"تفضلوا كلو. لست واثقة إن كان سيلائم ذوقكم، لكن جربوه."
قالت لورا وهي تقدم لهم شوكًا خشبية.
بدأت مييل بالأكل بشهية واضحة.
أما جايد وتوروي، فقد ترددا في التذوق.
"كما توقعت... الإلف نباتيون تمامًا."
"إذًا، لا يوجد لحم."
تمتم الاثنان فيما بينهما، لكن أذنا لورا الطويلتان التقطتا كلماتهما بوضوح.
"الإلف لا يأكلون اللحم. يكفينا تناول النباتات لأننا نستمد منها الطاقة السحرية."
ما إن قالت ذلك، حتى انخفضت كتفا الرجلين قليلًا.
"طعمه لذيذ يا لورا."
رغم ذلك، كانت مييل تستمتع بوجبتها.
فالسلطة التي قدمتها لها كانت طازجة جدًا، والتتبيلة منعشة ومحببة.
وفوق ذلك، فقد انسجم طعم الخبز مع السلطة بشكل رائع.
"سعيدة لأنك تستمتعين بالطعام. فالوضع في قريتنا الآن يجعل من الصعب حتى الحصول على هذه الكمية من المؤن."
بكلمات لورا، أدرك جايد وتوروي أن الأمر ليس بسيطًا.
كيف يمكنهم العثور على طعام في غابة ملوثة بهذا الشكل؟
وهذا يعني أن لورا كانت تبذل جهدًا كبيرًا في الاهتمام بهم.
أكلت مييل ما يقارب ثلاثة أرغفة من الخبز.
كانت شهية جدًا حين تأكلها مع السلطة، حتى أنها لم تشعر بالشبع إلا متأخرًا.
وبعد أن امتلأت بطونهم قليلًا، سألت مييل لورا:
"لورا، هل تعرفين أين يوجد الكتاب؟"
فهو الآن أكثر ما يشغل بالهم.
"آه، في الواقع..."
ترددت لورا قليلًا قبل أن تتحدث أخيرًا.
"الكتاب موجود في نبع الحياة. لقد خُتم هناك بالسحر منذ زمن بعيد."
اتسعت عينا مييل بدهشة عند سماع ذلك. فالنبع ملوث حاليًا...
"لكنه من ممتلكات كاريلادين، لذلك لا أظن أن التلوث قد طال الكتاب."
وهنا تذكّرت مييل شيئًا.
حين دخلت القرية، شعرت بوضوح بطاقة والدها... لكن ما إن اقتربت من نبع الحياة حتى اختفى ذلك الإحساس.
لا بد أن التلوث بفعل طاقة الظلام هو ما حجب تلك الطاقة.
"ثم إن الكتاب محفوظ في عمق النبع."
قالت لورا، فأومأت مييل برأسها.
رغم أنها لا تعرف مدى عمق النبع، فإن وجود الكتاب في الأعماق قد يكون أقرب إلى القرية من أي مكان آخر.
الآن فهمت.
تمتمت مييل تنهيدة خفيفة.
"لكن نبع الحياة ملوث حاليًا..."
قالت ذلك بصوت خافت، فأومأت لورا ببطء.
"صحيح... ولهذا السبب لا يمكننا إخراج كتاب كاريلادين منها الآن."
كان هذا الخبر كالصاعقة.
'لاستخراج الكتاب، لا بد أن يدخل أحدهم إلى عمق النبع. ولا أحد سوى الإلف قادر على ذلك، فالبشر لا يمكنهم حبس أنفاسهم طويلًا في الماء مثلنا... ثم هناك شيء أهم...'
ما هو أهم من كل شيء كان التلوث... التلوث الناجم عن طاقة الظلام.
'في حالتها الحالية، فإن نبع الحياة ابتلعتها طاقة الظلام بالكامل. لا الجنيّ ولا الإنسان يمكنه دخولها. من يقترب منها سيُبتلع بالسواد ويموت ببطء.'
أغلقت مييل فمها بصمت.
"أنا آسفة يا مييل. سأفكر في حل بأسرع وقت، لكن الآن... الأمر صعب للغاية."
أومأت مييل ببطء.
"لا بأس. شكرًا لكِ. ولا داعي لأن تعتذري. فهذا وضع خارج عن إرادتنا..."
"أنا ممتنة لتفهمك."
وبعد أن انتهى الحديث، بدأت لورا بجمع الأطباق.
عندها، تحدث جايد.
"أظن أن أنجع حل هو تطهير نبع الحياة. بل بالأحرى، تطهير شجرة العالم نفسها..."
لكن جايد لم يكن يعرف كيف يمكن فعل ذلك بعد.
"القوة الأنجع لتطهير طاقة الظلام هي الطاقة المقدسة."
قال ذلك، فأومأ توروي بالموافقة.
"صحيح. في الإمبراطورية هناك من يملكون الطاقة المقدسة... لكن..."
المشكلة أنهم لا يستطيعون استدعاء أولئك الأشخاص إلى غابة الإلف، كما لا يمكنهم إشراكهم في هذه المهمة السرية.
"يعني أن علينا تطهير طاقة الظلام... من دون استخدام طاقة مقدسة؟"
سألت مييل وهي تنظر إليهما، فأومآ برأسيهما في وقت واحد.
قال جايد:
"أجل. لكن المشكلة... هل هذا ممكن أصلًا؟ حتى سحر التطهير الذي أجيده لم يفلح."
فبينما الطاقة السحرية والطاقة المقدسة متشابهتان، إلا أن بينهما فروقًا جوهرية.
وبينما كانت لورا تنهي ترتيب الأشياء، اقتربت من الثلاثة وقالت:
"لا بد أنكم مرهقون. سأجهز لكم أماكن للراحة، تعالوا معي."
وبما أن الوقت كان قد تأخر والليل قد حلّ، قرروا اتباع نصيحتها.
"سأعطي مييل أفضل غرفة بعد غرفتي. فهي ابنة كاريلادين."
قالت لورا وهي تغمز لها، ثم أضافت:
"وهناك الغرفة المقابلة لها، ستكون لسيد البرج، والغرفة الأخرى لولي العهد."
توجه كل منهم إلى غرفته حسب توجيه لورا.
أما غرفة مييل، فقد كانت مريحة حقًا.
كان بها سرير بحجم مناسب، وحمام صغير أيضًا.
دخلت مييل الغرفة برفقة كوسيليكو.
"كان يومًا مرهقًا، أليس كذلك؟"
"هآآآم... لقد بدأت أشعر بالنعاس فعلًا..."
ردّ كوسيليكو بصوت ناعس، ثم طار مباشرة إلى السرير، حيث جلس ينعس فوقه على شكل طائر صغير.
حين رأت ذلك، ذهبت مييل لتغتسل وحدها.
'يجب أن نطهّر نبع الحياة... وشجرة العالم أيضًا...'
خرجت وهي لا تزال تفكر ثم استلقت على السرير غارقة في التفكير مجددًا.
بجانبها، كان كوسيليكو قد غطّ في نوم عميق، وصوت أنفاسه الهادئ يملأ الغرفة.
أغمضت مييل عينيها على ذلك الصوت.
بعد نحو ثلاث ساعات. مع بداية الفجر.
استيقظت مييل من نومها.
'يبدو أن لا خيار أمامي سوى ذلك...'
بعد نوم خفيف، جلست على سريرها ثم ارتدت عباءتها التي رافقتها طوال الرحلة.
"همم؟ مييل؟"
فتح كوسيليكو عينيه بتثاقل وهو يتثاءب، وقد تنبه لحركات مييل.
"إلى أين تذهبين؟"
فرد جناحيه الصغيرين ورفرف بخفة حتى اصبح على كتف مييل الأيسر.
"هشش... بهدوء. إن كنت ستأتي معي، فعليك ألا تُصدر أي صوت يا كوكو."
"هم؟ ولماذا؟"
ردّت مييل بإشارة صامتة، واضعة إصبعها على شفتيها، فأومأ كوسيليكو برأسه وفرد جناحيه تقليدًا لمييل.
"هشش."
ثم فتحت مييل باب الغرفة بحذر وخرجت منه، تسير بخفة دون أن تُحدث ضجيجًا.
كانت تلتفت من حين لآخر لتتأكد من أن لا أحد يراها، وخرجت من منزل لورا دون أن ينتبه جايد أو توروي.
ومع تقدمها داخل القرية، ظلت تتحرك بهدوء، متحسبةً لاحتمال أن يصادفها أحد الإلف ممن قد يكونوا مستيقظين.
لكن لحسن الحظ، كان معظمهم نائمين في تلك الساعة المتأخرة من الليل.
وما إن ابتعدت قليلًا عن التجمع السكني، حتى لم يستطع كوسيليكو كبح فضوله أكثر وسأل:
"مييل، إلى أين بالضبط تنوين الذهاب؟"
"إلى حيث كنا سابقًا."
"سابقًا؟ لا تقصدين... نبع الحياة؟!"
"لا. أعمق من ذلك."
سارت مييل بحذر، متجنبة ملامسة النباتات الملوثة، حتى وصلت إلى نبع الحياة، لكنها لم تتوقف هناك، بل أكملت طريقها نحو الأعماق.
"آه... إذًا أنتِ متجهة إلى شجرة العالم."
"صحيح."
"لكن... لماذا؟"
"لأنني أعتقد... ربما أستطيع فعل شيء."
أجابت بهدوء، ولم تمضِ لحظات حتى وصلت أمام الشجرة العملاقة.
رفعت بصرها لتحدّق بـشجرة العالم، تلك التي بدت حزينة تحت ضوء القمر الخافت.
كانت الشجرة لا تزال ملوثة، بل وكان الظلام يعانق جذعها بوضوح.
"مييل... ما الذي تنوين فعله؟"
سأل كوسيليكو بصوت يملؤه القلق، لأول مرة.
لكن مييل لم تجب، واكتفت بابتسامة مطمئنة.
ثم بدأت تقترب من الشجرة أكثر فأكثر.
كانت بعض جذورها الضخمة ظاهرة على سطح الأرض.
رفعت يدها ببطء وبدأت تلمس إحدى تلك الجذور.
"مييل! ما الذي تفعلينه؟! هذا خطير!"
صاح كوسيليكو بفزع، لكن ما من شيء يمكن لطائر صغير أن يفعله.
"لا تقلق... أظن أنني سأكون بخير."
قالت مييل بابتسامة خافتة، ثم وضعت يدها مباشرة على الجذر.
تششش—
أغمضت عينيها، وبدأت تستخدم قواها السحرية.
"مييل!"
صرخ كوسيليكو مجددًا، وقد رأت دخانًا أبيض خفيفًا يتصاعد من يد مييل.
لكن سرعان ما تلاشى ذلك الدخان... بل لم يكن الدخان وحده هو ما اختفى.
"هذه الطاقة..."
صُعق كوسيليكو مما رآه أمامه.
فالجذر الذي كان قبل لحظات مظلمًا تمامًا، بدأ يعود إلى لونه الطبيعي تدريجيًا.
"آه..."
تنهدت مييل بهدوء وهي تواصل توجيه طاقتها.
كانت تمتص طاقة الظلام المتغلغلة في الشجرة.
لكن لم يكن الأمر مجرد امتصاص بسيط.
فجسد مييل كان يحوّل طاقة الظلام إلى طاقة سحرية داخلها، ثم يستخدمها مجددًا لتقوية قدرتها على التطهير.
وهكذا، ازدادت شدة سحبها لطاقة الظلام أكثر فأكثر...
____________
ترجمة : سنو
فتحت جروب تيليجرام يضم هذه الرواية PDF وأقسام طلبات لرواياتي ومستقبلاً نسوي فعاليات وهيك قسم للسواليف عن الروايات ويمديكم ماتسولفون وبس تقرأون ♥️.
بس اكتبو في سيرش التيليجرام : snowestellee
او هذا اللينك : https://t.me/snowestellee
واتباد : punnychanehe
واتباد احتياطي : punnychanehep