انتصف الليل كانت الغربان تنعق وصراصير الليل تعزف ألحاناً متناغمة شاركتها الريح والأغصان لإكمال المعزوفة
تسلل ضوء القمر نحو الغرفة الصغيرة وتحديداً تسلط نوره على وجهها المتجعد
في حلمها كان محيطها مغطى باللون الأسود لا فرق بين السماء والأرض ولا عن يمين وشمال
مشت بخطوات ثقيلة وكأن مئات الأوزان مربوطة في قدميها
نادت جيلين ومون بأعلى صوتها لكن مامن مجيب استنجدت بصاحب الرداء ولكن هو الآخر لم يلبيه
بدأ الخوف يدب بأوصالها وثقل معه تنفسها
كانت تمشي وفقط تمشي رغم جهلها عن وجهتها التي تسير نحوها كانت همسات تأتي بين الفينة والأخرى
لكن على عكس همس جيلين الحنون كان هذا الصوت مخيفاً كان مليئاً بالألم ممزوجاً بنبرة الانتقام
ليبدأ الهمس يقترب ويقترب حتى شعرت بأنه دخل إلى عمق رأسها
كان يقول كلاماً لم تستطع استيعابه لكنه مؤكد لم يكن خيراً
وكأن أحد يقوم بملئ رأسها بأفكار سوداوية مظلمة عرفت بل أحست بذلك لكن لم تستطع فهم الكلمات
بدأ الصوت يعلو ويعلو حتى أصبح شبيهاً بالصراخ أغلقت أذنيها لكن الصوت أبى الاختفاء
لتفتح عينيها فجأة وتجد نور الشمس يداعب وجهها استقامت لتتأكد بأن هذا الحلم الرهيب قد انتهى
نهضت من الفراش للبحث عن جيلين لتجدها تقوم بتجهيز الفطور بينما مون لا يزال نائماً في ركن الغرفة
لتقوم بتنظيف وجهها ومساعدة جيلين وفي لحظات نست محتوى الحلم لكن الشعور بالخوف كان لا يزال عالقاً في ركن من أركان عقلها ولكن ببساطة تجاهلته وأمضت بقية اليوم بشكل روتيني
.
.
.
وصلت الشمس لمنتصف السماء بينما العصافير تسرع هنا وهناك بحثاً عن الطعام لها ولفراخها الصغيرة
تمايلت فروع الشجر بفعل الهواء وتصدر الشجيرات صوت خشخشة بفعل تصادم أغصانها وأوراقها
جلستا في ركن في الحديقة بحثاً عن الطباشير وإذا حالفهما الحظ فقد تجدان فطراً أو نباتاً صالحاً للاستخدام سواء للأكل أو التداوي
لكن مهما بحثتا في كل ركن من الحديقة سواء بين الشجيرات أو تحت التراب لم تجدا شيئاً لعلهما استهلكتا جميع الطباشير على مدار السنوات الفائتة
جلستا بتعب تحت ظل الشجرة لتنظر ڤيليا نحو الغابة التي تقبع خلف البرج مباشرة لتسأل جيلين بفضول : لماذا لا نذهب إلى الغابة قد نجد ما يفيدنا؟
لتتغير ملامح جيلين وترفض الفكرة تماماً ودون أدنى نقاش
لتتساءل ڤيليا عن السبب لكن تأبى جيلين عن الإجابة بينما تحثها لدخول البرج والبدأ بإعداد وجبة العشاء فقد أوشكت الشمس على الغروب وعادت الطيور لأعشاشها بعد يوم طويل ومتعب
لتنفذ ڤيليا كلامها بمضض والفضول يحتل مكاناً كبيراً في عقلها
.
.
.
حل الليل واستعدو للخلود إلى النوم كانت مستلقية بجانب جيلين النائمة أصابها الأرق من الأفكار المندفعة إلى عقلها واحداً تلو الآخر
بالإضافة إلى خوف غريب منعها من النوم لتسمع صوت خطوات على الشرفة لتنهض بسرعة وتتجه إلى هناك عالمة بهوية الزائر لتبعد الستائر البالية التي تغطي الشرفة وفي عينيها وميض من السعادة كان يغطي ضوء القمر بجسده العريض وعباءته السوداء الفروية مما حجب الضوء عن وجهه لكن كان يبدو وكأنه يبتسم هو الآخر بعد رؤيته لها فقد مر ما يقارب الشهر على آخر زيارة له
.
.
.
جلست بجانبه على الشرفة آنسهما ضوء القمر وسكون الليل كانت تثرثر عن أيامها التي مرت أثناء غيابه وهو يستمع لها بهدوء
لتتوقف فجأة عن الحديث ثم تسأله بنبرة مليئة بالفضول : هل تعرف لماذا من الممنوع دخول الغابة؟ سألت جيلين لكنها لم ترد وكثيراً ما أرى الحراس والخدم يتجنبون الغابة قدر المستطاع هل بها شيء هل فيها كنوز أم وحوش؟
وهكذا بدأت بإلقاء وابل من الأسئلة كالعادة
بينما هو أبقى على ابتسامته اللطيفة منتظراً إياها لتنهي طرح أسئلتها
وبعد وقت طويل انتهت أخيراً ليحك أذنه دون أن تنتبه له ثم يقول بصوته الأجش الذي نادراً ما تسمعه لسكوته الدائم وندرة حديثه قال بينما يغرق في تفكير عميق : في زمن كانت الأرواح والبشر تعيش معاً كانت هذه الغابة هي مسكن الأرواح كانوا يعيشون بتناغم جميعاً
لكن وفي إحدى الأيام قرر بعض من البشر خطف روح من الغابة ليقوموا ببيعها فقد كانت للأرواح جمال نادر وصوت عذب لذا حاول الناس الفاسدين الحصول عليها بأي ثمن
وفي صباح يومٍ ما قررت روح أن تلقي نظرة إلى الجزء الخاص بالبشر فقد كان ممنوعاً للأرواح الضعيفة والصغيرة لقاء البشر أو دخول منطقتهم إلا مع الأرواح البالغة والقوية
لذا خرجت سراً وبينما كانت تمشي بلا هدف وتلقي نظرة في الأرجاء سمعت صوتاً يطلب المساعدة لتتبعه فوجدت شخصاً مصاباً مرمياً بين الشجيرات لتقوم بمساعدته دون تردد
أوصلته لقرية قريبة ليشكرها ذلك الشخص ثم عادت إلى غابة الأرواح بسعادة وقلبها يرفرف بفرح لطيف
وبعد مرور فترة قررت تلك الروح الذهاب إلى البحيرة
لتجد شخصاً بالقرب منها وعندما اقتربت منه توضح أنه كان ذلك الشخص المصاب الذي ساعدته رحبت به بحرارة
ليقوم بإعطائها باقة كبيرة من الزهور ويقوم باعتراف مفاجئ
لتتفاجأ الروح وتقبل باعترافه تعلقت به الروح النقية تدريجياً فقد اتفقى على وقت يلتقيان فيه كل يوم
لتغمر تلك الروح الأحلام الوردية السعيدة وفي يوم من الأيام قال لها ذلك الشخص بشكل مفاجئ بأن يهربا سوياً ويعيشا معاً فقد حرم الزواج بين البشر والأرواح لذا لم يكن أمامهما خيار آخر
لتقبل هي دون لحظة تردد ليحدد مكاناً يلتقيان فيه ويتوجهان إلى مكان نائٍ يعيشان فيه بعيداً عن غابة الأرواح
بدأت الإثارة تغزوها وفي قلبها كان هناك خوف مجهول المصدر لكنها تجاهلته لتحلم بأحلام سعيدة مع الشخص الذي ستعيش معه بقية حياتها
ليأتي يوم هروبهما أخيراً كانت متحمسةً كثيراً فتوجهت إلى نقطة اللقاء قبل الموعد بكثير لتجده هناك اقتربت منه بسعادة لكن توقفت حين لاحظت أنه يتكلم مع مجموعة من الأشخاص فاختبأت خلف شجرةٍ مجاورة
وبدأت بالاستماع إليهم لتنهار من هول الصدمة
فقد كان هذا الشخص الذي وثقت به عضواً في عصابة وقد لاحظ أنها روح لذا استدرجها بالكلام الحلو المعسول ولعب بعقلها لمعرفته بأن الأرواح نقية وبريئة وسهلة الانقياد
لتتلاقى عيناهما معاً اختفت ابتسامته الساخرة لتتحول إلى عبوس ثم غضب ليأمر الذين معه بالقبض عليها
تحركت رجلاها دون أن تدرك ذلك وفي وقت قصير أصبحت داخل غابة الأرواح لكنهم لم يتوقفوا عن ملاحقتها لتصل إلى البحيرة وتنهار من التعب
وصل إليها وبدأ ينهج محاولاً التقاط أنفاسه بينما يتمتم بغضب : لو لم تأتي مبكراً كان بإمكاننا الذهاب معاً لماذا أفسدتي كل شيء؟ روح حمقاء وغبية
ليبدأ بالضحك عليها شامتاً إياها ساخراً من غبائها
فثقتها العمياء به كادت تودي بها
لتتساقط دموعها ويتجعد وجهها بألم
في الواقع لم يكن الكثير من البشر يعلمون أن الأرواح رغم لطفهم ورقتهم إلا أنهم أقوياء جداً وخاصة إذا تم التلاعب بمشاعرهم فهي أعز شيء لديهم وإذا تم إيذاؤها فسيصبحون وحوشاً لا تعرف الرحمة
وهي قد تم كسر قلبها إلى أشلاء وهذا يعني أنها لم تعود روحاً نقية لطيفة بل كتلة من الظلام وعليه الآن تحمل عواقب فعلته
كان هو الذي يجهل عاقبة فعلته يقترب منها محاولاً القبض عليها لكن وفي لحظة قامت برفعه من عنقه بقوة ليتحول وجهه إلى اللون الأزرق فالبنفسجي انتفخت عروقه وبدأت حركته السريعة بالتباطؤ
تجمد بقية أفراد العصابة من الصدمة لتقوم هي برميه في البحيرة بعد التأكد من لفظ أنفاسه الأخيرة على يديها وفي غمضة عين قامت بشنق بقية أفراد العصابة ورميهم تباعاً نحو البحيرة
وبعد أن زينت البحيرة بالجثث التي تطفو رمت نفسها إلى البحيرة لتقوم بسحبهم معها إلى الأعماق وتضع نذراً بأن أي بشري يقترب من هذه البحيرة فستقوم بابتلاعه لتطفو جثته المتعفنة بعد أن تلتهمها وحوش البحيرة الجائعة
وهكذا انتهت قصة أول روح ماتت وهي مليئة بمشاعر الكره والانتقام
بالطبع لم يصدق أحد هذه الأسطورة ليقوموا بالقفز في البحيرة لإثبات زيفها
لكن خرجت جثثهم المحللة والمتعفنة بعد يوم من اختفائهم في البحيرة
وهكذا تم إغلاق الغابة ومنع التواصل مع الأرواح
ولا أحد يعلم إن كانت الأرواح لا تزال موجودة أم لا
لكن ما يعلمونه أن نذر تلك الروح لا يزال قائماً حتى هذا اليوم
.
.
.
استمعت للقصة بفم مفتوح ثم عادت إلى الداخل بعد أن ودعها صاحب الرداء ليختفي ككل مرة عادت لتندس تحت الغطاء وتذهب في نوم سريع
لكن عاد ذلك الظلام مصاحباً صوتاً خافتاً
وهذه المرة استطاعت سماع تلك الهمسات ...
_____________________________________
أطول بارت كتبته 🦥💔