لم يكن الأمر مجرّد قول كلامٍ عشوائيّ.

كانت عينا شخصٍ قادرٍ على تنفيذ ما يخطر له من أفكارٍ على الفور.

بل إنّه يفعل ذلك دون أيّ شعورٍ بالذنب.

شعرت أوديلي بقشعريرةٍ تسري في جسدها.

كانت تعلم بعقلها أنّ لودفيل الذي فقدَ ذاكرته ليس كما كانت تعرفه من قبل...

لكن، أحيانًا، هكذا.

كلّما أظهرَ جانبًا مختلفًا تمامًا عمّا تعرفه ، شعرت بغرابة كأنّها تواجه شخصًا غريبًا.

كانَ من الممكنِ أن يُطرد الطاهي المجتهد الذي عمل بصمتٍ في قصر الدوقية لسنواتٍ طويلة ، فقط بسبب نزوة منه.

"كنتُ أنوي عدمَ الحديث عن أمور شخصيّة ..."

"هاه."

عندما بدأت أوديلي الحديث، رفع ذقنه قليلًا.

كانَ ذلك إشارةً صامتة لها لتكملَ حديثها.

"في الماضي ... كانَ هناك شخص يشبه سموّك كثيرًا. كان يحبّ هذا النوع من الطعام، وكنتُ أحيانًا أعدّه له بنفسي"

"يشبهني؟"

"نعم."

"في أيّ شيء؟"

"الشعور العام ... كثيرًا"

لم يكن مجرّد تشابه، بل كانَ هو نفسه.

بدأ لودفيل كأنّه يتمعّن في كلامها ، ثمّ أغمض عينيه قليلًا، و بعدها أسندَ جسده على الأريكة بنعاس، كمن فقد اهتمامه.

لم يبدُ مقتنعًا، لكنّه بدا كأنّه سيترك الأمر يمرّ دون مزيد من الأسئلة.

وماذا لو لم يتركْ الأمر يمرّ؟

على أيّ حال، هو يعيشُ دون أن يعرف أنّه كان زوجها آلاف المرّات، وأنّه مات في النهاية لإنقاذها.

"إذن، هل تقدّمتِ بطلب زواج منّي لهذا السبب؟"

"ماذا؟"

"بسببِ ذلك الشخص الذي يشبهني؟"

"ما هذا القفز المفاجئ في الحديث؟"

لم تستطع أوديلي إخفاء ارتباكها.

عندها، توقّف لودفيل للحظةٍ وهو يراقب ردّ فعلها، ثمّ حدّقَ بها بعينيه البنفسجيّتين العميقتين كأعماق البحر.

كانت نظرة مفترس على وشكِ أن يهجم على فريسته.

"يبدو أنّكِ لن تريه مرّة أخرى. وجهكِ يقول ذلك."

وجهي؟

عندما حاولتْ أوديلي أن تدير رأسها لتتمالك تعابيرها ، أمسكَ لودفيل بذقنها دون تردّد و رفع وجهها نحوه.

اقتربَ منها وجه مألوف و غريب في آنٍ واحد حتّى كادتْ أنفاسه تلمسها.

في تلكَ اللحظة، تفجّرت رائحته.

رائحة جلد ثقيلة، نفحة من المسك، وعبق دافئ كرائحة الخشب...

تلكَ الرائحة أعادت إليها ذكريات اللّيالي العديدة التي قضتها معه.

"......"

تدفّقت الذكريات دون مقاومة.

لم تختبرها بنفسها ولو مرّة، لكنّها محفورة في ذاكرتها بشكلٍ غريب.

كانَ قريبًا جدًا. الرائحة ، الأنفاس ، المسافة.

نظر إلى تعابيرها المتجمّدة ، ثمّ ضحكَ بهدوء وأطلق ذقنها وتراجع.

"تتجرّأ على لمس الآخرين دون إذن ... أرجو أن تتحلّى بضبط النفس"

"أعتذر. بدا أنّكِ تحاولين الهروب."

"....."

لمنعها من الهروب؟

هل هو مفترس يتربّص بفريسته ليراها تكشف عن نقطةِ ضعفها؟

‘لم يكن هكذا من قبل ولو لمرّةٍ واحدة.’

كلّما تأمّلت أوديلي في حالته الحاليّة، لم تجد سوى تنهّدات.

"همم، لو كنتِ الدوقة كارديل، كنتِ ستقيمين ‘رابطة زوجيّة’ مع أحد أفراد العائلة الإمبراطوريّة. لكنّكِ اخترتِني أنا، شخصٌ مجنون من أصول وضيعة. أليس هذا قرارًا غير عقلانيّ؟"

لم يُبعد عينيه، وابتسمَ بانحناءة ساخرة.

"أم أنّكِ فقدتِ قدرتكِ على الحكم بسبب ذلك الرجل؟"

بدأ لودفيل وكأنّهَ وصل إلى نتيجة مؤكّدة.

لقد استنتج أنّ أوديلي وقعت في حبّ شخص ما، وتقدّمت له بطلب زواج لأنّه يشبه ذلك الشخص.

"لا أظنّ أنّ هذا هو السبب الوحيد، لكنّه لعب دورًا حاسمًا على ما يبدو."

"....."

"ممتع."

ضحكَ بهدوء.

"أنا أرى شبح امرأة ذات عيون زرقاء، وأنتِ ... ربّما ترين شبحَ رجل أشقر."

يبدو أنّها، دون قصد، أثارت اهتمامه.

شعرت أوديلي أنّ نفيها لن يجدي نفعًا، فتخلّت عن محاولة اقناعه.

في الحقيقة، لم يكن كلامه خاطئًا تمامًا، إلّا أنّ الرجل هو لودفيل نفسه، فلم تستطع الردّ.

‘ربّما تحوّلت ذكريات آلاف المرّات التي فقدها إلى غريزة وحشيّة.’

بما أنّه مهتمّ الآن، لن تبذل جهدًا لتوضيح الأمر.

لكنّها قرّرتْ أن تكون أكثرَ حذرًا في كلامها وتصرّفاتها أمامه مستقبلًا.

حوّلت أوديلي الموضوع بسلاسة

"بما أنّكَ جئتَ لزيارتي بينما تتمسّكُ بمثلِ هذه التفاصيل الصغيرة ..."

عندما توقّف لودفيل للحظة، وجّهت أوديلي ضربة مباشرة:

"يبدو أنّ الطعام كانَ يناسبُ ذوقكَ."

"......"

كانَ ذلكَ بداية الهجوم المضادّ.

"حسنًا، لن أنكر ذلك."

بعد صمت، أسندَ لودفيل جسده أعمق في الأريكة و كتّفَ ذراعيه.

"إذا أردتِ شيئًا، قوليه. لقد قدّمتِ طعامًا جيّدًا، فسأكافئكِ."

"أنتَ تقول ... أيّ شيء؟"

"مال، جواهر، مكانة ... كلّ ما تريدين."

كما اعتادَ دائمًا، بدأ يعدّد الشّروط بلامبالاة كما لو كان يعرضها على امرأةٍ ذات عيون زرقاء ...

ثمّ توقّف فجأة ونظر إليها.

"أم أنّكِ تتوقّعين ‘الحب’ كبديلٍ لذلك الرّجل الذي يشبهني؟"

ألقى لودفيل كلامًا لم يسبق له أن قاله لأحد، ولم يكن ينوي قوله.

"لا."

"......"

لم يتوقّع ردّها الحاسم، فتوقّفَ للحظة.

لكنّ ابتسامته تعمّقت.

تريدُ السّلطة، لكنّها ترفض المال و المكانة.

تريدُ الزّواج، لكنّها ترفض الحب.

كانت تتصرّف كلغز مليء بالتناقضات.

‘بالتأكيد هناك إجابة.’

لم تكن تتصرّفُ بعشوائيّة.

كانت أوديلي تتصرّف بثبات.

لذلك، شعرَ لودفيل برغبةٍ في حلّ هذا اللغز.

كانت رغبة في تشريحها بعناية تتسرّب إلى نظراته.

"إذن؟"

ماذا ستقول هذه المرّة؟

هل ستقول عباراتٍ نمطيّة مثل أنّها لا تحتاج إلى ضمانات ماديّة؟

أم أنّها ستتظاهر بالتّواضع لتبدو مفاجئة؟

أمال لودفيل رأسه بهدوء.

وأمام خصمٍ لا يمكن توقّع خطوته التالية، سأل كطفل يعبث بلعبة.

فأجابت أوديلي بهدوء

"هناك شيء أتمنّى أن تمنحني إيّاه."

"قوليه."

"عندما وافقتَ على الزواج التعاقديّ، أريد كتابة العقد الآن مسبقًا."

"تريدين تحديد شروط العقد؟"

"نعم. لأنّه سيكونُ مزعجًا إذا لم تقبل شروطي لاحقًا."

نظرت أوديلي إليه للحظة، ثمّ أضافت كأنّها تؤكّد:

"قلتَ إنّكَ ستعطيني كلّ شيء، أليس كذلك؟"

كانَ ذلك مفاجئًا.

لأوّل مرّة، أبدت الدوقة الغامضة نيّتها المباشرة في الكشف عن طموحها.

"حسنًا، اكتبيها الآن."

شعرَ لودفيل بالاهتمام، فأخرج قلمًا حبريًّا من داخل معطفه.

راقب أوديلي وهي تكتب شيئًا بحماسٍ على الورقة.

كان ينتظر ليرى مدى جرأة شروطها ومدى إثارتها.

لكن ...

[البند الأوّل: تناولُ وجبة واحدةٍ يوميًّا معًا.]

كانَ المكتوب بعيدًا تمامًا عن توقّعاته.

2026/01/08 · 105 مشاهدة · 876 كلمة
نادي الروايات - 2026