الفصل 62: الرحلة إلى الوطن
بعد رحلتي القصيرة إلى ديمينشيا، عدتُ أخيرًا إلى المسار المؤدي إلى منطقتي. لكن قبل ذلك، كان عليّ القيام بمحطة أخيرة عند تلك القرية المجهولة حيث تلقيتُ مهمةً جانبية.
مكانٌ ناءٍ بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
لم يكن هناك طريق حقيقي يُذكر. نعم، وُجد مسار، لكنه لم يكن سوى خطٍ طينيٍّ وحيد. ومع ذلك، لم يكن من الصعب تمييزه، إذ كان الجزء الوحيد الذي لم تلتهمه النباتات الذابلة والمتعفنة — بفضل تربته العقيمة.
أما القرية، فكانت أرضًا بلا قانون. توقعت أن تكون ملاذًا للمنبوذين، وبالفعل، كل ما فيها أكد ذلك. جزءٌ مجاورٌ لمنطقتي… ويا لها من مفارقة مثيرة للسخرية.
<إذا كانت التربة عقيمة، ولا ينمو شيء قرب المياه المالحة، فالهجران مصيرٌ حتمي.>
لم تكن تلك مشكلتهم الوحيدة. فالأمطار الغزيرة، وقربهم من المحيط، كانا يعنيان شيئًا واحدًا: فيضانات متكررة.
كان بإمكانهم الاستفادة من الجبال المجاورة، لكنهم افتقروا إلى الأدوات.
بطريقةٍ ما، لم يكن هذا الجزء من منطقتي سيئًا تمامًا. إهماله الواضح يعني أن اللوردات الكبار لم يجدوا فيه ما يستحق العناء. وهذا، على الأقل، أعفاني مؤقتًا من خطر الغزاة.
<المحافظة على هذه الأرض مكلفة، وعديمة الجدوى. حتى الأعشاب ترفض النمو هنا. هاهاها… مكان مثالي لعرينك!>
إن كان هذا صحيحًا، فلا بد من تغييره. أحتاج أرضًا صالحة لزراعة محاصيلي.
تنهدت في داخلي. مشكلةٌ أخرى تُضاف إلى القائمة.
ربما أحتاج إلى خبيرٍ زراعي.
تراكمت الأفكار في رأسي، لكن الإرهاق حال دون ترتيبها. لم أنل قسطًا كافيًا من النوم منذ وصولي إلى هذا العالم.
"سيدي."
صوت فلورين أعادني إلى الواقع.
"همم؟" انتبهت فجأة.
"هل ما زالت منطقتك بعيدة؟"
استدرتُ إليها. كانت مستيقظةً تمامًا، نشيطةً كأنها لم تفعل شيئًا سوى النوم طوال الطريق. محظوظة.
أما أنا… فلم أذق النوم.
"كان يمكن أن نصل بسرعة لو كنت وحدي،" قلت ببرود. "لكن بما أنك مزارعتي، لا يمكنني تركك."
إلى جانبها، كانت العربة محمّلة بالدجاج، والخنازير، والماعز، والماشية. لا يمكنني التخلي عنهم. والمخزون لا يقبل الكائنات الحية.
أطلقت فلورين تنهيدة ارتياح، وكأن حملاً ثقيلاً أُزيح عن صدرها.
"هيهي… قولك إنك تحتاجني يجعلني سعيدة جدًا، سيدي. لا تقلق، سأبذل قصارى جهدي."
كانت… لطيفة، بطريقةٍ ما. لولا حاجتها المستمرة للتأكيد، لكانت مثالية.
"الأفضل لك ذلك."
أملتُ أن تدرك أنها عبء، لكنها بدت وكأنها تستمتع بالاهتمام.
"كم تبقى من الوقت؟"
"نصف الطريق تقريبًا."
"جيد… سأعود للنوم."
وبالفعل، بعد لحظات، بدأ شخيرها يتردد في العربة.
حدّقت أمامي بلا تعبير.
من السيد هنا؟
تمنيت لو أستطيع النوم بتلك السهولة.
بهذا المعدل، قد تستعيد ذاتي الأخرى السيطرة قبل المساء.
<هذا مرجّح.>
لكن يبدو أنه بدأ يتقبل هذا العالم.
<بعد كل ما فعله؟ أشك في ذلك.>
ضحكت بخفوت. توقّف شخير فلورين للحظة، ثم عاد أقوى.
لم يمض وقت طويل حتى دخلنا أرضًا زراعية مهجورة.
حقولٌ ممتدة، بلا محاصيل. فقط طينٌ متشقق، وروائحٌ باهتة لما تبقى من حياةٍ قديمة.
قبل عقود، لا بد أنها كانت مزدهرة. أما الآن… فلم يبقَ سوى أطلال.
أكواخٌ متهالكة، نوافذها مسدودة بألواح خشبية، وأبوابها مفتوحة كأفواه قبور.
بعضها نمت أمامه أشجار صغيرة، أغصانها تزحف فوق المداخل.
الحقول كانت إما جافة، أو موحلة، أو مغطاة بأعشابٍ برية. بقايا قمحٍ ذابل كانت تتشبث بالحياة بين اللبلاب والزعرور.
في أحد الحظائر المنهارة، بنت الحيوانات البرية أعشاشها، وكانت رائحتها تصل حتى من بعيد.
الصمت كان ثقيلاً.
لم يكن هناك أحد… أو هكذا بدا.
ومع ذلك، ظهرت آثار حديثة هنا وهناك. أكوام حجارة تشير إلى مواقد، وبقايا روث تدل على وجود ماشية. وآثار أقدام حديثة.
لا بد أنها للاعبين… أو للسكان.
الطريق كان أسوأ ما في الأمر. طينٌ لزج يبتلع العجلات. فقدتُ عدّ المرات التي علقت فيها العربة واضطررت لدفعها بنفسي.
رغم دفء الشمس، كان البرد يتسلل إلى أطرافي.
"ما هذا المكان…؟" تمتمت.
"مجرد طين."
<أرضٌ ملعونة بتربةٍ فاسدة~>
رائع.
كنت آمل أن يكون الوضع أفضل داخل حدودي.
هبت الرياح فجأة، عاتيةً كعفريتٍ غاضب، تعصف بالتلال في الأفق. كانت باردة بما يكفي لتخترق الجلد.
اشتدت أكثر، تعبث بعباءتي وشعري، وتغطي عينيّ بالخصلات المتطايرة.
مكانٌ كئيب.
وكلما اقتربنا من تلك القرية المجهولة… ازداد كآبته.
هناك تنتظر إدنا.
وحان الوقت لإنهاء هذا الأمر، واستلام مكافأتي… ثم مغادرة هذا المكان إلى الجحيم.