"اغغ... اللعنة!"

الأنين المكتوم الذي خرج من بين شفتي المتشققتين كان أول صوت حقيقي أصدرته هذا الصباح.

الألم.

كان رفيقي المخلص منذ أن أجبرت جفوني الثقيلة على الانفتاح على ضوء الصباح الرمادي الباهت الذي تسلل بلا رحمة من النافذة البانورامية لجناحي الفاخر .

لم يكن مجرد صداع خفيف هذه المرة، كما كان الحال بالأمس.

لا، لقد قرر جسدي ذو الستة عشر عامًا وإحصائياته الكارثية أن يحتج بشكل كامل وعنيف على الإذلال الذي تعرض له في الأمس.

كل عضلة، كل وتر، كل مفصل في كياني كان يصرخ بلغة الألم العالمية.

شعرت وكأنني لم أدهس بشاحنة بضائع ضخمة فحسب، بل تم استخدامي كدمية اختبار لمجموعة متنوعة من أدوات التعذيب التي تعود للعصور الوسطى.

"صباح الخير أيها العالم الملعون،" تمتمت بصوت أجش، وأنا أحاول ببطء مؤلم أن أرفع نفسي من السرير الذي كان يبدو مريحًا بشكل يثير الغثيان مقارنة بحالة جسدي المزرية.

"اغ ... اه... تباً!"

كل حركة، مهما كانت بسيطة، كانت مصحوبة بأنين مكتوم وتأوهات خافتة.

كأنني عجوز في التسعين من عمره يحاول القيام من كرسيه الهزاز بعد أن قضى ليلة كاملة نائمًا عليه في وضعية خاطئة.

'اللعنة ! … سأنهار حقًا إذا قمنا مرة أخرى بنفس التمارين،' فكرت وأنا أتحسس ضلوعي التي شعرت بأنها على وشك الانفصال عن بعضها البعض.

استغرق الأمر ما شعرت به وكأنه قرن كامل، مليء باللعنات المكتومة والحركات البطيئة كحركة سلحفاة مصابة بالتهاب المفاصل، لأتمكن من جر نفسي إلى الحمام.

كل خطوة كانت بمثابة صرخة احتجاج من جسدي، تذكير مؤلم بمدى تفاهة جسدي.

'إحصائيات F- في كل شيء تقريبًا'، تذكرت بمرارة، وذلك الجزء من شاشة حالتي اللعينة يومض في ذهني كشبح.

'أتساءل ما إذا كان بإمكاني الحصول على ترقية إلى الرتبة F عادية إذا تمكنت من المشي إلى الكافتيريا هذا دون أن أنهار وأبدأ في الزحف على يدي وركبتي.

"فووشش-!"

صوت الماء البارد وهو يضرب بلاط الدش كان أشبه بصوت شلال جليدي، لكنه كان ضروريًا.

أجبرت نفسي على الوقوف تحته، وشعرت بالبرودة تتسرب إلى عظامي، وتوقظ ما تبقى من خلايا دماغي النائمة.

"اعغغ !"

لم يكن الأمر ممتعًا، لكنه على الأقل جعلني أشعر بأنني أقل بقليل من جثة متحركة على وشك التحلل والعودة إلى التراب.

بعد هذا التعذيب المائي، ارتديت زي الأكاديمية الرمادي الممل مرة أخرى.

كان لا يزال يشعرني بالغرابة والصلابة على جسدي.

كل حركة كانت تسبب وخزًا من الألم في مكان ما.

"هوفف..." تنهدت بتعب عميق، وشعرت برغبة عارمة في العودة إلى السرير والاختباء تحت الأغطية حتى نهاية العالم ... أو على الأقل حتى نهاية هذا اليوم الدراسي.

تمنيت حقًا، ولو للحظة واحدة، أن أستيقظ وأجد نفسي في شقتي القديمة والمريحة، وأن يكون كل هذا الهراء عن عالم الرواية والبوابات والمهارات مجرد كابوس سخيف وطويل جدًا ناتج عن قلة النوم والكثير من القهوة الرخيصة.

لكن الواقع، كالعادة، كان أكثر قسوة وسخرية.

لم يكن لدي أي رغبة حقيقية في تناول ما يسمى ب "الطعام" في الكافتيريا.

خاصة بعد تجربتي البصرية والذوقية المروعة بالأمس، والتي لا تزال عالقة في ذاكرتي كذكرى مؤلمة.

لكنني كنت أعرف أنني بحاجة إلى إدخال شيء ما إلى معدتي إذا كنت سأنجو من هذا اليوم، الذي توقعت أن يكون مليئًا بالمزيد من المفاجآت السارة.

'أتساءل ما هي مكونات العصيدة الرمادية التي تشبه الأسمنت الرطب والتي رأيتها بالأمس'، فكرت وأنا أتوجه خارج جناحي الفاخر.

الكافتيريا، كانت تعج بالطلاب.

ضجيج أصواتهم المرتفعة التي تتراوح بين الثرثرة المتحمسة والشكاوى المتعبة، وأصوات الأطباق المعدنية التي ترتطم ببعضها البعض .. كانت ترن في أذني.

معظم الطلاب، بشكل مزعج ومثير للحسد، كانوا يبدون أفضل حالًا مني بكثير.

إيثان ريدل، بطلنا اللامع ذو الشعر الأبيض الذي يتحدى الجاذبية، كان يجلس على طاولة كبيرة محاطًا بمجموعة من المعجبين.

يضحك بصوت عالٍ ويبدو مفعمًا بالطاقة كأنه لم يركض ثلاثين لفة حول ساحة بحجم دولة صغيرة بالأمس.

دريك مالوري، أمير الظلام الخاص بنا ذو النظرة الثاقبة، كان يجلس بمفرده في الزاوية، يتفحص المكان بنظرته الحادة والباردة التي تجعلك تشعر بأنك عارٍ تحت المجهر.

'إيمو لا يتوب …'، لم أستطع منع الفكرة الساخرة من التسرب إلى ذهني مرة أخرى.

سيرينا فاليريان، بجمالها الهادئ وحضورها القوي، كانت تتناول إفطارها بأناقة ورقي، وتقرأ شيئًا على جهازها اللوحي.

'نخبة النخبة'، سخرت داخليًا وأنا أشق طريقي بصعوبة نحو طابور الطعام الذي كان يتحرك ببطء كحلزون مصاب بالتهاب المفاصل الروماتويدي.

عندما وصلت أخيرًا إلى منصة التقديم، بعد رحلة شاقة عبر بحر من الوجوه المتعبة أو المتحمسة بشكل مريب، حاولت جاهدًا ألا أظهر أي علامة من علامات الاشمئزاز أو الرعب من المشهد الذي استقبلني.

كانت هناك صواني كبيرة، كما في اليوم السابق، تحتوي على ما يمكن وصفه بكرم الضيافة المفرط بأنه "طعام".

العصيدة الرمادية ذات القوام المريب الذي يشبه الغراء كانت لا تزال نجمة العرض الصباحي.

وبجانبها كان هناك شيء يشبه البيض المخفوق، ولكنه كان بلون أخضر باهت بشكل مقلق .. كأنه تعرض لجرعة زائدة من الإشعاع النووي الخفيف.

كانت هناك أيضًا شرائح من خبز محمص يبدو وكأنه تم استخدامها كإسفنجة لتنظيف أرضيات المختبرات.

وأخيرًا نظرت إلى بعض الفواكه التي بدت حزينة ويائسة كأنها تنتظر الموت الرحيم بفارغ الصبر.

"ماذا تريد اليوم أيها الفتى؟" سألتني عاملة الكافتيريا، المرأة الضخمة ذات تعبير الوجه المملة.

'أريد أن أهرب وأبكي في زاوية مظلمة'، كانت الإجابة الصادقة التي كادت أن تخرج من فمي.

لكنني قلت بدلاً من ذلك، بصوت هادئ ومستسلم.

"القليل من كل شيء، من فضلك. لا أريد أن أفوت أيًا من هذه النكهات الفريدة." لأنني كنت أعرف أن الجدل معها سيكون مضيعة للوقت والطاقة الثمينة التي لا أملك منها الكثير أصلاً.

وضعت لي في صحني المعدني كميات سخية من كل تلك الأشياء المشكوك في أمرها.

حملت الصينية بحذر، كأنني أحمل قنبلة موقوتة على وشك الانفجار.

بحثت عن أبعد طاولة فارغة ممكنة، في زاوية مظلمة حيث، إذا لزم الأمر، يمكنني رمي الطعام في سلة المهملات القريبة دون أن يلاحظني أحد.

جلست وبدأت في مهمتي المستعصية، محاولة إدخال هذا "الوقود الحيوي" إلى معدتي دون أن يرفضه جسدي.

ببطء فتحت فمي وأغلقت عيني .. وأخذت قضمة صغيرة ومترددة من "البيض" الأخضر.

"ها؟!" تشنج لساني.

هذا … هذا !

طعمه ... لا يوصف.

أعني ذلك بكل جدية، لا يمكنني إيجاد الكلمات المناسبة لوصفه. وذلك لا يعني بالضرورة أنه لذيذ بشكل يفوق الوصف.

لا، على الإطلاق .. لم يكن سيئًا تمامًا لدرجة أنني بصقته على الفور، ولكن لم يكن جيدًا بأي شكل من الأشكال.

كان له قوام مطاطي غريب، ونكهة خفيفة، باهتة، تشبه ... الورق المقوى المبلل الذي تم تخزينه في جورب رياضي متعفن لمدة أسبوع.

العصيدة الرمادية كانت أفضل قليلاً ... أو ربما أسوأ بشكل مختلف، لم أقرر بعد.

كانت دافئة، وهذا يعتبر نقطة إيجابية في حد ذاتها في هذا المكان. ولكن قوامها كان لزجًا وغريبًا، كأنها مادة هلامية من كوكب آخر.

وطعمها كان ..لا شيء …

مجرد كتلة رمادية دافئة لا طعم لها ولا رائحة ولا هوية.

'على الأقل هي لا تهاجمني أو تحاول التواصل معي ذهنيًا'، عزيت نفسي وأنا أبتلعها بصعوبة، محاولًا ألا أفكر في مصدرها الحقيقي.

الخبز المحمص كان قاسيًا كالصخر، وكدت أن أكسر أحد أسناني وأنا أحاول قضمه.

'ربما يجب أن أستخدمه كسلاح للدفاع عن النفس بدلاً من محاولة أكله.'

أما الفاكهة الحزينة ذات المظهر اليائس، فقد تجنبتها تمامًا. بدت وكأنها ستنفجر في وجهي إذا حاولت لمسها.

بينما كنت أخوض هذه المعركة البطولية والصامتة مع وجبة إفطاري التي لا تنسى، كنت أراقب الطلاب الآخرين من حولي.

معظمهم كانوا يأكلون بصمت، بتعابير وجه مشابهة لتعابير وجهي، مزيج من الاستسلام والاشمئزاز المكتوم.

قلة قليلة، مثل إيثان ريدل الذي كان يلتهم طعامه بحماس غريب، كانوا يبدون وكأنهم يستمتعون بالطعام، أو على الأقل يتظاهرون بذلك ببراعة فائقة تستحق جائزة أوسكار.

'لا بد أن لديهم مهارة خاصة ل "الاستمتاع بالطعام"'، فكرت، ولم أستبعد هذا الاحتمال تمامًا في عالم توجد فيه مهارات.

أنهيت ما استطعت من هذا "الطعام"، وشعرت بأنني أثقل وأكثر بؤسًا مما كنت عليه قبل أن أبدأ هذه التجربة المروعة.

'رائع. الآن أنا لست فقط ضعيفًا جسديًا ومنهكًا، بل أشعر أيضًا بالغثيان والرغبة في البكاء. يا له من صباح مثمر.'

بعد هذا الإفطار "المغذي" الذي كاد أن يدمر ما تبقى من إرادتي للحياة ويجعلني أفكر جديًا في الانضمام إلى الجانب المظلم، توجهت مع بقية طلاب الفصل ألفا.

بالأحرى، عرجت خلفهم كالزومبي - نحو قاعة المحاضرات المخصصة لنا لليوم.

لم تكن نفس قاعة الأستاذة فين التي تشبه قاعة محكمة حيث يتم الحكم عليك بالموت البطيء.

بل قاعة أصغر قليلاً، ولكنها لا تزال مجهزة بأحدث التقنيات وشاشات العرض الهولوغرافية التي يبدو أن هذه الأكاديمية لديها فائض منها، ربما لأنهم لا ينفقون الكثير على جودة الطعام.

'أتساءل أي نوع من التعذيب الفكري أو الإذلال العلني ينتظرنا اليوم'، فكرت وأنا أجد مقعدي في الصفوف الخلفية كالعادة.

'ربما محاضرة عن "أهمية الموت البطولي من أجل قضية لا تفهمها تمامًا، مع عرض تقديمي مليء بالرسوم البيانية الملونة والمضللة"'

كان الطلاب يتمتمون فيما بينهم، أصواتهم كطنين نحل غاضب.

"هل سمعت ذلك؟ يقولون إن تدريبات اليوم ستكون أصعب."

"آه ... قدماي لا تزالان تؤلمانني من الأمس. لا أظن أنني أستطيع المشي، ناهيك عن الركض."

"هل تعتقد أن الأستاذة فينكس ستشرف علينا مرة أخرى؟ تلك المرأة تخيفني حتى في أحلامي."

بعضهم كان يناقش تدريبات الأمس المروعة، والبعض الآخر يتكهن بما قد يحمله اليوم من مفاجآت سارة.

شعرت فجأة، بالتوتر يخيم على المكان، ممزوجًا بذلك النوع من الإثارة الخائفة التي تسبق عادة إعلان خاص.

'أعرف بالفعل ما الذي سيحدث اليوم ...' فكرة باردة وواضحة مرت بذهني.

**********

مالذي تعتقدون أنه سيحدث؟

2025/08/06 · 574 مشاهدة · 1455 كلمة
Drbo3
نادي الروايات - 2026