في شمال إمبراطورية هاغوران، وتحديدًا في قرية صغيرة تُدعى مارون، توقفت عربة تحمل ختم برج السحرة عند أطراف غابة موحشة يتجنبها حتى السكان القريبون.
"هيه! هذا لي!"
"لا ليس كذلك! إنه لي! ابتعدي!"
"لولو و لالا. لا تتشاجرا. ها هو رداء لولو يا صغيرتي."
ضجّت العربة فجأة بضوضاء عالية.
كانت أصواتًا طفولية تتجادل بحماس، لكنها ما لبثت أن خمدت أمام صوت رجل بالغ.
وما إن هدأ الضجيج حتى فُتح باب العربة.
"واو! يا لها من غابة جميلة!"
"إنها ساحرة للغاية!"
خرج الطفلان من العربة بحماس، يكادان يطيحان بالباب من شدة اندفاعهما.
كانا توأمين يبلغان من العمر عشر سنوات تقريبًا، يبدوان متطابقين في الملامح بشكل يثير الدهشة. شعرهما بلون أشقر الفاتح كالعاج، وعيناهما بلون بني دافئ. ورغم أن طول شعرهما مختلف، إلا أن ملامحهما وهيئتهما الجسدية جعلت التفرقة بينهما شبه مستحيلة.
كان التوأمان، الفتاة 'لولو' والصبي 'لالا'، أصغر ساحرين في برج السحرة.
وبينما يصعب التمييز بينهما للوهلة الأولى، كان الفرق الوحيد في تسريحتَي شعرهما: لولو كانت تقص شعرها حتى أطراف أذنيها، أما لالا فقد كان يربط شعره الطويل الممتد حتى عظمة الترقوة إلى جديلتين.
قفزا من العربة بخفة، وابتسم كل منهما كأشعة الشمس، مأخوذَين بسحر الغابة.
فبالنسبة لهما، كانت هذه الغابة الريفية الجديدة مكانًا رائعًا لم يسبق لهما مثيل.
صحيح أن سكان المنطقة يخشون هذه الغابة بسبب طاقتها المظلمة، لكن التوأمين لم يشعرا بأي خوف.
كانت الأشجار كثيفة إلى درجة تحجب ضوء الشمس، وأصوات العصافير تتناثر بين حين وآخر، وأحيانًا كانت صرخات الوحوش تسمع من بعيد.
ومع ذلك، بقيت ملامح البراءة مرسومة على وجهي الطفلين.
"لولو، لالا! قلت لكما ألا تخرجا أولًا!"
ثم فُتح باب العربة من جديد، وخرج منه شاب في أوائل العشرينات.
أسرع نحو الطفلين واحتضنهما دفعة واحدة، مانعًا إياهما من الحركة، فما كان منهما إلا أن أخذا يتخبطان ويحاولان الإفلات.
"أوف! دعني، يا جيك!"
"أُنزلني! سأقفز بنفسي!"
"آه، بحق خالق السماء! ألم أقل لكما إن النزول أولًا خطر؟! ماذا لو كان هناك وحش بالجوار؟ كان من الممكن أن تتعرضا لخطر حقيقي!"
زمّ جيك الذي احتضنهما، حاجبيه وهو يوبّخهما بقلق، فما كان من الطفلين إلا أن انكمشا خجلًا.
"جيك، ألا تظن أنك تبالغ؟"
وبمجرد أن سمع التوأمان صوت المرأة من داخل العربة، تهللت وجهيهما من جديد.
انسلّا من بين ذراعي جيك وقفزا إلى الأرض، ثم ركضا نحو المرأة التي خرجت أخيرًا من العربة.
"مييل!"
"ميييل!"
تعلّق كل منهما بساقٍ من ساقيها، ثم احتميا خلفها، محاولَين إخفاء نفسيهما عن نظر جيك.
ابتسمت مييل وهي تنظر إلى الطفلين. تصرفاتهما كانت في غاية الظرف والبراءة.
تنهد جيك بخفة، ومرّر يده على شعره وهو يتنحى جانبًا.
"أنا لا أبالغ، كل ما في الأمر أنني قلق عليهما."
"لكننا لا نزال قرب العربة، أليس كذلك؟ وهي محمية بسحر الحاجز من برج السحرة، فلا خطر فعلي هنا."
"أعلم. كنت فقط أتوخى الحذر، خشيت أن يبتعدا عنها."
"هيا يا جيك. لولو ولالا أذكياء. لقد قضيا شهرين كاملين في التعلّم والمراقبة. لن يفعلا شيئًا متهورًا، أليس كذلك؟"
سألت مييل بنبرة مطمئنة، فهز الطفلان رأسيهما بعنف مؤكدَين كلامها.
ويبدو أن أسلوب اللين أنجح من القسوة، فقد اضطر جيك في النهاية للاستسلام.
ووعد الطفلان بألا يبتعدا أكثر من ثلاثة أمتار عن مييل وجيك.
راح لولو ولالا يجريان أمامهما، يتأملان النباتات الغريبة بدهشة وفضول.
"ألا تظن أنك تبالغ في حمايتهما يا جيك؟"
"أبالغ؟ هل هذا ما ترينه؟"
"نعم. راقبتك على مدى الشهرين الماضيين، وقد تأكدت من أنك تبالغ فعلًا. لا تنسَ أنهما ساحران أيضًا."
"أعرف... أعرف ذلك، لكن مع ذلك..."
كانا جيك ومييل قد غادرا برج السحرة منذ شهرين في مهمة، برفقة التوأمين لولو ولالا، تنفيذًا لطلبٍ وُجه إلى البرج.
ورغم أن المهمة لم تكن شديدة الخطورة، إلا أنها تطلّبت التنقل بين مناطق متفرقة من الإمبراطورية، مما جعلها مرهقة بعض الشيء.
ومع هذا، رافقت مييل الفريق لسببين اثنين: أولًا، لأن التجول في أنحاء الإمبراطورية كان ممتعًا، وثانيًا، لأن التوأمين أضفيا على الرحلة بهجة خاصة.
كان جيك قد جلب لولو ولالا قبل نصف عام إلى البرج. قد كانا طفلين يتيمين نجوا من الحرب.
لقد تمكّنا من النجاة بفضل ما امتلكاه من قوة سحرية، لكن قوتهما كانت محدودة، وكادا أن يلقيا حتفهما لولا أن جيك أنقذهما وجلبهما إلى البرج.
"لقد تم قبولهما في البرج بإقرار من سيد البرج شخصيًا، وهذا يعني أن لديهما ما يكفي من الموهبة."
"صحيح. ومع ذلك، ما زالا طفلين، ويبدو أنك لا تستطيع التوقف عن القلق عليهما."
"لا تقلقي، فهذان الطفلان... أقوى مني على الأرجح."
ضحكت مييل ضحكة مريرة، وفجأة فهمت سبب نفور معلمها منها.
ربما السبب في ذلك هو أنها لم تنل اعترافه.
كان دخول الساحر إلى برج السحر يستوجب موافقة سيد البرج، غير أن مييل كانت استثناءً.
فوالدها، الحكيم العظيم، هو من طلب من سيد البرج قبولها بنفسه.
بل إن قدراتها لم تكن تفوق قدرات لولو ولالا بشيء.
رغم أنها تعلّمت أنواعًا عدة من السحر، إلا أنها لم تبدع في أي منها.
لذا، لم يكن غريبًا أن سيد البرج لم يُبْدِ لها أي اهتمام.
كانت قد شعرت بذلك بشكل غير مباشر طوال العامين اللذين قضتهما في البرج، لكن حين أدركته الآن بوضوح، شعرت بانقباض في صدرها.
'إذًا لهذا السبب لم يعلّمني شيئًا من السحر. ربما كان يظن أني لن أُجيد استخدامه حتى لو حاولتُ تعلّمه من البداية.'
أدركت مييل، متأخرة، أنها لم تكن تملك حدسًا قويًا.
كيف لم تنتبه إلى أنه لا يحبها طوال عامين؟
ربما لأن العمل شغلها وأبعدها عن ملاحظته.
فهي لم تكن تقضي وقتًا طويلًا معه على كل حال.
وما زاد الطين بلّة، أن باقي السحرة كانوا يتذرّعون بأنه يحمّلها المهام بدافع الاهتمام،
ويقولون إن التعلم بالمشاهدة والممارسة هو الأسرع.
لكنهم كانوا مخطئين.
مييل كانت تعلم تمامًا أنه لم يكن يحبها، وأن ما فعله لم يكن بدافع العناية.
كان جايد كذلك منذ البداية، رجلًا باردًا جافًّا. لكنّ جفاءه معها كان أشدّ من سواه.
لم يُخفِ نظرات الاستياء، ولم يُحاول حتى أن يتبادل معها حديثًا خارج حدود العمل.
'ثم حتى لو عرفتُ السبب باكرًا، ما كنتُ لأرغب في التعلّم من شخص مثله.'
فمهما بلغ من قوة، فإنها لم تكن ترغب في أن تتلقى العلم من شخص سيّئ الخلق.
عدا عن ذلك، كانت تنوي مغادرة البرج بعد بضعة أشهر.
وقد أنهت أساسيات تدريبها السحري على يد شولاين، لذا لم يكن هناك أي داعٍ لتتوسّل الآن إلى معلم لا يكنّ لها أي ودّ.
'كل ما بقي الآن هو إنهاء المهام المُوكلة إليّ.'
مدّت مييل يدها، مركزّة المانا خاصتها فيها.
شعور السائل اللزج الذي لامس كفّها كان مزعجًا، لكنها أتمّت عملها دون تردد.
وما إن لامست يدها النبات الآكل للحوم "كارْتا"، حتى أصدر صوتًا أشبه بتسريب الهواء، وبدأ في الذبول والانكماش.
النبتة التي كانت بحجم ثلاثة أمتار، ذات الشكل الشبيه بالمظلّة، تحولت خلال ثوانٍ إلى ما يُشبه حجم لولو ولالا.
وبمجرد أن تقلّص حجمها، تدفّقت منها مادة لزجة ذات رائحة كريهة منتنة.
جمعت مييل السائل بسرعة، وختمت عليه مع بقايا النبتة داخل كيس جلدي.
"رائع."
علّق جيك بإعجاب. لم يكن هناك ما يُنتقد في عملها.
كان قد أنهى مهمة أخرى مع لولو ولالا تتعلق بـ "تنقية طاقة الغابة"، ثم عاد مباشرة إلى مييل.
مهمته كانت بسيطة نسبيًا، لا تتعدى القضاء على بعض الوحوش.
أما هي، فكانت مضطرة إلى التعامل مع نبتة آكلة للحوم، ولذلك كان قلقًا من أن تواجه صعوبات.
لكن القلق كان بلا داعٍ.
فبعد شهرين من العمل معًا، بات يعلم أن لدى مييل قدرة خاصة.
رغم أنها لم تكن تفضّل التحدث عنها، لكنه استطاع استنتاج طريقة تعاملها مع كارتا من آثار المانا المحيطة.
فقد استخدمت سحر التقييد الأساسي لتثبت حركة النبتة، ثم تخلّصت من السموم المنبعثة من تنفّسها، وأخيرًا امتصّت طاقتها الحيوية.
نبتة كارتا عادة لا تتأثر بمثل هذا النوع البسيط من السحر، نظرًا لطبيعتها العنيفة،
لكن يبدو أن مهارة مييل العالية مكنتها من السيطرة عليها باستخدام كمية قليلة من القوة السحرية.
وفوق ذلك، كانت تملك قوة خاصة تُدهش جيك كل مرة يراها وهي "سحر الامتصاص".
رغم أنه لا يعرف آليته بدقة، إلا أن مييل كانت قادرة على امتصاص شيء ما من الكائنات الحية، بل وحتى طاقتها الحيوية.
"انتهيتِ؟"
سألها جيك بينما كانت تقترب منه بعد أن أنهت الترتيبات الأخيرة.
وبهدوء، ناولته الكيس الذي يضم بقايا كارتا، دون أن يظهر عليها أي انفعال.
ثم أمسكت بيدي لولو ولالا واتجهت نحو العربة، ولحق بها جيك بخطوات بطيئة، متأملًا ظهورهم الثلاثة.
'من قال إن لولو ولالا أقوى منها؟'
كان من الواضح أن مييل ترى نفسها ضعيفة.
لكن جيك لم يشاركها هذا الرأي أبدًا.
لقد قابل العديد من السحرة، لكنه لم يرَ أحدًا يملك قواها الفريدة.
قوة لا نظير لها، بل وكانت قوية جدًا.
ربما كانت الأقوى في البرج بعد سيده.
'لعل هذا هو السبب في أن سيد البرج يكلّفها بالكثير من المهام.'
ابتسم جيك برضًا وهو يتجه إلى العربة... غير مدرك أنه كان مخطئًا كل الوقت.
ترجمة : سـنو
واتباد :
@punnychanehe
واتباد الاحتياطي:
punnychanehep