتحكّم بِهذا الفراغ المكاني ؟"

كان الفراغ حيث تُقام مسابقة الصيد مكاناً حقيقياً سيطر عليه أرفود عندما كان مصاباً، لكنه لم يستطِع التعافي بسبب قلّة الموارد، لذلك كان يعتمِد على حظّه في سرقة التلاميذ الذين يأتون للاختبار، لكن تلاميذ هذه الأرض فقراء جداً، لذلك بقي عالقاً في هذا الفراغ لِوقت طويل.

فهِم شوفين كيف يتحكّم في الفراغ وبدأ يستكشفُه من بعيد، وفجأة.. اتّسعت عيناه وصرخ تقريباً

"وريد روحي"

كان الفراغ يعتمد على وريدٍ روحي خاص، وعليه كان يعتمِد أرفود لِفتح البوابة وطرد التلاميذ، لكن قدراتِه الروحية كانت ضعيفة ولم يستطِع الوصول إلى الوريد الروحي بِدون جسد، وحتى لو وصل إليه فلَن يستفيد منه، لِأنه لا يملِك الخبرة التي يملِكها شوفين، ولو كان يملِك الخبرة لكان قد سيطر على جسد أحد التلاميذ منذ زمن، لكنه لم يكن يستطيع حتى السيطرة على جسد ميت، ناهيك عن جسدٍ له صاحبُه.

الوريد الروحي يعني أنه سيتم حل مشكلة عالم الفراغ الخاص بشوفين، وهذه كانت جائزة لم يتوقّعها، خاصة أنه كان قبل ساعتين فقط يتحايَل على سويكا حتى يضعَها في عالمِه الفراغي ويستغلّ طاقة قلبِها البدائي لإعادة إنعاشِه، والآن إذا نجح في الحصول على الوريد فلن يحتاج إلى سويكا، لأنها مهما بلغَت طاقة قلبِها فلن تصل إلى طاقة وريدٍ ضعيف، وهذا الوريد الروحي لا يبدو ضعيفاً.

تنهّد في قلبِه وبدأ يُخطّط لاستكشاف مكان الوريد الروحي وحجمِه ونوعِه، حيث غالباً ما يكون الوريد الروحي عبارة عن بُحيرة جوفية تحتوي على طاقة سائلة، وبعضُها الآخر والأكثر قيمة يكون عبارة عن عروق بِلّورية صلبة، لكن هذا الوريد الروحي الذي يعتمد عليه هذا الفراغ لا يبدو مثل النوعين السابقين، قطّب شوفين جبينَه وتساءَل في نفسِه

'هل يُمكن أن يكون وريداً من النوع الحيّ ؟'

يُعتبر الوريد الروحي الحيّ من أندَر الأوردة، ولا يُفترض به الظهور في العوالم المُتدنّية، لذلك استبعد شوفين هذا النوع واعتقدَ بأنه ربما يكون من النوع البلّوري وحجمُه صغير، لذلك عجز عن تحديد نوعِه بسبب البُعد عنه، ومع أن هذا مُخيّب قليلاً إلا أنه سيكون أفضل من لا شيء.

في القاعة تحت الأرض حيث كان يعيش أرفود.. تصفّح شوفين أدوات التحكّم التي كان يتحكّم بها أرفود في الفراغ المكاني، ومع أنها كانت بدائية مقارنة بِمعرفة شوفين إلا أنها مفيدة في غرضٍ واحد على الأقل، ابتسم وأخذ كرة بلّورية ضبابية اللون، ضخّ فيها طاقته وقال

"هذا هو الفِراق"

نظرت إليه راموليا باستغراب فقال لها

"أنا أطرُد الجميع من هذا المكان"

استرجعت نظرِها ولم تقُل شيئاً، وفي نفس الوقت.. بدأت أجساد التلاميذ تختفي واحداً تلو الآخر، وكانت تعابير سولان سوداء لأنها لم تعتقِد بأن شوفين سيقوم بِتعذيبِها مع الآخرين، وما زاد الطين بلّة هو أنه كان يُمضي وقتَه مع سويكا ولم يفعَل لها شيئاً، هل هذا يعني بأنه لم يضعها في عينِه مع جمالِها وإظهار مفاتِنها، وفي المقابل وقع في حب فتاة تلبس فستاناً كاملاً وكأنها راهبة لعينة ؟
هكذا كانت تلعَن في نفسِها وقرّرت أن ما حدَث هُنا لن يمضي بدون انتقام.

بِخلافها.. كانت سويكا تُذكّر نفسَها بِأن خيارَها بِعدم الذهاب مع شوفين هو خيارٌ صحيح، ومع أن شوفين قد أثار في نفسِها بعض الشكوك الخطيرة إلا أنها لن تحكُم على سيّدها مِن خلال الشكوك فقط، لذلك ستعود وتكتشف الأمر بِنفسها.

وأثناء تفكيرِها.. عمّها الضباب مِثل البقية وبدأت تخرُج من الفراغ المكاني، علِمت بأن هذا مِن أفعال شوفين لأن وقت الخروج لم يحِن بعد، ومع أنها قد قرّرت ألا تذهَب مع شوفين إلا أنها شعرَت بِبعض النقص لأنه لم يطلُب منها الذهاب معه مرة أخرى وإنما طردَها مع الآخرين، ما يعني بأنه لم يهتم بها كثيراً، لا كصديقةٍ ولا كَشريكة للزراعة المزدوجة، وإلا فإنه كان سيُصرّ عليها ويطلُب منها أكثر مِن مرّة على الأقل، حينها فقط بدأت تتساءَل إن كانت قد ضيّعت فرصة ذهبية لا تُعوّض، لكن الوقت قد فات على التساؤل الآن.

في القاعة تحت الأرض.. أمسك شوفين رفيقَيه وضمّهما نحوَه ثم استخدم مصفوفة التتبّع حيث كان لا يزال فيها الكثير من الطاقة، ظهر الثلاثة فوق أعلى جبلٍ في الفراغ المكاني، نظر شوفين نحو الأرض وبدأ يفكّر بِأن المُهمّة قد تكون أكثر إزعاجاً ممّا تخيّل، لذلك قرّر البحث أولاً عن الوريد الروحي والاستفادة مِن طاقتِه الخام قبل أن يُفكّر في طريقة أخذِه معه، وذلك لأنه يفتقد للقوة في الوقت الحالي.

جلس أرضاً واستعان بالطاقة الموجودة في مصفوفة التتبّع حتى ينشُر وعيَه تحت الأرض، وبعد نصف ساعة من العمل.. ابتسم وقال بِسعادة

"لقد وجدتُك"

--------------
معلومة سريعة:
التعليق والإعجاب يزيد من عدد الفصول وجودتِها

التعليقات
blog comments powered by Disqus