الفصل العاشر: "بداية الكابوس"
بينما كان نيفاليس غارقًا في أفكاره، فجأةً انفتح الباب برفق، وأطل منه إدوارد، الخادم الرئيس لمنزل الكونت، واليد اليسرى للكونت وساحر القصر الرسمي.
دخل إلى غرفة الكتب حيث كان نيفاليس جالسًا في زاويته، تحدق عيناه في أحد الكتب المفتوحة أمامه دون أن يقرأه، وعقله بعيد عن كل ما يحيط به.
إدوارد، الساحر الرسمي، كان يملك ملامح تنم عن قوة وحكمة اكتسبها من سنوات حياته الطويلة.
جسده كان طويلًا ونحيفًا، لكن هيبته لم تكن تكمن في بنيته الجسدية بل في حضوره الطاغي.
شعره الأسود كان طويلًا قليلاً، مربوطًا بعناية إلى الوراء في رباط بسيط وأنيق، مما ترك جبهته مكشوفة، ليبرز عينيه الحادتين بلون بني عميق يشبه لون العنبر، مع بريق غامض يعكس القوة والدهاء.
كانت ملابسه دائمًا أنيقة، ولكن بتصميم بسيط لا يلفت الأنظار مباشرة، رغم أن التفاصيل الدقيقة، مثل الخيوط السحرية التي تلتف حول الأقمشة، كانت تتوهج أحيانًا بطريقة خفيفة. كان يرتدي عباءة فاخرة، تغطي جزءًا من جسده، وتضيف لمسة من الفخامة تظهر بلمسات سحرية عندما يتحرك.
نظر إدوارد إلى نيفاليس برفق وقال بنبرة هادئة: "يبدو أنك تشعر بالملل، سيدي الشاب."
في العادة، إذا قال له أحد ذلك، لن يكلف نيفاليس عناء الرد. لكن إدوارد كان الشخص الأقرب إلى قلبه في هذا القصر.
هو معلمه، صديقه، بل وحتى الشخص الذي كان يعتني به منذ أن دخل القصر.
لقد كان إدوارد أكثر من مجرد خادم؛ لقد كان الأب الذي لم يعطه له والديه في ظل انشغالهما المستمر بالسلطة والمخططات.
لذلك، كانت علاقة نيفاليس بإدوارد أعمق من مجرد علاقة سيد بخادمه، فقد كان يعتبره شخصًا عزيزًا عليه.
أجاب نيفاليس بصوت مليء بالضجر: "لقد مللت من هذه الحياة الرتيبة. لا شيء جديد يحدث، كل شيء هنا مكرر، مثل نفس الوجوه، نفس الأماكن، نفس العادات."
ابتسم إدوارد برفق، مستشعرًا ما وراء كلمات نيفاليس. فهو لم يكن غريبًا عن هذه التقلبات المزاجية لدى نيفاليس، الذي لم ينل العناية الكافية من والديه اللذين كانا يركضان وراء طموحاتهما الشخصية.
قال إدوارد: "إذاً، ما رأيك أن آخذك في جولة في المدينة؟"
رد نيفاليس بتكاسل: "وماذا يمكنني أن أرى هناك؟ لقد رأيت كل شيء في هذه المدينة."
أجاب إدوارد، وهو يراقب تململ نيفاليس: "التجول في المدينة الرئيسية أفضل من الجلوس هنا في القصر. لدي صديق قديم افتتح متجرًا هناك، وأعتقد أنه سيبهرك."
نظر نيفاليس إلى إدوارد للحظة، ثم تنهد ووقف من كرسيه قائلاً: "حسنًا، إذا كان ذلك سيكسر هذا الملل، فدعنا نذهب." ثم توجه نحو الباب وخرج خلف إدوارد، الذي كان قد استدعى خادماً ليجهز العربة.
العربة كانت من نوع فاخر، تليق بمكانة العائلة. كانت واسعة، مصنوعة من مواد فاخرة، مع كل تفصيل فيها يعكس هيبة القصر. كانت الجدران الداخلية مغطاة بمفروشات من الجلد الأسود المزخرف بألوان معدنية تتماوج بلطف مع الضوء، في حين كانت المقاعد من القماش المخملي الفاخر، مشعة شعورًا بالراحة والرفاهية. لكن الأهم من ذلك، كان عمل العربة بالسحر؛ كان الهيكل الخارجي مزودًا بتعويذات سحرية تعطيها قوة إضافية، بحيث تستطيع العربة أن تتحرك بسرعات تتجاوز العربات التقليدية.
داخل العربة، كان كل شيء مترابطًا بالقدرة السحرية. النقوش السحرية على الجدران تضيء بتوهجات خفيفة، في حين كانت الأضواء السحرية تتغير حسب رغبة الراكب، مما يتيح لهم رؤية مناظر خيالية أو تغيير المشهد بشكل كامل. كان هناك لوح صغير بالقرب من المقعد يمكن لنيفاليس استخدامه لإرسال أوامر سحرية، مثل تعديل درجة الحرارة أو تغيير اللون الداخلي للعربة.
ركب نيفاليس وإدوارد العربة، وانطلقت بسرعة تتنقل عبر الطرق المليئة بالضباب السحري. وعلى الرغم من أن الرحلة كانت سريعة ومريحة، إلا أن نيفاليس لم يُبدِ أي اهتمام حقيقي بالمدينة. كان ذهنه لا يزال مشغولًا بأفكاره. فطالما كان قد زار معظم المدن التابعة لعائلته، ورأى كل شيء من القرى الصغيرة إلى المدن الكبرى التي تخضع لنفوذ عائلته، لكنه كان يشعر دائمًا بشيء مفقود، كأن تلك الأماكن لم تكن أكثر من مشهد يتكرر بلا نهاية.
بعد فترة من الوقت، سأل نيفاليس بنبرة فضولية: "إدوارد، ما هو نوع المتجر الذي افتتحه صديقك؟ أتمنى أن يكون شيئًا مميزًا."
أجاب إدوارد مبتسمًا: "لا تقلق، سيدي الشاب. سيكون مكانًا أفضل من أن تظل في القصر."
أجاب نيفاليس، بنبرة غير مكتملة من الاستياء: "أبي، لقد أخبرتك أن تناديني باسمي مباشرة طالما نحن بمفردنا، لماذا تواصل مناداتي بـ'سيدي الشاب'؟"
بما أني لم يكن لي والدين حقيقيين.ولم أوافق على والديّ الحاليين وعندما فكرت في الأمر، قررت أنني بحاجة إلى والدين مناسبين لي. وبالطبع، من سيكون الأنسب لذلك الدور غير إدوارد؟ كان هو الشخص الذي أخذ مكان الأب بالنسبة لي في حياتي، وعلى الرغم من أنه لم يكن أبًا بالمعنى التقليدي، إلا أنني وجدته الأقرب لذلك الدور."
ابتسم إدوارد، وتوقف للحظة قبل أن يجيب، وهو يعترف بابتسامة خفيفة: "أعلم، لكن الكونت سينزعج من ذلك، وأنت تعلم أنني لا أريد أن أغضبه."
ضحك نيفاليس ضحكة هادئة، وقال: "أه، يالك من عنيد، لا تحاول أن تبرر لي. دع الكونت يغضب، فهو يهتم فقط بالمظاهر وتوسيع نفوذ العائلة بالنسبة لي، أنا أفضل أن أناديك أنت أبي عوضًا عنه."
استمرت العربة في طريقها، لكن مع مرور الوقت، بدأ نيفاليس يلاحظ أن الطريق لم يكن كما توقع. لم تكن العربة تسير باتجاه المدينة الرئيسية، بل كانت تتجه في الاتجاه المعاكس.
نظر نيفاليس إلى إدوارد، ورفع حاجبًا واحدًا وقال: "ألم تقل لي أنك ستأخذني إلى المدينة الرئيسية؟"
ابتسم إدوارد ابتسامة خفيفة، وفي عينيه بريق غامض. ثم قال بنبرة عاطفية: "آسف لما سيحدث الآن، سيدي الشاب، لكن هذا لمصلحتك."
وفي اللحظة التي أنهى فيها كلماته، لم يتمكن نيفاليس من ملاحظة الحركة السريعة ليد إدوارد، التي استقرت على رقبته في ضربة قاضية، وسقط مغشيًا عليه فورًا.
وقفت العربة فجأة، ورفع إدوارد جسده الضعيف بين ذراعيه، ثم حمله برفق بعيدًا عن العربة. كانت خطواته ثقيلة، كأن ثقل ما يفعله يرهقه، وكان هنالك شيء غامض في نظراته، كما لو أن الأحداث التالية كانت مكتوبة في مكان ما، وأنه مجرد منفذ لها.
كانت خطواته ثقيلة، وكأن ثقل ما يفعله يرهقه. ألقى نظرة حزينة على نيفاليس، وقال بنبرة خافتة ومليئة بالألم: "يجب عليك أن تتخطي هذه العقبة بمفردك، بني، فهذه ليست سوى البداية."