قاربَت الثلاثة أشهُر على الانقضاء منذ بداية مسابقة الصيد، واجتمع كِبار العشائر حول البوابة في انتظار خروج شوفين، وكانت حالتهم النفسية سيئة بسبب تأخر شوفين حتى بدؤوا يعتقدون بأنه قد وجد طريقة أخرى للخروج بسبب خبرته في المصفوفات، بينما اعتقد آخرون بأنه سيبقى لبضعة أشهر أخرى داخل الفراغ بِما أنه يُسيطر على بوابته، ومع أنهم لا يعلمون كيف طرد التلاميذ إلا أنه لا يوجد غيرُه داخل الفراغ، لذلك يجب أن يكون هو السبب في خروجهِم، لكنهم لا يعلمون لماذا أخرَج شوفين التلاميذ الخمسة الذين أتى اثنان منهم بِخبر السلاح السفلي، وبسبب غموض الحالة.. فكّروا في أنه ربما اعتقد بأنهم موتى لذلك تركَهم يرحلون.

الكل في الكل.. كان الجميع مثل كلاب الشوارع التي تنتظر صاحب المطعم لإخراج القمامة، ويبدو بِأن انتظارهُم قد أتى بِالنتيجة المرجُوّة حيث بدأ يظهر ثُقبٌ ضبابي فوق المنصّة، لذلك اجتمع الكِبار وتصدّروا المشهد، وما هي إلا لحظات إلا وشوفين واقف أمامهم على المنصة، وفي هذه اللحظة.. ارتفعَت الأنوار من كل جانب وتفعّلت مصفوفة قوية تُحيط بِكامل المنصة وكان شوفين محجوزاً داخلها.

نظر شوفين إلى الأرض ثم إلى قبّة الضوء التي تُحيطُه، بعدَها قام بِتصفّح الشيوخ أمامَه وكان بينَهم رئيس عشيرة القمر الأحمر، تصفّحهم واحداً واحداً حتى وقعَت عيناه على سويكا وكان يُمسِك بِها رجلان قويان، لم تتغيّر تعابيرُه ولو قليلاً عندما رآها وإنما واصل تصفّح الآخرين، وهذه الحركة جعلَت الجميع يطرُدون فكرة أن سويكا شريكة معه، لأنها لو كانت كذلك لتغيّرت تعابيرُه، فحتى لو كان يستغلّها فقط لما كان بهذا البرود لأنها قد تنقلب عليه أو تشهَد ضدّه، أما سويكا نفسُها فقد اختفَت آخر آمالِها وإن كانت لا تعتقِد بأن شوفين قادرٌ أصلاً على إنقاذ نفسِه.

ابتسم شوفين وقال بِصوتٍ مسموع

"يا لها من حفلة رائعة، مصفوفة حجز من الدرجة الثالثة والعديد من الوجوه القوية، هل تُقدّمون العصير المجاني أيضاً ؟"

عبس الشيوخ عندما رأوا بِأنه مرتاح وغير خائف مع أنه محجوز، تقدّم باريمآن وقال بِغِلّ

"لقد قتلتَ ثلاثة من أتباعي، هل تعترف بِجريمتِك ؟"

نظر إليه شوفين من الجانب وقال كلمة واحدة فقط

"طُز"

قالها ثم تقدّم للأمام نحو شيوخ العشائر الثلاث حيث كانوا الأقوى بين الحاضرين، اسودّ وجه باريمآن وأراد الانتفاض والصراخ إلا أن أحد الشيوخ من العشائر الثلاث رفع يدَه فتوقّف باريمآن وتراجع، ابتسم شوفين نحو الشيوخ الأقوى وقال

"ما الذي جعلَني أحظى بِهذا الشرف ؟"

ابتسم الشيخ الأول من عشيرة السيف المائي وقال بوِدّية

"لقد سمِعنا أنك تملِك سلاحاً سفلياً متوسطاً، ونحن العشائر الثلاث على استعداد لمُبادلتِه معك مقابل منصب الشيخ الضيف ما دُمت تُخبرنا بالمكان الذي وجدتَه فيه"

قال شيخٌ آخر من عشيرة قوية أخرى

"يُمكنك اختيار العشيرة التي ترغب بأن تكون جزءً منها ولن تعترض باقي العشائر"

قال شيخ ثالث

"مهما كان خيارك.. فأنت ستكون صديقاً مع العشائر الثلاث الأقوى"

أومأ شوفين بِرأسه وبدا بِأنه راضٍ عن عروضِهم، ابتسم ورفع رأسه ثم قال كلمة واحدة

"طُز"

تغيّرت ملامِح الشيوخ الكِبار فجأة واسودّت وجوهُهم بِسبب الإهانة التي تعرّضوا لها، وقبل أن يفعلوا أي شيء.. تقدّم شوفين نحوَهم وقال بِصرامة

"مجموعة من الكِلاب تدّعي الشرف، السلاح مِلكي أنا، فما شأنكم أنتم ؟"

احمرّ وجه الشيخ الأول مِن عشيرة السيف المائي وأراد الانقضاض عليه، إلا أن شيخاً آخر منَعه وقال

"لا تنجرِف وراء خُدعتِه، إنه يُريد مِنك أن تكسِر المصفوفة حتى يهرُب"

توقّف الشيخ الأول مِن عشيرة السيف المائي وشعَر بإهانةٍ أخرى لأنه كاد يقع في خُدعة طفلٍ صغير، لذلك أراد أن يُنهي الأمر بالقبض على شوفين بِسرعة وإنهاء التحقيق معه في مكانٍ خاص حيث لا يوجد سوى الشيوخ والكِبار، رفع يدَه نحو الخبراء الذين أعدّوا هذه المصفوفة فقاموا مباشرة بِجعل المصفوفة تتقلّص حتى تُمسِك شوفين، لكن.. وفي هذه اللحظة الحاسمة.. ظهرت هالة قوية جداً من مكانٍ قريب، عبس الشيوخ ونظروا في اتجاهِها، وفجأة.. بدأت الصيحات من كل مكان

"إنه القصر الحاكم"

"يا إلهي.. الحاكِم نفسُه أتى إلى هُنا ؟"

"شيخ ... يا شيخ، أليس هذا الذي وراءَه هو الشيخ الأول السابق للقصر الحاكِم ؟"

"ما الذي يحدُث هنا، متى اخترق الشيخ الأول السابق للقصر الحاكِم إلى مستوى التألّق ؟"

ازداد التوتّر عند رؤية الحاكِم بِنفسه قد أتى إلى هنا، لم يأتِ مع حرسِه وإنما اكتفى بِجلب الشيخ الأول السابق بعد اختِراقه، ألا يعني هذا بأنه استعراضٌ للقوة بين كِبار العشائر ؟

تراجَع جميع الحاضرين وتركوا طريقاً للحاكم وكان أربعينياً يرتدي ثياباً ذهبية ولديه لِحية سوداء خفيفة، وعلى رأسِه تاجٌ صغير وكأنه مجرّد ماسِكٍ للشعر، كانت تعابيرُه مَهيبة وهو يتقدّم للأمام، استقبَله الشيوخ الكِبار باحترامٍ وهُم يبلَعون ريقهم بعد شعورِهم بقوّة مُرافقِه، تقدّم الحاكِم ولم يهتمّ بهِم حتى وقف أمام المصفوفة ونظر نحو شوفين، تأمّله لِبعض الوقت ثم قال دون أن يستدير

"لِماذا تحتجزون ابني في هذه المصفوفة ؟"

اتّسعت أعيُن الجميع وظنّوا بأنهم سمعوا خطأً، ومع ذلك.. استدار الشيوخ ونظروا نحو رئيس القمر الأحمر، إلا أنه كان مُتفاجئاً هو الآخر، ما جعلَهم يعتقِدون بأن الحاكم يبحث فقط عن مصلحتِه بهذا الادّعاء.

ابتسم الشيخ الأول لِعشيرة السيف المائي ثم قال

"اعذُرني سيدي، لكني لم أعلم بِأن لديك ابناً اسمُه شوفين !"

استدار الحاكِم بِسرعة وكأنه إعصارٌ جارِف، نظر نحو الشيوخ وقال

"هل تقولون بأني أتصنّع هذا فقط ؟"

صمت الشيوخ ولم يجِدوا ما يقولونَه، حملق فيهم الحاكِم قليلاً ثم التفت نحو رئيس القمر الأحمر وقال له

"سمِعتُ أن معلّمة شوفين قد ماتَت، هل تستطيع إخباري أين وجدَت شوفين أوّل مرة ؟"

قطّب الرئيس حاجِبَيه قليلاً ثم اتّسعت عيناه وقال بِدهشة

"نعم.. لقد عادت به عندما كانت في بِعثة خارج العشيرة"

تصلّب الجميع ولم يعلموا إن كان هذا حقيقياً أم أنه يُجاري الحاكِم فقط، أومأ الحاكِم نحوَه ثم رفع رمزاً صغيراً متوهّجاً وقال

"هل تصدّقونَني الآن ؟"

--------------
معلومة سريعة:
التعليق والإعجاب يزيد من عدد الفصول وجودتِها

التعليقات
blog comments powered by Disqus