في الصباح جلس بابلو وعدّ ما لديه.
ثلاثمئة وخمسون بيلي، كل ما ربحه من سافيا أمس.
في البداية بدا الرقم معقولاً، لكن بابلو كان يعرف أن الأرقام وحدها لا تعني شيئاً بدون معرفة قيمتها الحقيقية.
وهو لا يعرف قيمة البيلي بعد.
قرر أن يعرف.
---
سوق القرية لم يكن سوقاً حقيقياً.
كان مجرد صف من البسطات الصغيرة في وسط القرية، بعض الخضروات والسمك والحاجيات البسيطة التي يبيعها أصحابها كل صباح.
في نهاية الصف كان هناك دكان صغير مبني من الخشب، أكبر بقليل من باقي البسطات.
دخل بابلو بهدوء.
كان التاجر رجلاً في الخمسينات، ضخم الجثة، عيناه تلتقطان كل من يدخل بنفس الطريقة، نظرة تقيس الجيب قبل الوجه.
نظر إلى بابلو ثم أكمل ترتيب بضاعته.
"ماذا تريد؟"
تجوّل بابلو ببصره على الرفوف ببطء.
كان هناك قطع صابون بسيطة، علب صغيرة لتنظيف الأسنان، زجاجات صغيرة لغسيل الشعر، أمشاط خشبية.
وفي الجهة الأخرى بيض وحليب وقطع لحم مغلفة بورق بسيط.
سأل بابلو بهدوء: "كم سعر الصابون؟"
"مئة وخمسون بيلي."
توقف بابلو.
مئة وخمسون لقطعة صابون واحدة.
تابع يسأل بنفس النبرة الهادئة.
"معجون الأسنان؟"
"مئتان."
"غسيل الشعر؟"
"مئتان وخمسون."
"المشط؟"
"خمسون."
أومأ بابلو برأسه ببطء وتحول نحو الطعام.
"البيض، الدزينة بكم؟"
"ثلاثمئة."
"الحليب؟"
"مئتان وخمسون للزجاجة."
"اللحم؟"
"يبدأ من أربعمئة حسب الوزن."
صمت بابلو.
حسب في رأسه بسرعة.
حاجيات النظافة الأربع وحدها تساوي ستمئة وخمسين بيلي.
كمية معقولة من الطعام الصحي تحتاج ضعف هذا على الأقل.
والمجموع يتجاوز بكثير ما يملكه.
نظر التاجر إليه بعيون تعرف ما يحدث في رأسه.
"تشتري أم لا؟"
---
وقف بابلو أمام الرف لثوانٍ.
لم يكن يتوقع أن تكون الأسعار بهذا المستوى في قرية فقيرة نائية.
لكن هذا منطقي في الواقع، القرية بعيدة عن أي طريق تجاري، وكل شيء يصلها يكلف أكثر.
أخرج عملاته وعدّها.
ثلاثمئة وخمسون بيلي فقط.
قرر.
اشترى قطعة صابون بمئة وخمسين، ومشطاً بخمسين، وبيضتين منفردتين بخمسين.
بقي معه مئة بيلي.
لا معجون أسنان، لا غسيل شعر، لا حليب، لا لحم.
وضع التاجر المشتريات أمامه بلا اهتمام.
أخذها بابلو وخرج.
---
عاد إلى غرفته ووضع الصابون والمشط جانباً.
أشعل ناراً صغيرة أمام غرفته ووضع قدراً بسيطاً وجد صاحب الجسد السابق عليه الماء.
انتظر حتى غلى الماء ثم أنزل البيضتين برفق.
جلس أمام النار ينتظر.
بعد دقائق أخرج البيضتين وتركهما تبردان قليلاً.
أكلهما ببطء دون استعجال.
لم يكونا كافيتين لرجل في السابعة والثلاثين معتاد على وجبات حقيقية، لكن المعدة في هذا الجسد معتادة على هذا القدر.
نظر إلى السماء وهو يمضغ.
المئة بيلي الباقية لن تطعمه غداً.
قام.
---
خرج بابلو إلى القرية والشمس بدأت ترتفع ببطء.
تجوّل في الأزقة بعيون مفتوحة، يبحث عن أي عمل يعطيه طعاماً أو بيلي.
مرّ على رجل يرمم سقف بيته، توقف وعرض مساعدته.
نظر إليه الرجل ورفض عرضه.
مرّ على امرأة تحمل أكياساً ثقيلة، عرض أن يحملها.
قالت له إنها وصلت.
توقف أمام أحد البيوت حيث كان رجل يجلس أمام بابه يصنع شبكة صيد.
"تحتاج مساعدة؟"
رفع الرجل رأسه ونظر إليه بفتور.
"لا."
أكمل بابلو سيره.
---
في نهاية أحد الأزقة رأى سلة خضروات يتركها صاحبها ويدخل بيته لدقائق.
توقف بابلو.
نظر يميناً ويساراً.
لا أحد.
بعض البطاطا والخضروات موضوعة بلا رقابة.
لم يشعر بأي ثقل في صدره تجاه فكرة سرقتها، رجل باع المخدرات في الشوارع لا تزعجه فكرة أخذ بعض الخضروات.
لكنه لم يتحرك.
ليس لأنه تراجع عن الفكرة، بل لأنه رأى امرأة تطل من نافذة البيت المقابل.
الفرصة ليست مناسبة.
أكمل سيره بنفس الهدوء.
---
بعد ساعة من التجوال عاد بابلو بيدين فارغتين.
لا عمل ولا طعام.
وقف لحظة في وسط القرية.
بقي خيار واحد.
الصيد.
---
عاد إلى غرفته وأخذ أدوات الصيد التي تركها صاحب الجسد السابق، شبكة صغيرة وسنارة بسيطة وخيط.
اتجه نحو الشاطئ.
كانت الأدوات مألوفة في يديه بشكل غريب، ذاكرة الجسد تعرفها حتى لو كان عقله لا يعرف.
وقف على الصخور المطلة على البحر حيث كان صاحب الجسد يصطاد عادةً.
مدّ السنارة وانتظر.
دقائق مرت.
لا شيء.
حرّك موضع السنارة قليلاً.
لا شيء.
جرب الشبكة، رماها بالطريقة التي تذكرها الجسد، لكن الرمية خرجت خاطئة وسقطت قريبة جداً.
أعادها وجرب مرة أخرى.
أفضل قليلاً.
مرة ثالثة.
هذه المرة خرجت الشبكة بشكل صحيح وانتشرت فوق الماء قبل أن تغرق.
انتظر.
حين سحبها وجد سمكتين متوسطتين عالقتين بها.
نظر إليهما.
ليس كثيراً، لكنه كافٍ للعشاء.
---
عاد بابلو إلى غرفته والسمكتان في يده.
جلس أمام غرفته وأشعل ناراً صغيرة وشوى السمكتين بهدوء.
أكلهما حين نضجتا.
لم تكونا كافيتين تماماً، لكنهما أفضل من لا شيء.
---
استلقى ببطء ونظر إلى السقف.
لأول مرة منذ وصوله شعر بشيء لم يتوقعه.
ليس خوفاً، وليس يأساً.
بل ثقلاً.
ثقل الرجل الذي يعرف أين هو، ويعرف كم المسافة بينه وبين أي مكان يستحق أن يكون فيه.
ثلاثمئة وخمسون بيلي في الأسبوع من سافيا، وهذا إن استمر العمل معها.
يوم كامل للحصول على سمكتين.
ومئة بيلي في جيبه.
هذه الجزيرة لن تعطيه ما يريده، مهما عمل فيها فسقفها منخفض جداً.
المال الحقيقي في الخارج.
لكن الخارج بعيد، وهو الآن لا يملك سوى مئة بيلي.
أغمض عينيه.
المشكلة واضحة.
الحل ليس واضحاً بعد.
لكنه سيجده.
لا خيار آخر.