29 - الاقوي في المملكة

الفصل التاسع والعشرون: الأقوى في المملكة

أخذت الفتاة نيفاليس إلى الطابق الثاني، حيث وصلا أمام باب غرفة كبيرة ذات تصميم فخم ولكن بسيط، يوحي بالقوة أكثر من الترف.

دقت الباب وانتظرت الرد بصمت.

بعد بضع ثوانٍ، جاء صوت عميق من الداخل:

"ادخل."

فتحت الفتاة الباب وأومأت لنيفاليس بالدخول قبل أن تغلقه خلفه بهدوء.

بمجرد أن دخل نيفاليس، وقعت عيناه على الغرفة الواسعة. على الجدران، عُلِّقت خرائط قديمة وحديثة للمملكة والمناطق المحيطة بها، بعضها يحمل علامات وخطوط تدل على تحركات القوات أو خطط للمعارك.

على الجانب الأيمن، وُضعت رفوف خشبية ممتلئة بكتب ضخمة، فيما تراكمت لفائف ورقية بجانبها، وكأنها لم تُفتح منذ سنوات. كان هناك أيضًا حامل سلاح ضخم، يستند إليه رمح عظيم ذو نصل قاتم بدا كأنه قد شرب من دماء لا تُحصى، وهالة خفيفة من القهر تحيط به.

في منتصف الغرفة، كان هناك مكتب خشبي ضخم، يجلس خلفه رجل ذو جسد هائل يبعث على الرهبة، كتفاه العريضتان جعلت الكرسي يبدو أصغر مما هو عليه. ملامحه قاسية، بشرته تحمل آثار ندوب قديمة، وعيناه كجمرتين تلمعان بثقة لا تتزعزع. كان هذا آدم راينهارت، ملك المرتزقة الحالي.

رفع آدم رأسه قليلًا ونظر إلى نيفاليس بتفحص، ثم قال بصوت هادئ لكنه ثقيل:

"أوه... لم أتوقع أن تكون بهذا الصغر."

أومأ نيفاليس باحترام وقال: "اسمي فيكتور."

لم يعر آدم الاسم اهتمامًا، بل أشار له بالجلوس وهو يقول: "اجلس."

ما إن جلس نيفاليس حتى تغير الجو فجأة. ارتفعت هالة خانقة في الغرفة، كأن الجدران باتت تضيق عليه، وكأن وزنه ازداد فجأة عشرة أضعاف. كانت هالة ملك المرتزقة، الطاغية والرهيبة، تملأ المكان بالكامل، مما جعل من الصعب حتى التنفس.

هالة تليق بملك المرتزقة الحالي، طاغية ومهيبة، كأنها جبل من الهيبة والسلطة سقط على المكان.

تذكر نيفاليس سؤالًا قد طرحه ذات مرة على إدوارد، مجرد فضول عابر لم يكن يتوقع حتى أن يحصل على إجابة واضحة عليه.

"من هم أقوى ثلاثة أشخاص في المملكة؟"

كان من ضمن الثلاثة الرجل القابع أمامه الآن، ثاني أقوي شخص في المملكه أدم رينهارد ، ملك المرتزقة الحالي.

لم تكن هذه المعلومة شيئًا متوقعًا بالنسبة لنيفاليس. فلو سأل أي شخص آخر في المملكة عن أقوى ثلاثة أشخاص، لكان الجميع سيضع في المرتبة الأولى دون شك الساحر الأعلى للإمبراطورية، ساحر العائلة الإمبراطورية، وأحد السحرة القلائل من المستوى الخامس.

لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.

المفاجأة الحقيقية كانت أن ذلك الساحر لم يكن الأول... بل الثالث.

أما الأول... فهو إدوارد نفسه.

بالطبع، لم يكن هذا التصنيف معلنًا، ولم يكن سوى نيفاليس من يعرف الحقيقة. في منظور المملكة بأكملها، كان الساحر الأعلى للإمبراطورية هو الأقوى بلا منازع، فهو ممثل العائلة الإمبراطورية، وأحد أركان قوتها المطلقة. لكن الحقيقة كانت أن هناك شخصًا يعلوه، شخصًا لم يدخل أبدًا في معركة علنية تكشف قوته الحقيقية.

لم يكن هناك معركة حاسمة تحدد الأقوى في القارة.

نيفاليس لم يهتم كثيرًا كيف علم إدوارد بقوة أدم، أو حتى كيف تمكن من تصنيفه في المرتبة الثانية.

لم يكن إدوارد شخصًا يحب الحديث عن نفسه، ولم يكن يملك رغبة في تقديم أي تفسير، لذلك ببساطة لم يسأل نيفاليس احترامًا له.

لكن الآن... كان عليه أن يواجه الحقيقة بنفسه.

أعاد نيفاليس تفكيره بسرعة إلى اللحظة الحالية. حقيقة أن أدم رينهارد قد أطلق هالته بهذه الطريقة تعني أن كلماته التالية ستكون في غاية الأهمية.

بدأ صوت آدم العميق يتردد في أنحاء الغرفة، يملأ المكان بوجوده الذي لا يرحم: "لا يهمني اسمك، ولا أهتم بهويتك. الشيء الوحيد الذي يهمني هنا هو أمر واحد لا جدال فيه..."

سأل نيفاليس محاولًا تمالك نفسه تحت هالة آدم الخانقة: "وما هو؟"

"العائلة."

رفع نيفاليس حاجبه مستغربًا ثم كرر الكلمة وكأنه يحاول فهم المعنى الخفي وراءها: "عائلة؟"

نظر آدم إليه بحدة، وعينيه مليئتين بتصميم لا يتزعزع. "في اتحاد المرتزقة، لسنا مجرد محاربين مأجورين، لسنا مجرد مجموعة من المقاتلين المنفصلين. نحن عائلة. نتشارك أكثر من مجرد أهداف أو أموال. نتشارك الألم، والدماء، والدموع. عندما تكون جزءًا من هذه العائلة، تصبح جزءًا من شيء أكبر منك. لا مكان هنا للخيانة، ولا للضعف. نحن نحارب معًا، نعيش معًا، ونموت معًا."

أخذ خطوة للأمام، وصوته يصبح أكثر شدة. "نحن هنا ليس فقط من أجل المال أو المغامرة. نحن هنا لأننا نؤمن بأننا لا نترك أحدًا خلفنا. من يثبت ولاءه لنا، يجد أيدينا دائمًا ممتدة له. ومن يخوننا... يكون قد اختار نهايته."

ثم توقفت الكلمات فجأة، وساد الصمت في الغرفة. آدم كان يتأمل في نيفاليس، وكأن نظراته تخترق أعماقه.

"أنت تقول إنك تريد أن تكون جزءًا من هذه العائلة. ولكن كيف تثبت ذلك؟" قال آدم بابتسامة خافتة، لكنها كانت مليئة بالإيمان الصلب. "الأمر بسيط... أثبت نفسك. لتكن أفعالك هي من تتحدث بدلاً منك. إذا كنت مستعدًا لحمل العبء، إذا كنت مستعدًا للمضي قدمًا دون تراجع، فحينها فقط ستفهم ما معنى أن تكون جزءًا من هذه العائلة."

سكت نيفاليس قليلًا، وأغمض عينيه لوهلة، وكأن كلماته تتسلل إلى عقله في صمت. كانت كلمة "عائلة" تثير فيه مشاعر غريبة، مزيج من الحيرة والألم. بالنسبة له، كانت تلك الكلمة لا تعني شيئًا كثيرًا. لقد نشأ في قصر فارغ، حيث كانت جدرانه أصدقائه الوحيدين، ولم يكن هنالك أحد يهتم لأمره سوى إدوارد. كان إدوارد هو الشخص الوحيد الذي قد يعتبره عائلته، هو الذي تربى على يديه، وعلمه كيف يكون قويًا، وكيف يواجه الحياة بصمت. كل شيء آخر كان فارغًا.

لكن الآن، خارج قصره، كان قد سمع هذه الكلمة مرتين. أول مرة في ومنزل العجوز إلياس، رغم حالته المزرية، كان يروي قصة أخرى عن "العائلة". كان يراها في تلك الوجوه المرهقة، في هذا الرابط الخفي الذي يجمعهم رغم الفقر، رغم كل شيء.

سيكذب نيفاليس إذا قال إنه لم يتأثر بتلك العائلة. ورغم كل الظروف، كانت تلك العائلة في تلك الأحياء الفقيرة هي من أضاءت له شيئًا في قلبه.

رفع نيفاليس وجهه ببطء، ونظر مباشرة في عيني آدم، محاولًا أن يقرّر ما إذا كان يمكنه أن يصدق تلك الكلمات، أو حتى أن يتخيل أنه جزء من شيء أكبر من نفسه. كان ثقل السؤال يضغط على قلبه.

قال نيفاليس، صوته منخفض لكنه مليء بالجدية:

"أنت تقول أنكم عائلة. ولكن هل يمكن لشخص مثلي أن يصبح جزءًا من شيء كهذا؟ عائلة... هل هي مجرد كلمة بالنسبة لك، أم أنها شيئًا أعمق من ذلك؟ لأنني... عرفت العائلة مرة واحدة، ولم تكن كما تتصورها."

ابتسم آدم ابتسامة خافتة، لكن عينيه كانتا مليئتين بالفهم والصلابة. "أنت تعرف أن العائلة ليست مجرد كلمة، فيكتور. هي الوعود التي نقطعها لبعضنا البعض. هي الأفعال التي تُثبت أن هذا الرابط أقوى من كل شيء. في عالمنا، ليس هنالك مكان للخيانة أو التردد. ونحن... في هذه العائلة، نُثبت أنفسنا كل يوم. ولا أحد يقول إنه لا ينتمي، إلا إذا اختار أن يكون وحيدًا."

نظر إليه نظرة ثابتة. "إذا كنت تبحث عن معنى للكلمة، فإني أقول لك: جرب أن تكون جزءًا منها. نحن لا ننتظر من الآخرين أن يثبتوا ولاءهم بالكلمات، بل بالأفعال. وإذا كنت مستعدًا لذلك، فهذه العائلة ستكون لك أكثر من مجرد اسم."

ثم، بعد لحظة من الصمت، قال آدم بنبرة حازمة وقاطعة: "هيا بنا لتختار لك فريقًا."

لكن في تلك اللحظة، قاطع صوت مفاجئ حديثهم.

"لا حاجة، فسأخذ أنا ذاك الصغير لفريقي."

2025/04/10 · 22 مشاهدة · 1100 كلمة
Xx_Adam_xx
نادي الروايات - 2026