واصل جايد الحديث وهو يربّت على ذقنه بلطف وقد ارتسمت على وجهه ملامح الجدية.
نظر من نافذة العربة، ثم استأنف حديثه ببطء.
أما مييل، التي شعرت بثقل كلماته، فقد ابتلعت ريقها لا إراديًا وتشنّجت.
"الوحوش... هي نتاج السحر الأسود."
"قبل زمن طويل، وُجد ساحر ظلام يُدعى ديريك."
"ديريك..."
همست مييل بالاسم، وعندها عقد كوسيليكو حاجبيه الصغيرين وهو يصغي بهدوء بجانبها.
"ذاك الديريك... كان تلميذ الحكيم العظيم."
اتسعت عينا مييل من الصدمة حين سمعت كلمات جايد التالية.
تلميذ والدها؟
"حقًا؟"
سألت بدهشة، فأومأ جايد برأسه ببطء وهو يدفع خصلات شعره إلى الخلف ويتابع:
"لا أحد يعرف بالضبط لماذا انحرف نحو السحر الأسود. لقد كان ذلك منذ زمن بعيد. كل ما نعلمه أن الوحوش بدأت بالظهور بسببه."
أن يكون ساحر ظلام واحد قد تسبّب في ظهور كل هذه الوحوش... كان أمراً يصعب على مييل تصديقه.
"هل أنشأ كل هذه الوحوش بنفسه؟"
سألت محاولة تهدئة أفكارها المضطربة، لكن جايد هزّ رأسه نافيًا.
"ليس تمامًا. ديريك مات منذ زمن. لكنه كان بمثابة البداية... لأصل الوحوش."
"...إذًا، لماذا ما زالت الوحوش تظهر رغم موته؟"
"لأن بقايا سحره الأسود الشرير لا تزال عالقة. لقد انتشر كثيرًا لدرجة يستحيل محوه كليًا. وحتى حين كان حيًّا، لم يتمكن من القضاء عليه بالكامل."
غرقت مييل في التفكير وهي تصغي.
'لماذا لم يمنع والدي ديريك؟'
إنه والدها لياد كاريلادين، ما كان ليدع تلميذه يضلّ هكذا دون أن يتدخل.
'لكن... لماذا؟'
ارتبكت مشاعرها.
لطالما ظنّت أنها تعرف والدها جيدًا، لكن مؤخرًا بدأت تشعر بالعكس.
"مييل."
وكأنه قرأ ما في قلبها، طار كوسيليكو من كتفها وجثم على ركبتها اينظر إليها من أسفل.
"ما الذي يشغلكِ هكذا؟"
"كوكو... كلما عرفت أكثر عن والدي، زاد شعوري بأنه ليس الشخص الذي ظننته."
راحت مييل تربّت على ريش كوسيليكو الناعم برفق.
بينما تابع جديد المشهد من مقعده بصمت.
مدّ كوسيليكو جناحه الصغير فوق يد مييل وتحدث بنعومة:
"هذا شعور طبيعي. لكن يا مييل، هناك أمر واحد أنا واثق منه."
ربّتت كوسيليكو على يد مييل بجناحه الصغير وتكلم بنبرة حازمة:
"الحكيم العظيم يحبك بصدق. أنتِ عزيزة عليه جدًا."
مع كلماته، هدأ التوتر الذي ارتسم على وجه مييل، وابتسمت بخفة ثم ربّتت على كوسيليكو مجددًا.
"شكرًا لك يا كوكو."
"بالطبع. فلا تظهري هذا الحزن. أنتِ في النهاية ابنة الحكيم العظيم."
ثم نقرَ كوسيليكو يد مييل بمنقاره مداعبة، لكن قلبها كان مثقلاً.
'نعم يا مييل. لياد يحبك حقًا. ولهذا السبب فعل كل ذلك...'
عادت إلى ذاكرته صورة لياد كاريلادين من الماضي...في لحظةٍ ما، غرق في الجنون، مأخوذًا بهوسٍ قاتل لا فكاك منه.
"لن أسمح أن تكون هذه هي النهاية." (حديث كاريلادين)
لقد غرق في الجنون ذات يوم.
حينها خسر كل شيء، وفي يأسه لاستعادة ما فقد، راهن حتى على روحه.
'ماذا سيكون شعور مييل إذا عرفت الحقيقة كاملة؟'
نظر كوسيليكو إلى مييل بصمت، ثم هزّ رأسه.
'ربما... ربما لن يهمّها. هذه الطفلة تحب والدها كثيرًا.'
رغم أنهما لم يقضيا سويًا سنوات طويلة، إلا أن كوسيليكو كان يعرف قلب مييل جيدًا.
'حتى إن صدمها اكتشاف حقيقة والدها... فمييل لا تزال تثق به. وربما، لن يتغيّر ذلك.'
اقتربت العربة من الحدود الشمالية، بينما كان جايد يحدق من النافذة بصمت، ثم التفت إلى مييل.
"مييل."
ناداها بهدوء، وكانت وقتها نصف نائمة.
رفّت أهدابها الطويلة، وفتحت عينيها الذهبيتين ببطء.
لم يستطع جايد منع ابتسامته من الظهور وهو يرى تعبيرها المتنعّس.
"لا بد أنكِ مرهقة جدًا. لكننا سنصل إلى الحدود الشمالية قريبًا."
"نعم...معلمي."
اعتدلت مييل في جلستها وفركت عينيها.
تابع جايد حديثه بهدوء وهو يراقبها تتثاءب:
"ما سأفعله عند الحدود هو إنشاء حاجز واقٍ."
"حاجز؟"
"نعم. إنه أكثر وسيلة فعّالة للتصدي للهجمات الواسعة النطاق."
كان صوته جادًا.
"الإمبراطورية محصنة بجدرانٍ متينة على جميع حدودها، والمفتاح هو الحفاظ على صمود تلك الجدران. الجنود منتشرون للدفاع، لكن يصعب عليهم الجمع بين الهجوم والدفاع في آنٍ واحد."
مرّر يده بين شعره وتابع:
"حتى الآن، الجنود كانوا يتولون الهجوم والدفاع معًا. لكن الوضع الحالي طارئ. مجرد التصدي للوحوش سيستنزف كل الجهود."
"فهمت."
"بالضبط. لذا سأقوم بإلقاء حاجز حول الجدار، حاجز يمكنه الدفاع والهجوم معًا. وإن لزم الأمر، سأتصدى للوحوش بنفسي."
"حاجز مزدوج الوظيفة؟ يدافع ويهاجم؟"
نظرت مييل إليه بتعجّب، فأومأ ببطء.
"نعم. الهدف الأساسي هو الحماية، لكن من الأفضل أن تتوفّر خصائص إضافية."
"لكن تغطية الجدار بالكامل بحاجز كهذا..."
استهلاك المانا سيكون مهولًا.
ولهذا السبب وُزّع أربعة سحرة على الأقل في كل الحدود باستثناء الشمال.
ضحك جايد ضحكة خفيفة، ثم تبدلت ملامحه إلى الحزم.
"حتى مع تعويذة الحكيم العظيم التي وُضعت عليّ، ما زلتُ ساحرًا عظيما."
ضحك مجددًا وقال:
"أقلقة على معلمكِ؟"
"...وكأنك لا تعرف."
تمتمت مييل بصوت خافت، وابتسم جايد ابتسامة أعمق.
"لا تقلقي. إلقاء حاجز كهذا لن يقتلني. أنا أمتلك مانا أكثر بكثير من الساحر العادي."
وكانت مييل تعرف ذلك جيدًا.
فالساحر العظيم لا يعاني من نقص المانا، كما أنها تدرك أن والدها وضع تعويذة على جايد.
'والآن بعد أن عرفت بعضًا من ماضي والدي... أشعر أن عليّ الاعتذار...'
وكأن جايد قرأ أفكارها، ردّ عليها:
"لا حاجة لأن تعتذري لي. ما هذا إلا أحد مقالب الحكيم العظيم."
عدل من ياقة ملابسه وسوّى شعره.
"لكن... أعتقد أن لديه شيئًا يودّ قوله لي."
تذكّر جايد ما ورد في رسالة الحكيم العظيم.
ومنها، بات متأكدًا....
'الحكيم العظيم يعلم بأمر عودتي في الزمن.'
وربما... ربما كل شيء بدأ من هناك.
"على أي حال يا مييل. هناك أمر واحد أود توضيحه."
أغلق جايد أفكاره وحدّق إليها مباشرة.
"عندما نصل إلى الحدود الشمالية، لن تحتاجي إلى استخدام قوتك. وعلى الأغلب، لن تضطري إلى ذلك أصلاً."
نظر إليها بعينين جادتين، فاتسعت عيناها قليلاً مما زاد من براءتها.
"بالطبع، إن ظهرت وحوش فجأة وهددت حياتك، يمكنكِ استخدام قوتكِ. لكني لا أظن أن الأمر سيصل إلى ذلك."
لينت ملامحه وابتسم ابتسامة هادئة.
"لأني سأحميكِ."
____________
ترجمة : سنو
فتحت جروب تيليجرام يضم هذه الرواية PDF وأقسام طلبات لرواياتي ومستقبلاً نسوي فعاليات وهيك قسم للسواليف عن الروايات ويمديكم ماتسولفون وبس تقرأون ♥️.
بس اكتبو في سيرش التيليجرام : snowestellee
او هذا اللينك : https://t.me/snowestellee
واتباد : punnychanehe
واتباد احتياطي : punnychanehep