لم تكن الحمى تؤلم بايك بقدر ما كانت تربكه.

كان جسده خفيفاً على نحو مخيف؛ كأن العظام في داخله عيدان جوفاء تقرعها نبضات قلب متعبة. رائحة دواء مرّ، ورطوبة خشب قديم، وضوء رمادي ينسل من شق نافذة: تلك الأشياء الثلاثة كانت أول ما عرفه قبل أن يعرف نفسه.

فتح عينيه فرأى سقفاً من الخيزران اسودّ بالدخان. لم يكن سقف شقته، ولا غرفة مستشفى، ولا أي مكان عاش فيه من قبل. حاول أن ينهض، فاندفعت إلى رأسه ذكريات ليست له: امرأة تخيط ثوباً أزرق تحت مصباح زيت، صبي يجمع أعشاباً قرب السور الشرقي، صوت رجل يقول إن الحمى ستنخفض قبل حفل الصحوة.

ثم جاءت الأسماء التي جعلت أصابعه تبرد.

جبل تشينغ ماو.

عشيرة غو يوي.

حفل الصحوة.

لم يكن بايك قارئاً نهماً في حياته الأولى، لكنه تذكر هذه الأسماء كما يتذكر المرء طريقاً إلى قبر. حاول أن يضحك من الفكرة، فلم يخرج من حلقه إلا سعال جاف. كانت الروايات تمنح أبطالها قوة، أو عائلة غنية، أو على الأقل سبباً محترماً للقلق. أما هو فقد تركته في جسد فتى مريض، قبل ساعات من حدث يقرر إن كان سيبقى إنساناً عادياً أم يدخل عالم أسياد الغو.

تحرك الباب بصرير خافت.

دخلت امرأة نحيلة تحمل وعاءً صغيراً. كان شعرها مربوطاً على عجل، وأطراف أصابعها ملطخة بخيط أزرق. توقفت عند الباب لحظة، كأنها تخشى أن تجد السرير خالياً، ثم ارتخت كتفاها حين رأت عينيه مفتوحتين.

«بايك؟» قالتها بهدوء حاولت أن تخفي فيه رجفة. «لا تتحرك. الحمى لم تتركك إلا منذ قليل.»

عرفها قبل أن يطلب من ذاكرة الجسد اسمها.

سو لان. أمه.

كان في صدره رد جاهز، مأخوذ من مئات المشاهد التي سمعها أو قرأها: سأصبح قوياً وأحميك. لكنه ابتلعه. في هذا العالم، الوعد الكبير ليس شجاعة؛ غالباً ما يكون طريقة سريعة لجذب من يريد اختبارك.

قال بصوت مبحوح: «كم بقي للفجر؟»

نظرت إليه باستغراب. «قليل. لماذا؟»

«حفل الصحوة.»

لم تجبه فوراً. وضعت الوعاء على الطاولة، ثم جلست قربه. «إن كنت لا تستطيع الذهاب، أبلغ الأكاديمية. لن يلوموك على الحمى.»

هذه المرة كاد يضحك حقاً.

ربما لن يلوموه. لكن عدم الذهاب يعني أن بايك سيبقى فانياً في عشيرة لا تتسع مواردها إلا لمن فتح فتحة. لا مستقبل ثابت، ولا حجر بدائي، ولا حق في أن يختار شكل خوفه.

«أستطيع المشي.»

مدت سو لان يدها إلى جبينه ثم سحبتها ببطء. «أبوك كان يقول إن العناد لا يملأ البطن.»

كان والد بايك قد مات في مهمة حراسة قبل سنوات. لم تترك الذكرى في الجسد حزناً صافياً، بل فراغاً معتاداً: لا راعٍ في فصيل قوي، لا أحجار مدخرة، ولا أحد يرفع صوته إن أخطأ الأكبر في حسابه.

أغلق بايك عينيه لحظة. لم يكن يعرف موهبته. كان يعرف أن الموهبة في هذا العالم لا تمنح القوة مباشرة؛ تمنح الناس سبباً ليقرروا هل أنت استثمار، أو منافس، أو شيء يمكن تجاهله.

في الظلام خلف جفنيه، ظهر ضوء أبيض رقيق.

لم يكن ضوءاً في الغرفة. كان مربعاً شفافاً، بلا زخرفة ولا صوت ترحيب.

[تم رصد وعي خارجي.]

[النظام: قيد التهيئة.]

[شرط الإتاحة الأول: اجتز حفل الصحوة.]

[تنبيه: أي تناقض غير مبرر في السلوك يرفع احتمال الاشتباه.]

حدق بايك في الكلمات حتى بدأت أطرافها ترتجف مع بصره.

قال في ذهنه: «ما أنت؟»

لم يحدث شيء.

جرّب ثانية: «هل تستطيع أن تسمعني؟»

ظل الضوء كما هو، ثم اختفى.

تأمل وجه أمه. كانت تراقبه بقلق، ربما لأن صمته طال. أراد أن يسألها إن كانت ترى الكلمات، لكنه تذكر التنبيه. لم يقل النظام إن أحداً يعرف سرّه؛ قال فقط إن التناقض يملك ثمناً. وفي عالم الغو، لم يكن بايك في حاجة إلى شرح الثمن كي يخافه.

نهض ببطء. اعترضت سو لان فوراً، لكنه أمسك حافة السرير حتى ثبتت قدماه. كان جسده أضعف مما يتوقع؛ ركبتاه ارتجفتا، وظهره احتج كما لو لم يعمل منذ أيام.

«انظري.» قال وهو يلتقط أنفاسه. «إن سقطت في الطريق، أعود. لكن إن بقيت هنا، لن أعود من شيء.»

ظلت صامتة. ثم أخذت رداءً بسيطاً من المسمار قرب الباب، ووضعت في جيبه قطعة قماش ملفوفة.

«خبز بارد. لا تقل إنك لست جائعاً.»

كانت جملة عادية. لهذا أصابت بايك أكثر من أي خطاب عظيم. في عالم جديد أو قديم، كان هناك دائماً شخص يضع الخبز في جيب من يخرج قبل الفجر.

عندما فتح الباب، لسع الهواء البارد وجهه.

كانت قرية غو يوي تستيقظ تحت مطر ربيعي خفيف. بيوت الخيزران صعدت على سفح الجبل كأنها طبقات من قشور حيوان هائل، ومصابيح قليلة تحارب الضباب. في الأزقة، كان فتيان في عمره يسيرون مع آبائهم أو إخوتهم. بعضهم يضحك ليخفي خوفه، وبعضهم يتظاهر بأنه لا يهتم.

بايك لم يتظاهر بشيء.

كان خائفاً من فشل الصحوة، ومن أن تكون ذاكرته ناقصة، ومن أن يلتفت إليه شخص يعرف صاحب الجسد أكثر مما يعرفه هو.

وفي مكان لا يراه أحد، عاد الضوء الأبيض للحظة.

[بدأت المرحلة الأولى.]

[النجاة ليست مكافأة. النجاة شرط دخول.]

شد بايك رداءه حول جسده، ثم سار مع الفجر.

2026/08/20 · 4 مشاهدة · 763 كلمة
S
نادي الروايات - 2026