في صباح يوم عادي لم يجد بابلو توم في زاويته المعتادة.
الكوبان في يده، قهوة لم يطلبها أحد بعد.
وضع كوب توم على حافة مكتبه الصغير وشرب كوبه هو ببطء.
نظر للمصنع من حوله.
الحزام يدور، الفاكهة تمر، العمال يتحركون بنفس الإيقاع المعتاد.
بعد ربع ساعة رأى توم يخرج من الممر المؤدي لمكاتب الإدارة.
خطواته كانت مختلفة.
ليست أسرع ولا أبطأ، لكن فيها شيء.
ثقل مختلف.
لم يسأل بابلو.
أكمل عمله.
---
في نفس الوقت، قبل ربع ساعة.
طرق توم الباب.
"ادخل."
المكتب كان أكبر من الممر الذي يؤدي إليه.
طاولة واسعة من الخشب الثقيل، ورق مرتب بعناية، ونافذة تطل على ساحة المصنع من الأعلى.
خلف الطاولة جلس المدير.
رجل في الستينات، شعره رمادي مسرح بعناية، ملابسه أنيقة بمعايير ناراكا، وعيناه تلتقطان كل شيء في اللحظة التي يدخل فيها شخص.
نوع الرجل الذي بنى شيئاً من لا شيء ويعرف كيف يقيّم الناس قبل أن يتكلموا.
أشار للكرسي أمامه.
جلس توم.
أغلق المدير الأوراق أمامه وشبك يديه فوق الطاولة.
"توم، منصب مدير التصدير أصبح شاغلاً."
صمت توم.
لكن شيئاً تحرك خلف عيونه.
"سافر المدير السابق لجزيرة أخرى لأسباب عائلية ولن يعود." نظر إليه المدير مباشرة. "وأنت المرشح الأنسب لهذا المنصب."
أخرج توم نفساً هادئاً.
لكن يده على ركبته انشدت قليلاً ثم ارتخت.
إشارة صغيرة جداً.
فرح مكتوم من رجل تعلم ألا يُظهر مشاعره.
مدير التصدير.
كل شحنة تخرج من ناراكا تمر من خلاله.
كل صفقة، كل سفينة، كل حاوية.
والرشاوى التي تأتي مع هذا المنصب تساوي عشرة أضعاف أي راتب رسمي على الورق.
توم يعرف هذا.
والمدير يعرف أن توم يعرف.
وكلاهما لم يقل كلمة عن هذا.
"شكراً لثقتك."
"لكن." قال المدير وأصبح وجهه أكثر جدية. "منصبك هنا لا يمكن أن يبقى فارغاً. أحتاج شخصاً يشرف على الإنتاج الداخلي بنفس مستواك."
نظر إليه توم.
"عندي شخص."
"من؟"
"عامل عندي منذ ثلاثة أشهر ونصف."
رفع المدير حاجبه.
"ثلاثة أشهر ونصف فقط؟"
"نعم."
"هذا قليل جداً يا توم."
"أعرف." قال توم بهدوء. "لكن في ثلاثة أشهر ونصف رفع إنتاج الخط الثالث أربعة عشر ونصف بالمئة بفكرة واحدة بسيطة. ويدير الخطوط كاملة حين أغيب بدون أي مشاكل. وكشف لي عن عامل كان يسرق من المصنع كل ليلة."
صمت المدير.
"واسمه؟"
"بابلو."
"كم عمره؟"
توقف توم لثانية.
"أربعة عشر."
وضع المدير يده على الطاولة ببطء.
"أربعة عشر."
"نعم."
"تريدني أن أضع طفلاً في الرابعة عشر مشرفاً على إنتاج مصنعي."
"أريدك أن تقابله." قال توم بنفس الهدوء. "بعدها تقرر أنت."
نظر إليه المدير طويلاً.
ثم قال:
"أحضره."
---
في استراحة الغداء جلس توم بجانبه.
لم يفتح طعامه مباشرة.
نظر أمامه لثوانٍ والمصنع يعمل من خلفهما.
ثم قال بهدوء:
"استدعاني المدير صباحاً."
لم يرد بابلو.
انتظر.
"عرض عليّ منصب مدير التصدير."
التفت بابلو إليه ببطء.
"التصدير."
"نعم."
الكلمة قالت كل شيء.
مدير التصدير في جزيرة صناعية كناراكا يعني إشراف على كل شحنة تخرج من الجزيرة.كل صفقة، كل سفينة، كل حاوية.
والرشاوى التي تأتي مع هذا المنصب تساوي عشرة أضعاف أي راتب رسمي.
توم لم يقل هذا.
لكن شيئاً في زاوية عيونه قاله.
"مبروك."
نظر إليه توم.
"لكن المنصب يشترط أن أضع شخصاً يثق به المدير هنا في مكاني."
صمت بابلو.
"ذكرت اسمك."
----
الممر المؤدي لمكتب المدير كان هادئاً.
خطوات بابلو على الأرض الخشبية هي الصوت الوحيد.
توم يمشي بجانبه بخطوات ثابتة.
لم يشرح كثيراً حين استدعاه.
فقط قال:
"المدير يريد مقابلتك."
وهذا كان كافياً.
طرق توم الباب.
"ادخل."
---
نظر المدير لبابلو حين دخل.
نظرة طويلة من رأسه لقدميه.
طفل طويل نسبياً لكن نحيف، ملامحه حادة وعيناه سوداوان وهادئتان بشكل لا يناسب عمره.
جلس توم وأشار لبابلو بالجلوس بجانبه.
تكلم توم أولاً.
بهدوء وبدون مبالغة ذكر كل شيء.
فكرة الصناديق الزرقاء وكيف رفعت الإنتاج.
كيف يدير بابلو الخطوط حين يغيب توم.
قضية رافا وكيف اكتشفها.
المدير يسمع بعيون ثابتة.
لكن يده تحركت مرة على الطاولة.
علامة انتباه عنده.
حين انتهى توم نظر المدير لبابلو مباشرة.
"لماذا يجب أن أثق بطفل على إنتاج مصنعي؟"
نظر إليه بابلو بنفس الهدوء.
"لأن الأرقام لا تكذب. والأرقام ارتفعت منذ أن بدأت."
"أرقام يمكن أن ترتفع لأسباب أخرى."
"يمكن. لكن توم يعرف المصنع منذ سنوات وهو من يؤكد السبب."
نظر المدير لتوم.
توم أومأ برأسه ببطء وبثقة.
عاد المدير لبابلو.
"إذا عيّنتك مشرفاً وفشلت، هذا يعني أن حكم توم كان خاطئاً. وهذا يؤثر على ثقتي بتوم في منصبه الجديد."
"أفهم ذلك."
"وأنت مستعد لتحمل هذه المسؤولية؟"
"نعم."
نظر إليه المدير طويلاً.
الساعة على الجدار تدق.
الضجيج الخفيف من المصنع يصل للمكتب.
ثم قال:
"راتبك خمسة وسبعون ألفاً. تبدأ الأسبوع القادم."
قام توم وأومأ للمدير بشكر هادئ.
قام بابلو وأكمل.
---
في الممر خارج المكتب توقف توم ونظر لبابلو.
"لا تجعلني أندم."
"لن تندم."
أكمل توم سيره.
---
وقف بابلو وحده في الممر لثانية.
خمسة وسبعون ألفاً.
ثلاثة أشهر ونصف منذ أن وصل لناراكا.
شيء في صدره انفجر بهدوء.
ليس الهدوء المعتاد الذي يلبسه أمام الناس.
بل فرح حقيقي دافئ لم يشعر به منذ وقت طويل.
فرح الرجل الذي يرى نفسه يتسلق بسرعة لم يتوقعها حتى هو.
كان يعرف أن الترقي قادم لكن ليس بهذه السرعة.
ليس في ثلاثة أشهر ونصف.
ابتسم وحده في الممر الهادئ.
خمسة وسبعون ألفاً.
ثم مسح الابتسامة ببطء وأكمل سيره بوجهه المعتاد.
---
في اليوم الأول كمشرف دخل بابلو للمصنع بنفس الخطوات.
لكن شيئاً تغير.
حين مشى بين الخطوط نظر العمال إليه بطريقة مختلفة.
بعض الوجوه فيها احترام مؤدى، رؤوس تنخفض قليلاً حين يمر.
وبعضها فيها شيء آخر تحت السطح.
عمال يعملون في هذا المصنع منذ سنوات، بعضهم أكبر منه بعشرين سنة، ينظرون لطفل في الرابعة عشر يقف فوقهم في ثلاثة أشهر.
همهمات خافتة حين يبتعد.
"ثلاثة أشهر فقط."
"ماذا يعرف عن العمل الحقيقي؟"
"توم يحبه لأسباب لا نفهمها."
لكن لا أحد تكلم أمامه.
لا أحد واجهه.
لديهم عائلات وإيجارات وأفواه تحتاج طعاماً.
ليس وقت المغامرة.
---
في المساء حين جلسا يأكلان أخبر بابلو ماركو.
توقف ماركو عن الأكل ونظر إليه.
"مشرف."
"نعم."
"أنت."
"نعم."
"في ثلاثة أشهر."
"ثلاثة ونصف."
صمت ماركو لثانية طويلة ثم ضحك بصوت عالٍ ملأ الغرفة الصغيرة.
"أنت مجنون فعلاً."
ثم توقف وسأل:
"والراتب؟"
"خمسة وسبعون ألفاً."
انطفأت الضحكة.
نظر إليه ماركو بعيون لا تصدق.
"خمسة وسبعون."
"نعم."
"هذا ضعف راتبي تقريباً."
"أعرف."
نظر ماركو للسقف طويلاً.
ثم نظر لبابلو بعيون مختلفة قليلاً.
لا غيرة فيها بل شيء أقرب للإعجاب الحقيقي.
"كيف تفعل هذا؟"
لم يرد بابلو.
أكمل أكله.
---
في اليوم التالي قرر بابلو فعل شيء كان يريد فعله منذ مدة وهو اختبار قوة ماركو، من ماظهر له حتى الأن بابلو يملك موهبة قوية لكن يريد أن يرى كم هي قوية.
في الصباح الباكر قبل بدء العمل أخذ بابلو ماركو نحو أطراف الجزيرة حيث تقل الحركة. واخبره عن هدف اصطحابه معه.
أشار لشجرة متوسطة الحجم بجذع بسمك ذراع رجل.
"اضرب هذه الشجرة بقبضتك."
نظر إليه ماركو بعيون واسعة.
"ماذا؟"
"اضربها."
"لماذا؟"
"اضربها."
نظر ماركو للشجرة ثم لبابلو.
ثم رفع قبضته وضرب.
صوت طرق عادي.
الشجرة لم تتحرك.
يد ماركو احمرت قليلاً.
"مجدداً."
ضرب ماركو مجدداً.
"مجدداً."
في ضربتي ماركو، كانت ضرباته مترددة كأنه يخاف من الألم و غير واثق من نفسه لذلك كان يجب على بابلو التدخل.
نادى على ماركو واخبره "ماركو هل تثق بي؟"
" بالطبع أنت صديقي الوحيد اذ لم أثق بك فبمن سأثق."
"لذلك اذا اخبرتك انك قادر على تحطيم هذه الشجرة ان تخلصت من ترددك هل ستثق بي."
رسمت نظرة تردد في وجه ماركو لكنه لم يستطع أن يخبر بابلو عن تردده فطوال هذه الثلاث اشهر اصبح يثق ببابلو اكثر من أي شخص أخر.
رأى بابلو تردده الأخير وأنه يحتاج لدفعة اخرى فتدخل مرة أخرى.
" لا تقلق حتى لو كسرت يدك سأتكفل بعلاجك وستأخد راتبك كله كما هو، هل نسيت أنا المشرف الآن."
بتشجيعات بابلو الأخيرة تغيرت النظرة في عيني ماركو ونظر للشجرة.
تنفس بعمق كي يزيل اخر ذرة تردد منه ولكم الشجرة بكل قوة.
بوم.
انشقت الشجرة من المنتصف وانكسرت ببطء حتى سقطت على الأرض.
صمت ماركو.
نظر لكفه.
لا كسر، لا دم.
احمرار بسيط فقط.
نظر للشجرة الساقطة.
"كيف..."
لم يرد بابلو.
كان يحدق في الشجرة بعيون تحسب.
---
**الاختبار الثاني**
في اليوم التالي أخذه لضفة النهر خارج المنطقة الصناعية.
كانت هناك صخرة ضخمة بيضاء على حافة الماء.
أكبر من جسد ماركو بثلاث مرات.
أشار بابلو إليها بهدوء.
"ارفعها."
ضحك ماركو.
"أنت تمزح."
"ارفعها."
نظر ماركو للصخرة ثم لبابلو ثم للصخرة مجدداً.
ثم انحنى وأمسك بها من الأسفل.
شد.
لم تتحرك.
شد أقوى.
تحركت قليلاً.
وجه ماركو احمر من الجهد وعروق رقبته بدأت تظهر.
ثم بحركة واحدة بطيئة رفعها عن الأرض.
لم يرفعها عالياً.
لكنها ارتفعت.
ثقل الصخرة يساوي خمسة رجال على الأقل.
أسقطها ماركو وتنفس بعمق.
نظر لبابلو بعيون لا تفهم ما حدث.
"أنا..."
"أعرف." قال بابلو بهدوء.
---
**الاختبار الثالث**
في اليوم الثالث أخذه لشارع طويل مستقيم في أطراف الجزيرة.
"اركض بأقصى سرعتك من هنا لذلك العمود."
المسافة كانت طويلة.
ركض ماركو.
نظر إليه بابلو.
لم يكن سريعاً بشكل مبهر.
لكن حين وصل للعمود ورجع كان تنفسه أهدأ مما ينبغي لهذه المسافة.
"مجدداً."
ركض ماركو وعاد.
"مجدداً."
"مجدداً."
"مجدداً."
في المرة العاشرة بدأ ماركو يتعب فعلاً.
لكن عشر مرات بهذه المسافة.
وقف بابلو ونظر إليه.
ماركو يضع يديه على ركبتيه يتنفس.
---
جلسا على الأرض بعد الاختبارات الثلاثة.
نظر ماركو لكفيه.
"ما الذي يحدث؟"
لم يرد بابلو.
في هذا العالم هناك من يولد بمواهب جسدية تتجاوز البشر العاديين.
قوة فوق المعدل.
تحمل استثنائي.
ماركو لا يعرف ما يملكه.
لكن بابلو يعرف الآن.
ورقة أثمن بكثير مما توقع.
---
في الليل بعد العشاء جلسا بهدوء.
نظر بابلو لماركو.
"أريد أن أخبرك بشيء."
"تكلم."
"هذا العالم لا يرحم."
نظر إليه ماركو بهدوء.
"أعرف ذلك."
"لا تعرفه بما يكفي." قال بابلو. "أنت جئت من جزيرة صغيرة فيها أهل يحبونك وجيران يعرفونك. هذا جميل لكنه علّمك أن تتوقع الطيبة من الناس بشكل افتراضي."
نظر إليه ماركو لكنه لم يعترض.
"في ناراكا وفي كل مكان خارج تلك الجزيرة الصغيرة، معظم الناس يفكرون في مصلحتهم أولاً. ليسوا أشراراً بالضرورة. لكنهم لن يضحوا بشيء من أجلك إلا إذا كان في صالحهم."
صمت ماركو لحظة.
"وهذا يعني؟"
"يعني أن الإنسان الطيب بدون قوة في هذا العالم هو فريسة. الطيبة وحدها لا تحميك. المال يحميك. والقوة تحميك. والأشخاص الذين يثقون بك لأن مصالحكم مشتركة يحمونك."
نظر إليه ماركو بعيون تفكر بجدية.
"والصداقة؟ هل لا قيمة لها؟"
"الصداقة الحقيقية نادرة. معظم ما يسميه الناس صداقة هو مصلحة مشتركة ومشاعر. وهذا ليس سيئاً. المصلحة المشتركة تدوم أحياناً أطول من العواطف وحدها."
نظر ماركو للطاولة أمامه.
"وأنت وأنا؟"
"في البداية كنا مصلحة مشتركة. الآن أكثر من ذلك. أنت رفيقي."
صمت ماركو طويلاً.
ثم نظر لبابلو بعيون هادئة.
"أقدر الصدق."
"أعرف."
"وهذا العالم الذي تتكلم عنه، كيف نصبح فيه من لا يُفترس؟"
نظر إليه بابلو.
"بالتحضير. المال والقوة والأشخاص المناسبين. الثلاثة معاً."
أومأ ماركو ببطء.
شيء في عيونه بدأ يتغير.
ليس تغيراً كاملاً.
لا يزال فيه شيء من الدفء الذي جاء به من جزيرته الصغيرة.
لكن طبقة جديدة بدأت تتشكل فوقها.
طبقة تفهم.
---
في الليل خرج بابلو كعادته.
مشى في الأزقة الداخلية أولاً.
في الأسابيع الأخيرة بدأت صورة شبكة التهريب في ناراكا تتضح في رأسه.
ليست مخدرات فقط.
بضائع ممنوعة أو عالية الضرائب، وأسلحة بجميع انواعها.
شبكة منظمة لها رأس لا يظهر وأيدٍ كثيرة تتحرك في الظلام.
وبعض ضباط البحرية الذين يغمضون عيونهم مقابل مبالغ مناسبة.
وصل لحافة الجزيرة ووقف أمام البحر.
خمسة وسبعون ألفاً شهرياً.
ماركو يبدأ يفهم.
وشبكة التهريب لا تزال تنتظر.
لكن الدخول في شيء بدون فهم كامل هو أسرع طريقة للكارثة.
يحتاج وقتاً أكثر.
نظر للأفق.
أدار ظهره للبحر.
الخطوة التالية ستأتي في وقتها.