“إيها الجبان!”

دوّى صراخ ريهارت في أرجاء القاعة.

“تلجأ إلى الحِيَل الدنيئة؟! أتُرى من اللائق أن يُلقّب أمثالك بسيد برج السحرة؟!”

كان صوته يرتجف من شدّة الغضب، وعيناه البنيّتان اللتان اعتادتا أن تشعّا دفئًا، كانتا الآن تفيضان غضبًا.

وعلى مرمى نظره، كان يقف شخصان.

حبيبته التي كانت ترتجف وقد سُلّط السيف نحو عنقها، بينما الرجل الوضيع المُسلط عليها بالسيف اتخذ منها درعًا ليحتمي بها. عندها، صرّريهارت على أسنانه من شدّة الغيظ.

“دعها تذهب في الحال! ألستَ تريد حياتي؟ خذها، لكن لا تمسّها بسوء!”

ارتسمت على شفتي جايد، الرجل الذي يهدد لوين، ابتسامة باردة.

“أنت تُدرك الأمر جيدًا. لكن… ما زال أمامنا بعض الترتيبات. إذا استمعتَ لي سأُطلق سراح لوين.”

أحكم ريهارت قبضته على سيفه. قلبه يشتعل قلقًا وهو ينظر إلى لوين.

وجهها الذي كان دومًا مشرقًا بالحياة، شحب من الخوف، وجسدها كان يرتجف كما لو كانت شجرة في مهبّ الريح.

تساءل في نفسه، لو

وصلت

أبكر

بلحظات،

هل

كنت

سأغيّر

شيئًا؟

لو

كنت

استشعرت

هذا

الخطر

في

وقتٍ

أبكر،

أما

كنتُ

لأمنع

كل

هذا؟

ندمٌ مريرٌ اجتاحه.

كيف

لي،

وأنا

قائد

فرسان

الإمبراطورية،

أن

أعجز

عن

حماية

من

أحب؟

لم يعلم باختطافها إلا متأخرًا. لكن الندم الآن لن يغيّر شيئًا.

حاول التماسك والتفكير بعقلانية.

خصمه ليس مجرد رجل، بل سيد برج السحرة. والأسوأ، أن هذا المكان المظلم والمهيب هو موطنه.

خوض معركة مع ساحر في عقر داره… حماقة.

سيُباد قبل أن يصل سيفه إلى جسد عدوه.

“…تبًّا.”

تمتم ريهارت باللعنات وأسقط سيفه أرضًا.

رنّ صوت المعدن عند ارتطامه بالأرض، وارتفعت زاوية فم جايد في رضاٍ ظاهر.

لوّح له بإصبعه بحركة ساخرة، فبدأ ريهارت يتقدم نحوهما ببطء.

لم يقطع سوى بضع خطوات حتى أمره جايد:

“توقف. لا تقترب أكثر.”

أطاعه ريهارت دون تردد.

ثم سمع أمرًا جديدًا، بصوتٍ ملؤه الاستهزاء:

“اركع.”

ارتجف قبضته من شدة الإهانة، وكان الخزي يبتلعه رويدًا رويدًا.

لكنه لم يستطع أن يُضحي بحياة من يحب لأجل كرامته.

وأخيرًا، جثا ريهارت على ركبتيه.

وفجأة…

انبثقت من تحت قدميه أشعة حمراء من أرضية الرخام العتيق، وتفرّعت إلى ثمانية مسارات.

*

ومن خلف أحد أعمدة القاعة الشاهقة، لمع بريق عينين متربصتين.

كانت هناك فتاة، متخفية تحت عباءة سوداء، تراقب ما يحدث من الظلال حيث لا يراها أحد.

اتسعت عيناها الذهبيتان وهي تشاهد المشهد يتكشف أمامها.

'هذا

هو

المشهد

!

'

ابتلعت مييل ريقها وتحسست تعويذة التخفّي التي نسجتها على نفسها.

بفضل عباءتها السوداء وتعويذتها، كانت واثقة أن لا أحد يستطيع رؤيتها.

لكنها لم تكن مطمئنة بالكامل. فالشخصيات التي تواجه بعضها الآن تملك قوى خارقة.

قائد فرسان الإمبراطورية، الأقوى حاليًا.

وسيد برج السحرة، الأخطر في هذا العصر.

كلاهما واقفان الآن، يواجه أحدهما الآخر، من أجل امرأة واحدة.

لحسن حظ مييل، كان تركيزهما منصبًّا فقط على بعضهما، ولم يلحظا وجودها.

تنفست الصعداء بهدوء.

في الحقيقة، لم تكن تخطّط للتجسس على هذا المشهد. لكنها شعرت فجأة بطاقة سحرية مألوفة أثناء مرورها بالجوار.

فهذا القصر القديم يبعد كثيرًا عن برج السحرة، ما جعلها تتساءل إن كان قد وقع أمرٌ خطير.

لكن حين اقتربت، تدفّقت الذكريات في ذهنها.

المشهد أمامها كان مأخوذًا حرفيًا من خاتمة رواية قرأتها في حياتها السابقة، رواية كانت قد نسيت أحداثها مع مرور الزمن.

فور أن عادت إليها صورة النهاية المليئة بالهوس والجنون، وجدت نفسها تنجذب نحو القصر وكأن قوة خفية تدفعها.

اختبأت على الفور خلف العمود، وأخفت وجودها تمامًا.

لقد سبق أن شاهدت مرارًا مشاهد من الرواية تتجسد في الواقع، لكن ذلك لم يكن يومًا ممتعًا لها.

كانت تكتفي بالتفكير بلا مبالاة: “آه،

هذه

هي

تلك

اللقطة

.

لكن النهاية… كانت أمرًا مختلفًا تمامًا.

المواجهة بين الشرير 'سيد البرج' الذي اختطف البطلة لوين، وحبيبها ريهارت الذي وصل متأخرًا جدًا… كان مثيرًا بالفعل.

وتتذكّر تمامًا ما سيحدث بعد ذلك.

ريهارت، الذي لطالما احتقر جايد، سيضطر للإذلال والانكسار أمامه.

مشهد مُحزن ومؤلم… لا شك في ذلك.

تأملت مييل مجريات الأمور بعبوس.

تلك الدوائر الحمراء التي فاضت من الأرض، امتدت لتغطي كامل القاعة، مشكّلة دائرة سحرية ضخمة.

وسرعان ما بدأ السحر ينتشر، طاقة حمراء واضحة للعين تحيط بريهارت وتبتلعه.

ثم قُيّدت ذراعاه وساقاه بأشعة الضوء.

وما جرى بعد ذلك، كانت مييل تعرفه تمام المعرفة.

ريهارت سيتعرض للتعذيب على يد جايد، فيما تصرخ لوين في كل مرة من الألم النفسي، رغم كمامة تغلق فمها.

كانت المشاهد تزداد قسوة، وتقترب من الذروة.

لكن… منذ لحظات، بدأت مييل تشعر بالريبة.

لماذا

لا

أستطيع

تذكّر

ما

حدث

تمامًا

في

النهاية؟

كانت تعرف ما سيحدث حتى هذه النقطة. وكانت تذكر كيف ينتهي الأمر بنهاية سعيدة، بعد المواجهة في هذا القصر.

لكن الجزء الأخير… تفاصيل خاتمة المعركة… غائمة وضبابية.

كيف

انتهى

كل

هذا؟

وفجأة…

“لوين!”

صرخة ريهارت أعادتها إلى الواقع. دفنت شكوكها مؤقتًا وعادت تركّز.

في تلك اللحظة، بينما كان جايد منشغلًا بتعذيب ريهارت، تسللت لوين من بين ذراعيه.

قفزت نحو الدائرة السحرية بكل شجاعة، وارتمت على جسد ريهارت.

وما إن احتضنته، حتى تلاشى الضوء الأحمر.

لقد استيقظت القوة المقدسة التي كانت كامنة في داخلها، وطهّرت الشرور التي كانت تعجّ بالمكان.

وما إن تحرر ريهارت من القيود، حتى قبض على سيفه مباشرة. وعندما وضعت لوين يدها على سيفه، انبعث منه نور مقدس.

قوة دافئة، عظيمة، وسامية، تفوق في شدّتها حتى سحر جايد الشرير.

أدرك جايد الخطر غريزيًا، فسارع بإطلاق تعويذته السحرية.

'آه… تذكرت الآن.'

عندها فقط انقشعت الغشاوة عن ذهن مييل، واستعادت ما كانت قد نسيته… وهي نهاية القصة.

'صحيح، هذا هو المشهد الذي يموت فيه.'

دخل سيف ريهارت المقدس في مجال رؤيتها، وكان يشعّ بطاقة حادة لكنها دافئة، كما لو أنه ينتمي للسماء.

القوة المقدسة التي اجتمعت من ريهارت ولوين بعد يقظة الأخيرة، امتزجت لتخلق طاقة أسمى وأقوى من أي وقت مضى.

سرعان ما تحولت نظرات مييل نحو جايد.

شعره الأحمر الداكن وعيناه اللتان لطالما اتّسمتا بالقسوة، احمرّتا تمامًا. لقد أطلق العنان لكل ما يملك من قوة.

ومع ذلك، كان ينسحب شيئًا فشيئًا أمام تلك القوة العظيمة.

'مهما بلغت قوته، فلن يستطيع الصمود أمام بطلَي الرواية.'

لو لم يتورط معهما، لكان أصبح الأقوى في هذا العالم.

تنهدت مييل بمرارة وهي تسترجع ما سيحدث لاحقًا.

البطل والبطلة… قوة الحب بينهما، أو بالأحرى، قواهما المقدّستان، ستقضيان على الشرير في النهاية.

وكما في كل القصص، لا مفر للشر من نهاية مأساوية.

وأخيرًا، بدأ الدم ينزف من زاوية فم جايد.

أنهكته المعركة تمامًا، وسحره نضب. رفع ذراعيه وكأنه يتقبل النهاية بصدر رحب.

“انتهى الأمر.”

ابتسم بسخرية. مواجهة قوة اثنين بمفرده كانت مستحيلة منذ البداية.

منذ اللحظة التي تحررت فيها لوين، كانت الهزيمة محتمة.

أغمضت مييل عينيها وهي تنظر إلى جايد، الذي بدا وكأنه مستعد للموت.

كانت تتلو في سرّها دعاءً لراحة روحه.

'يا

معلمي

رغم

أنك

كنت

شخصًا

لا

قيمة

له

في

حياتي،

إلا

أنني

أتمنى

لك

الرحمة

.

في

حياتك

القادمة،

لا

تولد

شريرًا

بل

كن

مجردمواطن

عادي

.

'

لكن حين فتحت مييل عينيها مجددًا، تحرك سيف ريهارت المقدس باتجاه جايد.

وانبعثت منه قوة مذهلة، على هيئة تنين ضخم من النور.

رياح هائلة هبّت في القاعة، حتى أن جسد مييل كاد يُقذف بعيدًا.

تمسكت بردائها وحاولت أن تثبّت جسدها، لكن العاصفة المقدسة كانت أقوى منها.

فقدت توازنها، وإن استمر الأمر، ستسقط من سقف القاعة.

مدّت يدها بسرعة للإمساك بالدعامة… وفي تلك اللحظة:

“أوه؟”

*

قعقعة!

صوت غريب مزّق سكون المكان. وفي اللحظة نفسها، اتسعت عينا جايد دهشةً.

القوة المقدسة التي كانت تندفع نحوه، توقفت فجأة.

ثم انحرفت بأكملها نحو فتاة ظهرت من العدم، لتخترقها دون رحمة.

سقطت الفتاة أرضًا، بعدما تلقت الضربة كاملة. جسدها الهزيل انهار كليًا.

“مييل…؟”

لم يستطع جايد أن يخفي ارتباكه أمام هذا المشهد المفاجئ.

قبل لحظات من موته، ظهرت تلك التلميذة التي طالما احتقرها، وتلقّت الضربة بدلاً منه.

ومعها، اختفى كل أثر للقوة المقدسة.

شعرها الفضي، الذي لطالما تمايل بخفة، احترق. وعيناها اللتان كانت تنظران إليه دومًا ببرود، فقدتا بريقهما.

جسدها الصغير احترق ببطء، بعدما اخترقته قوة تفوق قدرتها على التحمّل.

دون أن يشعر، مدّ جايد يده وأمسك بكف مييل.

كان لا يزال هناك دفء خافت في جسدها، لكن شعلة حياتها أوشكت على الانطفاء.

غمرت الأسئلة والذهول عقل جايد.

“لماذا؟

لماذا

فعلتِ

هذا؟

من

أجلي؟”

“آه…”

تنهد خافت خرج من بين شفتي مييل.

نظرت إليه وكأن في قلبها كلمات لم تستطع البوح بها.

كان جايد ينتظر ما ستقوله، لكن عينيها أُغلقتا، وانطفأت معها آخر ذرة من حياتها.

“أن يُضحّى أحد بحياته لأجل حثالة مثلك… يا لها من حياة ثمينة أُهدرت.”

جاء صوت ريهارت خلفه، قبل أن يفهم جايد ما حدث تمامًا.

نظر إليه ريهارت ببرود، ثم وجّه سيفه نحوه.

لكن حتى وهو على وشك الموت، لم يستطع جايد أن يبعد نظره عن مييل.

كلمة “تضحية” التي تفوّه بها ريهارت أربكته أكثر.

“مييل

ضحّت

لأجلي؟

هل

يعقل

أنها

من

أجلي

فعلاً؟”

“وداعًا.”

قبل أن يتممّ سؤاله، اخترق السيف المقدس جسده.

ألم حارق انطلق من بطنه، واخترق دماغه كموجة نارية لا ترحم.

سقط جايد أرضًا، ينزف بغزارة، ووعيه يتلاشى شيئًا فشيئًا.

ومع اقتراب النهاية، كانت يده لا تزال متمسكة بكف مييل.

وهكذا بدأ الزمن يعود إلى الوراء بالنسبة له.

لكن جايد لم يكن يعلم…

كان ما فكّر فيه مختلفًا تمامًا عن الحقيقة.

وقبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، فكّرت مييل:

'آه

لقد

كانت

مجرد

زلّة

قدم

'

ترجمة

:

سنو

واتباد

: @punnychanehe

واتباد

الاحتياطي

: @puunychanehep

2025/06/08 · 236 مشاهدة · 1434 كلمة
punny
نادي الروايات - 2026