مع أول خيوط الفجر، بدأت أجهزة جيني الخاصة بالتنصت في الوشوشة.

كانت نائمة على سريرها، تغطي جسدها بغطاء خفيف، عندما أيقظتها الأصوات. جلست بسرعة. عيناها كانتا لا تزالان نصف مغمضتين، لكن أذنيها كانتا يقظتين تماماً.

اقتربت من الأجهزة. رفعت مستوى الصوت. بدأت تستمع.

كانت محادثة بين ضابطين كبيرين في جيش الملك.

"المستودع الرئيسي... احترق بالكامل. كل شيء. البنادق، المدافع، البارود، الرصاص. كل شيء تحول إلى رماد."

"كيف؟ كيف حدث هذا؟ من فعل؟"

"لا نعرف. بعض الجنود قالوا إنهم رأوا شبحاً. آخرون قالوا إن النار اشتعلت من تلقاء نفسها. لكن المؤكد أن المستودع قد خسرناه."

"هذا يعني أننا خسرنا نصف ترسانتنا. نصف الأسلحة التي كنا نعتمد عليها في حرب الجنوب."

صمت مخيف. ثم قال الضابط الأول:

"الجنود بدأوا يفرون. لا يريدون القتال بدون أسلحة. لا يريدون مواجهة الثوار وهم أعزل."

"والملك؟"

"لم يخبروه بعد. سيكون غضبه عظيماً."

أغلقت جيني الجهاز. جلست على حافة سريرها. كانت ترتجف قليلاً.

ليس من البرد.

كانت تفكر.

المستودع احترق. نصف أسلحة الملك ذهبت أدراج الرياح. والفاعل هو... بابلو. الرجل الذي شكّت فيه. الرجل الذي ظنّت أنه يريد استغلال الفقراء.

والآن، أحرق مستودعاً بأكمله وحده. تحت حراسة أكثر من أربعمائة جندي. وخاطر بحياته من أجل مملكة ليست مملكته.

شعرت بشيء غريب. ذنب. ندم. ربما إعجاب. ربما كلهم معاً.

وقفت. مشت نحو غرفة بابلو. فتحت الباب. لم يكن هناك.

جلست على سريره. انتظرت.

الساعات مرت ببطء. كانت تستمع إلى خطوات الجنود في الممر، إلى أصوات الصباح الباكر. كانت تفكر في كوما. في نفسها. في بابلو.

كانت تفكر كيف أن حكمهم عليها كان متسرعاً. كيف أن ظنونهم كانت خاطئة.

---

في الساعات الأولى من الصباح، وصل بابلو إلى المقر. كان متعباً. وجهه مغبر، وعيناه تظهران قلة نوم. لكنه كان واقفاً على قدميه.

فتح باب غرفته.

تفاجأ برؤية جيني جالسة على سريره. كانت لا تزال ترتدي ملابسها البسيطة. شعرها الوردي كان منسدلاً على كتفيها. عيناها كانتا مثبتتين عليه.

"جيني؟ لماذا أنتِ هنا؟"

لم تجب فوراً. وقفت. نظرت إليه طويلاً.

"هل أنت المسؤول عن الحريق في الشمال؟"

توقف بابلو للحظة. كان يمكنه أن ينكر. كان يمكنه أن يكذب. لكنه نظر في عينيها. رأى شيئاً لم يره من قبل. ربما. تقديراً؟ ربما.

"نعم."

تنهدت جيني. تنفست الصعداء. كأنها كانت تنتظر هذه الإجابة.

"لقد خاطرت بحياتك. وحدك. تحت حراسة أكثر من أربعمائة جندي. لماذا؟"

"إحراق هذا المستودع في هذه اللحظة بالذات سيكون ضربة موجعة للملك وجيشه وعندما ننشر الخبر في الجنوب صباحا سنرفع معنويات الرجال وسنضم المزيد لنا."

صمتت للحظة. كانت تفكر. كانت تبحث عن كلمات.

"بابلو... أنا..."

توقفت. نظرت إلى الأرض. ثم رفعت عينيها إليه.

"أنا مدينة لك باعتذار."

رفع حاجبه. "اعتذار؟ عن ماذا؟"

"عن ظنوني. عن اتهاماتي. ظننت في البداية أنك رجل يريد استغلال الفقراء. ظننت أنك مثل النبلاء، تبحث عن مصلحتك فقط. لكنك... خاطرت بحياتك من أجلنا. من أجل الجنوب. من أجل أناس لا تعرفهم."

اقتربت منه خطوة.

"أنا آسفة."

نظر إليها بابلو طويلاً. لم يتوقع هذا. لم يتوقع أن تعتذر. لم يتوقع أن ترى هذا الضعف في عينيها.

"لا داعي للاعتذار." قال بهدوء. "كنتِ محقة في شكوكك. أنا لست قديساً. لست أفعل هذا من أجل الخير فقط. لدي أهدافي. لكن هذا لا يعني أنني سأتخلى عن الفقراء."

"أعرف."

صمت آخر. ثم قال:

"الآن، دعينا ننهي هذه الثورة."

أومأت.

خرجت من الغرفة. لكن قبل أن تغادر، توقفت. نظرت إليه من فوق كتفها.

"شكراً يا بابلو."

ثم غادرت.

بابلو بقي واقفاً. كان متعباً. لكنه ابتسم.

---

في قصر الشمال، كان الملك بيكوري في حالة لا توصف.

لم يكن جالساً على عرشه. كان جالساً على الأرض، عيناه كانتا حمراء من قلة النوم. ملابسه متسخة، لم يغيرها منذ أيام. لحيته كانت غير محلوقة، وشعره كان متشابكاً.

كان يحدق في الحائط البارد بعيون زجاجية. لا يتحرك. لا يتكلم.

قبل أيام، فقد ابنه الوحيد. قبل فترة ايضا، اكتشف أن قوافل أعشابه تُسرق. قبل أيام، أرسل جيشاً إلى الجنوب فعاد مهزوماً. والآن... والآن استيقظ على خبر احتراق مستودع الأسلحة الرئيسي.

نصف ترسانته. نصف أسلحته. نصف ذخيرته. كلها تحولت إلى رماد.

دخل أحد الضباط. كان خائفاً. كان يعرف أن الملك قد يقتله إذا أزعجه. لكن لم يكن لديه خيار.

"جلالة الملك..."

رفع بيكوري عينيه إليه. كانت عيناه فارغتين. لا غضب فيهما. لا حزن. فقط فراغ.

"ماذا؟" همس.

"الجيش... الجنود بدأوا يفرون. لا يريدون القتال بدون أسلحة. والألف جندي الذين كان من المفترض أن يقودهم فولكان... لم يتبق منهم سوى ثمانمئة."

صمت بيكوري للحظة. ثم قام واقفاً. كان جسده يرتجف. لكن عينيه اشتعلتا فجأة.

"سأرسل ألفين."

الضابط اتسعت عيناه. "ألفين يا جلالة الملك؟ لكن هذا سيترك فراغا كبيرا—"

"لا يهم! سأرسل ألفين! سأجمع كل جندي متوفر. سأرسلهم إلى الجنوب. سأحرق كل قرية. سأقتل كل رجل. كل امرأة. كل طفل. سأجعل الجنوب مقبرة!"

كان يصرخ. كان يبصق الكلمات كالنار.

الضابط لم يجرؤ على الاعتراض. "كما تأمر يا جلالة الملك."

خرج من القاعة. ترك بيكوري وحده.

جلس الملك مجدداً على الأرض. كان يرتجف. كان يعلم أن ألفي جندي هم أقصى ما يمكنه إرساله

. يحتاج إلى الباقي لحراسة القصر، لحراسة النبلاء، لحراسة ما تبقى من مستودعات الأسلحة والطعام...

لكنه كان مصمماً.

سيرسل ألفي جندي.

وسينتصر.

2026/05/28 · 18 مشاهدة · 795 كلمة
Aquila
نادي الروايات - 2026