لهاثٌ... لهاثٌ!
طق! طق! طق!
كانَ رجلٌ يركضُ.
كانت أنفاسُهُ مُتقطِّعةً وجِلدُهُ متصبِّبًا عَرَقًا.
شعرهُ المُبعثرُ فوقَ رأسه غطَّى جفنيه المتهدِّلينِ.
طق! طق!
كانت ثيابه ممزَّقةً وقذرةً؛ معطفٌ طويلٌ بوشاحٍ قِرمِزِيٍّ ملطَّخٍ بالدَّم.
كان البخارُ ينبعثُ من فمهِ المفتوح وصدرهُ يعلو ويهبطُ باستمرار.
تدلَّت ذراعاهُ بلا حياة تتأرجحانِ ذهابًا وإيابًا. ساقا الرَّجل، تركضان بأعجوبة، تحملانهِ بعيدًا.
طق! طق! طق!
كانت سماءُ اللَّيل مشبعةً بأجواء الكآبة.
تلفَّعَتِ الغيومُ كقطيعٍ منَ الخِرَاف، تجولُ في مرعى اللَّيلِ اللَّامتناهي المرصَّعِ بالنُّجوم.
وفي السَّماء، تعلَّقَ قمرٌ فِضِّيٌّ وحيد.
طق! طق! طق!
صليل!
كانتِ المباني على جانبَيِ الرَّجل مظلمةً وذاتَ طرازٍ قُوطِيٍّ.
ارتفعت أبراجٌ ضخمة مِنَ الأفق، وأضاءَ الشَّارِعَ ضوءٌ أحمرُ مخيفٌ، ألقتهُ الفوانيس المغلَّفةُ بالمعدن والمعلَّقة على الأعمدة.
ارتفعت كنيسةٌ كبيرة في البُعدِ، بارزةً بشكلٍ لافت في الضَّوء الفِضِّيِّ الخافت بفضلِ نوافِذِها الزُّجاجيَّة المصقولة الَّتي شكَّلت أنماطًا معقَّدةً لرجُلٍ يفرِدُ ذراعيه.
صليل!
استطالتِ الظِّلال تحتَ ضوءِ القمرِ، وكانَ جرسٌ بعِيدٌ يقرَعُ.
طق! طق!
ارتحلت عينَا الرَّجل إلى أقربِ عمود إنارة.
هناكَ، كانَ غرابٌ يجثُمُ. حَدَّقَت فيهِ عيناهُ الميِّتتانِ، الخاليتانِ من أيِّ بؤبؤ.
توقَّف.
تباطأت أنفاسه المتقطِّعة، حتَّى سَكَنَت.
فتحَ فَمَهُ وَشَفَطَ الهواء ثمَّ أغلقه، مرارًا وتَكرارًا، راغبًا بشدَّة أن يجدَ شيئًا ليقولَه.
"أ... أرجوك". انتحب. "أنا... أنا لا... لا أريدُ أن أموت!"
ظلَّت عيناهُ معلَّقتينِ بالغراب. انتظر، كمن ينتظِرُ حُكمًا.
طق! طق!
عاد صوتُ وقعِ الأقدامِ لكنَّه هذهِ المرَّة لم يكن صوتَ هاربٍ.
كانتِ الخطواتُ بطيئة، واثقة.
لم يستَدِرِ الرَّجل. تسمَّرَ في مكانه. تقطَّعت أنفاسُه.
ومن الضَّباب الَّذي التهمَ الشَّارع، تَجَسَّدَ ظِلٌّ أَخَذَ يقترب.
رجلٌ طويلُ القامة، تنطِقُ هيئتُه بالقوَّة والخطر.
كان يرتدي مِعطفًا داكنًا وقبَّعَةً تحجُبُ ملامحه.
في يُمناه، قَبَضَ على نصلٍ، مزيجٍ بينَ سيفٍ وساطور.
وفي يُسراه، مسدَّسٌ، يتلألأُ نحاسُهُ بلَمَعَانٍ خافتٍ في الظُّلمة.
كانت قسماتُ وجهه محجوبةً خلفَ قِماشٍ أسودَ لَفَّهُ حولَ فَمِه.
طق! طق!
"أرجوك..." بلغَ بكاء الرَّجل أوجَهُ. خارت قُواه وانهار جاثيًا.
"كُفَّ عن النَّحيب" كان صوتُ الوافد الجديد عميقًا، ومع كلِّ كلمةٍ ينطِقُها، كانتِ الأجواء المحيطة تتلوَّى.
كأنَّ الضَّباب قد دبَّت فيهِ حياةٌ شيطانيَّة، يدورُ ويتشكَّل.
وكأنَّ الظَّلام قد أنبتَ مجسَّاتٍ لِزِجَةً، تتمدَّد لتبتلع بقايا الضَّوء.
خيَّم صمتٌ مُطبِقٌ وتوقَّفَ رنينُ الجرس البعيد.
حَلَّقَ الغراب من فوقِ العمود لِيَحُطَّ على كَتِفِ الرَّجل.
مشى الوافدُ مُقتربًا من الجسد الرَّاكع.
وعندما بلغ مسافةَ القتل، مدَّ يده اليمنى ووضع حدَّ السِّلاح على عُنُقِ الآخر.
وقد علاهُ الغِضابُ وقال "خُنتَ العهدَ وجاوزتَ النِّصاب يا ويلسون" بينما اشتدَّت قبضَتُهُ على سلاحه."غرابُكَ مات. وأنتَ من أبادَ الفِرقةَ السَّابعة. كلُّ هذا لأيِّ غاية؟ ها أنتَ ذا، والعِقَابُ يقرع بابَك. لقد أفسَدَكَ الدَّمُ البدائِيُّ"
"أنا... آسف..."
"ألستَ بالتَّائب؟" تنهَّد الرَّجل بسخرية.
تقطَّعت أنفاسُ ويلسون مجدَّدًا "أرجوك... لم أكن أعلم…"
"فعلتَ يا ويلسون" قال الرَّجل، قاطعًا حديثَ صديقه القديم. نَعَقَ الغرابُ على كتفه.
"لطالما فعلت. ما أنتَ فيهِ الآن هو النَّتيجة الحتميَّة لكفرانك"ضَغَطَ بِالنَّصل أكثرَ على عُنُقِه. ازدادَ نحيبُ ويلسون وهو يشعرُ ببرودة الحَدِّ القاطعِ على جلده.
"كلُّ ما أردته هو أن أراها مرَّةً أخرى…"
"المعجزة—كان يجبُ أن تحدث!"
هزَّ الرَّجلُ رأسَهُ متجاهلًا هذيانَ ويلسون.
"لقد ماتت. حتَّى لو أُعيدت، فلن تعودَ إلَّا هيكلًا فارغًا. هل لديكَ الجُرأة لتنظر في عينيها الجوفاوين؟" سَحَبَ الرَّجل النَّصل للخلف، مستعدًّا للإجهاز على ويلسون.
"خيانتكَ أمرٌ كبير، وذنبكَ ليسَ له نظير، فدمكَ اليومَ هديرٌ. لعلَّك تجدُ سكينتكَ في الفجر ولعلَّك تتنعَّم بِمَجدِ الحياةِ الآخرة" بعدَ أن قالَ ذلك، توقَّف الرَّجل لحظةً. "المجدُ للمعجزة"
شَقّ!
حركةٌ كاسحة وطار الرَّأسُ في الهواء.
هبط على الأرض ناثرًا الدَّمَ في الطَّريق المظلم.
سَحَبَ الرَّجُلُ سلاحه ورفعه على ظهره، مثبِّتًا إِيَّاه بإحكام في حاملٍ مُرتجل.
وبعدَ ذلك، وضعَ يَدَهُ على صدره بينما حَدَّقَت عيناهُ الدَّاكنتانِ العميقتانِ في الجثَّة.
أشرقَ ضوءٌ باهر من يد الرَّجل مضيئًا الشَّارعَ وساقطًا على الجثَّة!
شُعِرَ كأنَّ الزَّمن قد توقَّف.
وبعدها، بدأ التَّحلُّل.
بدأ الجسد يتحوَّل إلى غبار، يتحلَّل بسرعة فائقة.
في غضونِ ثوانٍ قليلة، تحوَّلتِ الجثَّة إلى رماد.
نَعَقَ الغراب على كتفه مرَّةً أخرى بينما أدارَ رأسه لينظر في الضَّباب.
أدارَ الرَّجل رأسه.
هناك، شخصٌ آخر يمشي ببطء.
كان يرتدي أيضًا ملابسَ مماثلةً، إلَّا أنَّ قبعته كانت بلونٍ قرمزيٍّ داكن.
ابتسم له الرَّجل.
"أرى أنَّك قد أنجزتَ مهمَّتك بالفعل يا هيدين"
أومأَ هيدين بِوَقَار.
ثمَّ تنهَّد.
"لقد فَسَدَ. كان فِعلُ الصَّواب هو القضاء عليه"
تقدَّم الرَّجل ووضعَ يدًا مواسيةً على كتفه. ربَّتَ برفقٍ على معطفه "كان يجبُ أن تتخلَّصَ منهُ في وقتٍ أسرع. لم تكن هناك حاجةٌ لتقديم كلماتِ السَّلام للخاطئين"
"كلُّ الكائناتِ تستحقُّ العزاء" قال هيدين على الفور.
"العزاء ليس للمُجَدِّفِين" أجابَ الرَّجل في الحال. مرَّ من جانبه، ويداهُ مستقرَّتانِ في جيوبه.
"ويلسون قتل غرابه وذبحَ أقرباءه. أقرباءٌ لم يستحقُّوا الموت. عاقبتهُ المُعجزة على ذلك في صورة إعدام" توقَّف لحظةً. "لتحترق روحه إلى الأبد في الشَّفق"
تلألأَ ضوءُ القمر كأنَّه يستجيبُ لكلماته.
بَرَدَ الهواء على الفور وبدأت همساتٌ غريبةٌ تَرِنُّ في الهواء.
استدارَ هيدين، وفمُهُ ينفتحُ لِيُعارض، لكن لم يرى أحد.
تنهَّد وبالصَّوت الإيقاعِيِّ لقدميه، حملَ نفسَهُ بعيدًا.
...