في الأيام التي تلت تعيين دانييل، تغير شيء في المصنع.

ليس في الآلات ولا في الخطوط.

في العيون.

العمال الذين كانوا يتجنبون نظرة بابلو بدأوا يبتسمون له حين يمر.

البعض بدأ يحييه أولاً.

آخرون يحضرون له قهوته قبل أن يطلبها.

ورجل اسمه لورينزو، عامل في الخط الثالث منذ سنوات، كان أكثرهم ذكاءً في التملق.

لم يمدح بابلو مباشرة.

ذلك كان غبياً.

لورينزو كان أذكى من هذا.

بدأ بتحسين عمله أولاً.

صار أسرع، أدق، لا يخطئ.

ثم بدأ يقدم اقتراحات صغيرة للخط الذي يعمل عليه.

اقتراحات منطقية ترفع الإنتاج قليلاً.

ثم حين تأكد أن بابلو لاحظه، جاء إلى مكتبه الصغير ذات مساء بعد انتهاء الوردية.

وقف عند الباب.

"هل لديك وقت؟"

رفع بابلو رأسه.

"تكلم."

دخل لورينزو وجلس بدون أن يُطلب منه.

كان في الأربعين من عمره، وجهه عادي لا يثير الانتباه، لكن عينيه كانتا تتحركان كثيراً.

تلتقط كل شيء.

"أعرف أنك لا تحب الكلام الكثير."

"صحيح."

"لذا سأختصر. أنا أعمل هنا منذ سبع سنوات. رأيت سبعة مشرفين قبلك. كلهم كانوا... عاديين. أنت مختلف."

لم يرد بابلو.

"أريد أن أكون مفيداً. ليس بالكلام. بالعمل. وإذا احتجت عيوناً في مكان ما..." توقف وابتسم قليلاً. "أنا أرى أشياء كثيرة."

نظر إليه بابلو.

هذا الرجل كان ذكياً. أذكى من دانييل حتى.

لكن الذكاء وحده ليس كافياً.

"سأتذكر ذلك."

أومأ لورينزو وقام وخرج.

لم يطلب شيئاً.

لم يحدد رغبته.

ترك بابلو يفكر.

هذا النوع من الناس هو الأكثر فائدة.

---

كان هدف بابلو التالي.

كريستو، مسؤول استقبال الفاكهة.

الرجل الذي تتحكم يداه بما يدخل المصنع.

منصب حساس جداً.

وكريستو لم يكن من أوراق بابلو.

هذا غير مقبول.

بدأ بابلو بالتآمر بهدوء.

لم يواجه كريستو مباشرة.

ذلك كان غبياً.

بدأ يلاحظ أن الفاكهة التي يستلمها كريستو أصبحت رديئة في بعض الأيام.

صناديق بها فاكهة فاسدة أكثر من المعتاد.

دوّن بابلو ملاحظاته.

في التقرير الأسبوعي للمدير، أشار إلى وجود "تناقضات" في جودة الفاكهة المستلمة.

لم يتهم كريستو مباشرة.

فقط أشار إلى أنه "قد يكون هناك خطأ في التقييم من جهة الاستلام".

المدير قرأ ووضع التقرير جانباً.

لكن بابلو لم يتوقف.

في اليوم التالي، بدأ يعدل الأشياء بنفسه.

بعض الفاكهة الجيدة التي يستلمها كريستو، كان بابلو يعيد تصنيفها كفاسدة قبل أن تصل للخطوط.

وبعض الفاكهة الفاسدة، كان يتركها تمر أحياناً ثم "يكتشفها" لاحقاً في منتصف الإنتاج.

التقارير بدأت تظهر أرقاماً غريبة.

خسائر في الاستقبال لم تكن موجودة من قبل.

بابلو كان يعبث بالميزان من تحت الطاولة.

وكريستو لا يزال يعمل بإيقاعه الهادئ.

لا يدري أن الشبكة تضيق حوله.

---

وفي خضم تأمره ضد كريستو كان بابلو قد أتقن لعبة الاختلاس.

الأسمين الوهميين ما زالت في سجلات الحضور.

لكنه لم يتوقف عند هذا.

الآن أصبح مسؤولاً عن نوبتين.

يعني أسماء اكثر التي يمكنه تزييف حضورها.

لكنه ذهب أبعد.

بدأ باستغلال العمل الإضافي.

في سجلات المصنع، هناك بنود للعمل الإضافي مدفوعة الأجر.

بعض العمال الحقيقيين لا يعملون ساعات إضافية.

بابلو كان يضيف ساعات إضافية لأسمائهم دون علمهم.

الفرق يذهب إلى جيبه.

في الشهر الماضي وحده، جمع بابلو من الاختلاس أكثر من ثلاثمئة ألف بيلي.

هذا بالإضافة إلى راتبه.

ثلاثمئة ألف في شهر واحد.

أكثر مما كان يجمعه في فيرونا في سنة.

والأرقام في ازدياد.

مع كل منصب جديد يسيطر عليه، تفتح أبواب جديدة للاختلاس.

بابلو بدأ يفكر: كم سيصل هذا الرقم بعد سنة؟

لكنه يعرف أن كل شيء له سقف.

واختلاس المصنع لن يكون كافيا حين يبدأ خططه.

---

في الليل

كان ماركو عائداً من تدريبه مع المعلم القديم.

الشارع خالٍ في هذه الساعة المتأخرة.

لكن ليس خالياً تماماً.

خمسة رجال خرجوا من زقاق جانبي ووقفوا في طريقه.

عرف بعض وجوههم.

رأى جوردو في المقدمة.

وجهه لا يزال يحمل ذلك الغضب القديم، لكن الآن فيه شيء آخر.

ثقة وهمية.

"أنت رفيق ذلك الطفل، صحيح؟"

توقف ماركو.

نظر إليهم.

خمسة رجال.

بعضهم يحمل عصياً خشبية.

واحد يحمل زجاجة.

لم يخطر بباله أن يهرب.

الشيء الغريب أنه لم يخطر بباله أن يخاف.

قال جوردو وهو يقترب:

"لم نمسك الطفل بعد. سنرسل له رسالة عن طريقك أنت."

نظر ماركو إلى قبضتيه.

الأكياس الرملية التي يحطمها يومياً.

الجدار الذي يتشقق خلفها.

هؤلاء الرجال لا يعرفون.

جوردو لم يكمل حديثه بعد.

تقدم أحد الرجال وضرب ماركو على كتفه بعصا.

شعر ماركو بالضربة.

لكنها لم تؤلمه.

ليس كما توقع.

الشيء الغريب أن جسده تحرك قبل أن يفكر.

قبضته ارتفعت بسرعة أكبر مما توقع حتى هو.

ارتطمت بوجه الرجل الأول.

سمع صوتاً.

ليس صراخاً.

شيء آخر.

طقطقة.

وجه الرجل انهار إلى الداخل قبل أن يسقط على الأرض فاقداً للوعي.

دماء بدأت تتدفق من أنفه وفمه.

صمت للحظة.

نظر الرجال الأربعة الباقون لرفيقهم الساقط.

ثم نظروا لماركو.

كانت عيونهم مختلفة الآن.

فيها شيء لم يكن موجوداً قبل دقيقة.

خوف حقيقي.

لكنهم كانوا خمسة.

وهم يظنون أن العدد يفوز.

هاجموا معاً.

ماركو لم يتراجع.

تقدم نحوهم.

الرجل الثاني رفع يده بالزجاجة ليضرب.

قبضة ماركو وصلت قبل الزجاجة.

ارتطمت بصدره.

سمع صوت أضلاع تتكسر مثل أغصان جافة.

الرجل طار إلى الخلف وارتطم بالجدار.

الرجل الثالث ضرب بعصا على ظهر ماركو.

العصا انكسرت إلى نصفين.

لم يتحرك ماركو.

التفت ببطء ونظر للرجل.

لم يقل شيئاً.

لكن عينيه كانتا كافيتين.

الرجل بدأ يتراجع.

لم يهرب بعد.

تراجع فقط.

الرجلان الرابع والخامس توقفا عن التقدم تماماً.

ظلا واقفين في مكانهما يرتجفان.

جوردو الذي كان في الخلف بدأ يهرب.

ركض بأقصى سرعته.

لم يتبعه ماركو.

لم يشعر بالحاجة إلى ذلك.

وقف ينظر لكفيه.

عليهما دماء ليست دمه.

نظر للرجلين الاثنين المتبقيين.

أحدهما سقط على ركبتيه.

"لا... لا تؤذنا..."

نظر إليهما ماركو.

ثم نظر للرجل الأول الذي لا يزال فاقداً للوعي على الأرض.

والثاني الذي يتألم ويداه على صدره.

شعر بشيء.

ليس غضباً.

ليس انتقاماً.

شيء آخر.

شعور بالقوة.

قوة حقيقية.

ليست قوة منصب ولا قوة مال.

قوة في جسده.

في قبضتيه.

في قدرته على تحطيم من أمامه.

شيء دافئ انتشر في صدره.

لم يشعر بهذا الشعور من قبل.

أحبَّه.

استدار ومشى تاركاً الرجلين على الأرض.

---

وصل الغرفة بعد منتصف الليل.

بابلو كان جالساً على سريره كما لو كان ينتظره.

نظر إلى ملابس ماركو الممزقة والدماء عليها.

لم يقل شيئاً.

ماركو جلس على سريره وأخرج نفساً طويلاً.

"جوردو والرجال الآخرون. كانوا في الطريق."

"ماذا حدث؟"

"ضربتهم."

"بماذا؟"

"بقبضتي."

نظر إليه بابلو.

"كم كان عددهم؟"

"خمسة."

"وأنت؟"

"لم يحدث لي أي شيء."

صمت بابلو لثانية.

كان يحسب في رأسه.

"جوردو هرب؟"

"نعم."

"كان يجب أن تمسكه."

"لا تقلق لن يجرؤ على فعل شيء."

رد ماركو.

"جيد انسى أمرهم. وركز في تدريبك أكثر واذا التقيت به مرة أخرى فلتخفه فقط."

"حسنا."

نظر إلى قبضتيه مجدداً.

ثم قال بصوت هادئ مختلف:

"بابلو، شعرت بشيء غريب."

"ماذا؟"

"عندما ضربتهم... لم أشعر بالخوف. ولا بالغضب حتى. شعرت... بالقوة. وكأن جسدي يعرف ما يفعل قبل أن أفكر."

نظر بابلو إليه.

هذا ما كان يريده.

لم يقل شيئاً.

"هذا الشعور... أعجبني."

قالها ماركو بهدوء، وكأنه يعترف بشيء يخجل منه قليلاً لكنه لا يستطيع إنكاره.

"هذا طبيعي." قال بابلو بعد صمت قصير.

"طبيعي؟"

"القوة تشعرك بالحياة. معظم الناس لا يعرفون هذا الشعور أبداً. أنت تعرفه الآن."

نظر ماركو إلى سقف الغرفة.

"ماذا سيحدث غداً؟"

"غداً ستبدو مختلفاً."

"وكيف؟"

"أولئك الرجال سينشرون الخبر. لا أحد سيقترب منك أو مني مرة أخرى."

صمت ماركو.

لم يكن متأكداً مما يشعر به.

لكن بابلو كان متأكداً.

---

الليلة نفسها - بعد منتصف الليل

بعد أن نام ماركو، جلس بابلو في الظلام.

حساباته تتسع.

المصنع كان صغيراً في البداية.

وسيلة للحصول على راتب ثابت.

ثم أصبح وسيلة لبناء شبكة.

دانييل، لورينزو، قريباً كريستو سيُزال ويأتي مكانه من يسمع كلامه. ثم بعده الاثنين الأخرين.

وماركو أصبح سلاحاً حقيقياً.

لكن هذا ليس كافياً.

المصنع مهما كبر يبقى مصنعاً.

سقفه محدود.

حتى لو سيطر عليه كلياً، أرباحه ستكون صغيرة مقارنة بما يمكن جمعه في الخارج.

شبكة التهريب التي يراقبها منذ أسابيع.

أرباحها أضعاف أضعاف ما يجمعه الآن.

لكن الدخول إليها يحتاج شيئاً.

قوة حقيقية.

أو شخصاً يثق به داخل الشبكة.

لم يملك أي من هذه الآن.

لكنه سيمتلك قريباً.

نظر إلى سرير ماركو.

شخص يمكنه تحطيم خمسة رجال بقبضتيه وحده.

هذا ليس مجرد جندي قوي.

هذا سلاح. يحتاج أن يتطور اكثر.

ويحتاج أسلحة أكثر من نوع واحد.

أغمض عينيه.

الخطوة التالية: السيطرة الكاملة على المصنع.

ليس كوسيلة للربح.

بل كقاعدة.

مكان ينطلق منه.

مصنع تحت أمرته تماماً.

عماله عيونه.

أرباحه جزء صغير من مخطط أكبر.

ولن يتوقف عند هذا.

فتح عينيه في الظلام.

الطريق لا يزال طويلاً.

لكنه يعرف إلى أين يمشي.

2026/05/17 · 20 مشاهدة · 1312 كلمة
Aquila
نادي الروايات - 2026