أنهى شوفين علاقتَه مع معارِفه في دولة روسكيا بِأغرب طريقة، ومع ذلك كان سعيداً لأنه كسب الكثير في فترة قصيرة، بعد توديع الكيميائي واريان.. استخدم كل الطاقة الموجودة في مصفوفة الانتقال واختار اتجاهاً عشوائياً وانطلق نحوَه، وبعد بِضعة دقائق.. وصل إلى مكانٍ ما وشعر بأن جسدَه يُؤلِمه، تصفّح سويكا فوجدَها قريبة من الإغماء لِأن الانتقال الآني يصنع ضغطاً كبيراً على الجسد.

أرخى ذراعَيه وساعد سويكا على الجلوس أرضاً، لم يرغَب بإدخالِها إلى عالمِه الخاص وإلا لما حدث هذا، لكنه يملِك أسبابه الخاصة لِعدم إدخالِها، وذلك لأنه لا يعلم موقِفها بعد من فريقِه، لذلك انتظر حتى استعادَت نشاطها فقال لها

"لا أعلم أين نحن الآن، هل أبحث لك عن مدينة مستقرة للعيش فيها ؟"

قطّبت جبيهنا بِطريقة زادتها جمالاً، نظرَت إليه بِهذا التعبير وكأنها تشتكي منه إليه، تنهّد وقال لها

"أعلم أني عرضتُ عليك مرافقتي، لكن حياتي مليئة بالخطر، هل تريدين حقاً المجيء معي ؟"

أومأت بِرأسها بِشدّة وعلى وجهِها ابتسامة مليئة بِالسعادة، رفع شوفين يدَه ومسَح عينَيه المُتعبتَين وكأنه لم ينَم منذ أيام، انحنى وجلس قُربَها ثم قال

"تستطيعين المجيء معي، لدي العديد مِن الطرق للقضاء مع مشكلة القلب البدائي، ومؤخراً وجدتُ بِالصدفة أفضل طريقة مناسبة لك، ولأكون صريحاً.. إذا نجحت هذه الطريقة فسأستفيد منها أنا أيضاً، ما رأيك ؟"

نظرَت إليه وحاولَت اكتشاف ما يتحدّث عنه، وقد فهِمت بِأنه لا يتحدّث عن الزراعة المزدوجة، لذلك قالت بِنبرة بسيطة

"لا يهمّني الطريقة، أنا فقط أريد الذهاب معك"

تنهّد مرة أخرى لأن هذه الفتاة الصغيرة كانت تنظُر إليه وكأنه النور الذي يجب عليها أن تَتبعه، ولا تدري بأنه مِن أكثر الناس الذين يجلبون الكوارِث، لذلك حاوَل أن يتأكّد إلى أي مدىً هي مستعدّة للمغادرة مع أنه قد قرّر فعلاً بِأن يضمّها إليه وإلا لما جلبَها معه، تصنّع العبوس ثم قال

"أنظري..، أنا لدي الكثير مِن الأسرار، إذا أردتِ أن تأتي معي فيجب أن أضع علامةً على روحِك، بِمعنى أنكِ ستكونين جارِيتي، هل أنتِ مستعدّة لِهذا أيضاً ؟"

أومأت مباشرةً دون تفكيرٍ حتى، ودون أن يشعُر.. كان قد بدأ يستمتِع معها حيث قال بِطريقة ارتجالية

"لكني أفعل بعض الأمور مع الجواري، أنا لستُ شخصاً طيباً كما تعتقدين"

احمرّ وجهها مباشرة وطأطأت رأسها، فهي أصلاً لا تزال صغيرة جداً ولا تدري ماذا تقول، كما كانت صدمة الشيخ راجو صعبة كثيراً عليها، لذلك قالت بِنبرة ممضوغة

"عـ.. على الأقل.. أنت أفضل من سيـ.. الشيخ راجو"

قالت هذا وانحدَرت دمعة متلألئة على خدّها، عبس شوفين وشعر بأنه قد بالغ في إزعاجِها، انحنى نحوَها ومسح دمعتها ثم قال بِنبرة عطوفة

"آسف يا سويكا، لقد كان مزاحي ثقيلاً عليك، أنا أعِدك أنك ستكونين بأمان مِن هذا الجانِب"

وضع أصبعه على جبينها وقال

"لكني لا أمزح بِخصوص العلامة على روحِك، هل أنتِ مستعدّة ؟"

أومأت بِرأسها فقام مُباشرة بِوضع العلامة وكانت خفيفة في قمعِها مثل علامة راموليا وريكو، وهي مفيدة في التواصل عن بُعدٍ ومعرفة حالِها وغير ذلك، انتهى مِن وضع العلامة ثم لوّح بِيده وأدخلَها إلى عالمِه الفراغي تحت دهشتِها، نظر حولَه في المكان الذي وقع فيه ثم انتقَل إلى مكانٍ آخر وبحث حتى وجَد مكاناً آمناً فجلَس فيه ودخل بِوعيِه إلى عالمِه، وهناك وجد سويكا مع راموليا وريكو، وفوق الشعلة كان أرفود يطوف في سلام.

جلس الأربعة أرضاً فقال شوفين

"سويكا واحدة مِنّا الآن، يُمكنكَ الحديث معها عبر التخاطُر يا ريكو"

قفز ريكو أمام سويكا وقال

"أختي سويكا، لقد مضى وقت طويل منذ آخر لقاء"

اتّسعت عيناها وهي تسمع صوت ريكو في ذهنِها، لكنها لم تفهم ما قاله عن اللقاء، ابتسم شوفين وأخبرها بِنسخة خفيفة من الأحداث لأنها صارت الآن تحت عقد الخادِم ولا بأس بأن تعرِف بعض الأسرار، بعد معرِفة الأحداث.. لم تهتم كثيراً إذا كان شوفين هو القديم أم الجديد، ما يهمّها هو أن شوفين الحالي هو الشخص الذي أنقذَها، وهذا أكثر مِن كافٍ لها.

في الحقيقة.. كانت صدمةُ معرفتها بِأن المعلّمة راموليا هي نفسها راموليا الصغيرة أكثر وقعاً عليها من باقي الأخبار الأخرى، لذلك عدّلت طريقة حديثها معها وزادت مِن مقدار الاحترام.

بعد بضع ساعات.. كانت سويكا قد بدأت تتعوّد على حياتِها الجديدة، وما أدهشَها هو أن هذا العالم أفضل بِكثير للتدريب، لكنها تملِك القلب البدائي ولن يُفيدها كثيراً، لذلك قرّر شوفين أن يقوم بِتعليمها فن المصفوفات بِما أنها موهوبة فيها وتستطيع استشعارَها والتعامل معها بسبب قلبها البدائي.

بعد الحديث عن الكثير من الأمور.. قال شوفين بِطريقة سردية وكأنه يحكي قصة قديمة

"في عالمٍ بعيد، هناك حيوان يسمى دجاجة، وهذه الدجاجة تضع البيض، بِمعنى أنها تلِدُه، يكون في بطنِها، همممم، حسناً.. الأمور في ذلك العالم غريبة بعض الشيء لذلك لن أخوض في التفاصيل، على أي حال.. هذه البيضة، يكون داخلها ابن ذلك الحيوان المسمى بالدجاجة، لذلك تقوم تلك الدجاجة بالاعتناء بالبيضة ليل نهار، لا تذهب إلى أي مكان إلا وتأخذ بيضتَها معها، تمنحُها التغذية مِن طاقتِها الخاصة حتى تتعوّد عليها وتعتبِرُها مِثل أمها، أقصِد.. هي أصلاً أمها، لكن ابنها الموجود في البيضة لا يدري ذلك، إنه جاهلٌ لا يعلم ما يحدُث في الخارج، والآن.. إذا حاول حيوانٌ آخر العناية بتلك البيضة.. همممم، ذلك الحيوان لن يستطيع ضخ طاقتِه إلى داخِلها لأنه لا يملِك الطاقة الكافية، أو ربما لا تتوافق طاقتُه مع البيضة لأنه لا يملِك القلب البدائي مثل تلك الدجاجة، أقصد.. الدجاجة لا تملك القلب البدائي لكن..، هممم، حسناً.. سويكا.. ، هذه الدجاجة تُواجِه مشكلة كبيرة الآن، وهي أنها لا تدري إن كان سيتعرّف عليها ابنُها أم لا، وكل ذلك يعتمِد على مهارة الدجاجة في إقناع ابنِها بِأنها أمه، وإذا لم يقتنِع فقد يأكلُها عندما يفقِص من بيضتِه، بل قد يأكل كل ما يجِده أمامَه مثل أصدقاء الدجاجة، لذلك تحتاج الدجاجة إلى شجاعة كبيرة قبل أن تحتضِن بيضتَها، لذلك يُضرب المثل بالدجاج فيقولون بأنها شُجاع مثل الدجاج، سويكا.. هل تريدين أن تُصبحي مثل تلك الدجاجة الشجاعة ؟"

أكمل حديثَه وكان جبينُه يتعرّق لأنه لم يعلم كيف يوصِل الفكرة التي في بالِه إلى سويكا، عبسَت راموليا لِأن هذه هي المرة الأولى التي ترى فيها شوفين مُرتبكاً وغير مُستقِر، وبعد تفكيرٍ سريع.. قالت

"إذا كانت سويكا هي الدجاجة، وأنت هو ذلك الحيوان الذي لا يستطيع ضخّ طاقتِه إلى تلك البيضة، إذن.. هل توجد لدينا تلك البيضة ؟"

نظر إليها شوفين وظهَرت على وجهِه علامات التقدير لِأنها ذكية وسريعة التحليل، ابتلع ريقَه وقال

"نعم، لدينا بيضة، لكنّها بِحاجة إلى دجاجة شجاعة، وإذا نجحَت في خلق علاقة جيدة مع المخلوق الذي في داخلِها فسيكون ذلك مكسباً لا مثيل له، لكني للأسف لا أدري أي مخلوق هو، وإن فشِلَت العلاقة فربما يقتُلنا جميعاً"

الآن فقط فهِم الجميع سبَب ارتِباكِه، ومع أنهم لا يعلمون شيئاً عن هذه البيضة التي يتحدث عنها إلا أنهم واثقون مِن تقديرِه للأمور، وإذا كان شوفين خائفاً مِن شيءٍ ما.. فيجب عليهِم أن يرتجِفوا خوفاً، وذلك لِأن شوفين هو الأكثر ثباتاً بينهم ومعرِفتُه لا تُقدّر.

قالت راموليا

"لِماذا سويكا بالضبط ؟
ألا  يُمكنُني التجربة ؟"

قال شوفين

"سويكا لديها القلب البدائي، وطاقتُها في ازديادٍ مع الوقت، وهذه الوضعية مفيدة لِفقص البيضة"

قالت سويكا مباشرة

"هل هذه إحدى الطرق لِحلّ مُشكلة قلبي ؟"

أومأ شوفين فقالت

"إذن.. أنا أريد أن أكون شُجاعة مثل الدجاجة"

ابتسم شوفين في قلبِه لأنه قد خلط لهم المفاهيم تماماً، شُجاعة مثل الدجاجة ؟
يا لها من نكتة.

نظر إلى سويكا لِبعض الوقت ثم قال لها

"إذن.. سنضع أقدارَنا بين يدَيك"

قال هذا ثم أخرج الحجر الأسود الذي وجدَه في بُحيرة الوريد الروحي، وضعَه أمام سويكا وكان لا يزال مُقيّداً بِمصفوفة قويّة، ابتعد عنه وقال

"لا تفتحي المصفوفة حتى تكوني مُتأكّدة مِن ذلك، فحتى وإن كانت مُجرّد بيضة إلا أنها قوية جداً"

--------------
معلومة سريعة:
التعليق والإعجاب يزيد من عدد الفصول وجودتِها

التعليقات
blog comments powered by Disqus