الفصل 1: زيارة المقبرة

---

كان هناك فتى لا يتجاوز السادسة عشرة من عمره، شعره البني أشعث، وعيناه الخضراوان الثاقبتان مكسوتان بظلالٍ من السهر، جالسٌ متسيدعًا على أرضية المقبرة الخرسانية الباردة أمام ثلاثة شواهد قبور.

لم تكن ملامحه فائقة الجمال، لكنها تحمل سحرًا لا يُنكر يميزه عن غيره من الفتيان العاديين.

كانت أشعة الشمس الذهبية الدافئة تلامس بشرته، مانحةً إياه تناقضًا مريحًا مع السطح الصلب تحته.

ملأ الهواء لحن الطيور الرتيب، مضفيًا جوًا من السكينة.

وُضع باقة من الزهور أمام كل شاهد قبر.

---------------------

جين كارومي

أم فاضلة، ابنة بارّة، وإنسانة طيبة القلب

---------------------

رونالد كارومي

أبٌ عطوف، ابنٌ متمرد، وإنسان طيب

---------------------

ليا كارومي

ابنة بارّة وأخت صغرى لطيفة

---------------------

ابتسم ليو ابتسامة خفيفة وهو يقرأ ما كُتب على شواهد القبور أمامه.

كان تصميمها بسيطًا، إذ لم يكن يملك المال الكافي ولا أقارب آخرين يستطيعون المساعدة.

فقد توفي أجداده للأسف في العام الماضي.

وكان يأتي إلى هنا كل يوم بعد المدرسة ليقضي بعض الوقت مع عائلته الوحيدة...

لو لم يكن ذلك السائق ثملًا.

لو أنه أقنعهم بالبقاء معه في المنزل بدلًا من الذهاب إلى المطعم.

وربما لو أنه ذهب معهم، لكانت النتيجة مختلفة...

هز أفكاره جانبًا ونهض واقفًا، وكان قد انتهى من إخبارهم كيف مضى يومه.

"...سأراكم غدًا مجددًا"، قال ليو وهو يبدأ بالابتعاد، متجاهلًا النظرات المتعاطفة المزعجة التي كانت ترمقه من الزوار الآخرين.

فرؤية فتى مراهق يزور المقبرة قد تؤدي إلى كثير من التكهنات بعد كل شيء.

"أنا متعب جدًا اليوم للعمل... سأتصل لأعتذر لاحقًا"، تمتم ليو في نفسه، وهو لا يملك المزاج للعمل.

كان متأكدًا أن الأمور ستكون على ما يرام، لأنه لم يأخذ أي إجازة من قبل، ومدير السوبرماركت الذي يعمل فيه كان رجلًا عجوزًا طيبًا يشعر بالأسف تجاهه.

فتح هاتفه وتواصل مع صديقه ناثان.

ليو: سأتغيب عن العمل اليوم. هل تريد الخروج؟

ناثان: آسف، لدي مباراة كرة سلة اليوم!

ناثان: لنتقابل غدًا بعد المدرسة.

ليو: حسنًا، لا بأس. حظًا موفقًا في مباراتك.

ناثان: شكرًا!

انطلق تنهيدة من شفتيه وهو يغلق هاتفه.

"حسنًا، أظن أنني سأقرأ اليوم فقط"، قال لنفسه، وبدأ يتجه نحو منزله.

استغرق المشي عشرين دقيقة فقط للوصول إلى المنزل، لأنه كان قريبًا من المقبرة.

كانت الشقة التي يسكن فيها بحجم مناسب وسعر معقول، اشتراها والداه، وكان يعيش معهم فيها.

"أنا في المنزل..."

قال وهو يفتح الباب ويدخل منزله.

لقد اعتاد على ألا يسمع أي رد حين يعود.

'بعض العادات لا تتغير، على ما أظن...'

وبينما كان يفكر في ذلك، أغلق الباب وخلع حذاءه قبل أن يتجه ليجلس على الأريكة.

كان هناك كتاب موضوع عليها كان يقرؤه قبل أن يغادر إلى المدرسة في الصباح الباكر.

"رائع، لقد توقفت عند الجزء الأكثر تشويقًا هذا الصباح"، قال ليو وهو يلتقط الكتاب الذي حمل على غلافه عنوان "طريق الأبطال: معركة ضد النهاية"، ويظهر فيه فتى واحد يمسك بسيف بكلتا يديه.

******

"ها..."

زفر بصوت عالٍ وأغلق الكتاب بعد أن قرأ طوال الثلاث ساعات الماضية.

كانت الشمس قد بدأت بالفعل في المغيب.

نهض واقفًا وذهب ليحضر كأسًا من الماء.

"حقًا، أن يموت شخص مثله والقصة لم تصل إلى منتصفها بعد."

لقد مضى وقت طويل منذ أن قرأ شيئًا ممتعًا ومثيرًا إلى هذا الحد.

شعر وكأنه جزء من القصة ويعيش حياة البطل.

[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]

مع أن لديه اعتراضًا واحدًا، فهو أن البطل كان يمتلك حريمًا.

لم يكن من المعجبين الكبار بقصص الحريم، لكن عدا عن ذلك، كان كل شيء مثاليًا.

لم يستطع الانتظار لقراءة بقية القصة، فأسرع بملء كأسه بالماء.

لكن في اللحظة التي كان على وشك أن يرتشف، سقط الكأس من يده متحطمًا على الأرض مع تناثر الماء أيضًا.

"آه! تبًا، ما هذا بحق الجحيم!"

أمسك ليو برأسه إذ شعر فجأة بدوخة شديدة.

أصبحت عيناه ضبابيتين، مما جعل الرؤية صعبة.

"ما الذي يحدث، اللعنة؟ هل أنا على وشك الموت؟"

تشبث بالمنضدة بقوة، محاولًا تثبيت نفسه.

"ها...ها..."

أصبح تنفسه قصيرًا ومتقطعًا.

'هل أصبت بنوبة قلبية؟ في هذا العمر!؟'

قبض على صدره وهو يشعر بقلبه يخفق بقوة، وحاول التوجه نحو الأريكة حيث كان هاتفه.

'لا بد أن أتصل بالإسعاف!'

وفي اللحظة التي حاول فيها أن يخطو خطوة أخرى للأمام، بدأ الكتاب الذي تركه على الأريكة يبعث بضوء ساطع يعم الشقة بأكملها.

اضطر أن يغلق عينيه بإحكام لأن الضوء كان يعميه، مما أجبره على استخدام يده لتغطية عينيه.

"ما الذي يحدث الآن! هل أصبحت أعاني من الهذيان أيضًا!؟"

حاول تهدئة نفسه من كل ما يحدث، وحاول التوجه نحو الأريكة مجددًا.

لكن،

في اللحظة التي خطا فيها خطوة أخرى، انزلقت قدمه بسبب الماء المتناثر على الأرض، مما جعله يسقط على الشظايا المكسورة.

"آه!"

صرخ من الألم وهو يشعر بقطع الزجاج تغرس في ظهره.

شعر بالطاقة تغادر جسده، مما جعل من الصعب جدًا الوقوف مجددًا.

لم يعد ليو يرى الضوء الساطع، بل رأى ظلامًا تحيط به نجوم في كل مكان.

'لا بد أنني ضربت رأسي بقوة...'

عاد تنفسه إلى طبيعته، وهدأ قلبه، لكن جسده كله كان الآن يتألم.

تأوه وهو يبذل قصارى جهده ليدفع نفسه للنهوض بدلًا من البقاء مستلقيًا على الأرض.

كان جسده يتوجع بشدة، لكنه تحمل وتمكن أخيرًا من الوقوف مجددًا.

شعر بالرياح تلامس خديه وصوت حفيف الأوراق، فهدأ قليلًا.

'لم أمت بعد...'

'انتظر...'

إذ وجد غريبًا سماع صوت الرياح والأوراق، فتح عينيه اللتين كانتا مغمضتين طوال الوقت.

وعندما فتحهما أخيرًا، لم يجد نفسه في شقته، بل كان في شارع قديم ومتهالك.

نظر حوله فرأى مباني محطمة، بعضها مائل جانبيًا، والبعض الآخر نصف قائم.

كانت الحطام متناثرًا في كل مكان، وبقايا المنازل والمباني القديمة.

غطت أغصان الأشجار والنباتات الأخرى العديد من المباني، متشابكة مع الأنقاض.

لم يكن المكان مختلفًا عن أن تكون داخل مدينة مهجورة لم يُسكنها أحد منذ أزمنة بعيدة.

"هاه؟"

2026/08/10 · 424 مشاهدة · 894 كلمة
ZEUS
نادي الروايات - 2026