لم يتمكن آندي من النوم تلك الليلة، كانت الأفكار تتلاعب بعقله، والشكوك تحاصره من كل جانب. كل شيء كان غامضًا جدًا، لكنه شعر أن هذه الخريطة التي وجدها قد تكون المفتاح الأول لحل اللغز. جلس على سريره، متكئًا على الوسادة، يتأمل الخريطة مجددًا.
كان المكان الذي حُدد عليها يبدو مألوفًا، لكنه لم يكن يستطيع تذكر السبب. قلب الخريطة بين يديه مرارًا، يحاول استرجاع أي ذكرى قديمة مرتبطة بهذا المكان. لكنه فشل. الشعور بالعجز أمام ذاكرته المفقودة كان ينهش عقله ببطء، وكأن هناك جدارًا غير مرئي يمنعه من رؤية الحقيقة.
"لماذا لا أستطيع التذكر؟"
قالها بصوت منخفض لنفسه، قبل أن ينظر إلى الساعة على هاتفه. كانت الثالثة صباحًا. تنهد، شعر بالإرهاق الشديد، لكنه لم يكن قادرًا على الاستسلام للنوم. قرر أن يتصفح الإنترنت بحثًا عن أي شيء يتعلق بذلك المنزل القديم. أدخل الإحداثيات التي استخرجها من الخريطة، وبدأ البحث.
ظهرت له بعض النتائج، لكنها لم تكن كافية. الأخبار عن ذلك المكان كانت نادرة، كأن أحدهم حاول طمسها عمدًا. لكن بعد بعض البحث العميق، وجد مقالًا قديمًا يعود إلى حوالي خمسة وعشرين عامًا.
كان المقال يتحدث عن حادثة غريبة وقعت في ذلك المنزل.
"اختفاء غامض لطفل في ظروف غريبة."
فتح آندي عينيه على اتساعهما، وبدأ يقرأ بسرعة. المقال ذكر أن العائلة التي كانت تعيش في ذلك المنزل أبلغت عن اختفاء ابنهم الصغير في ليلة ممطرة. لم يكن هناك أي دليل على اختطافه، ولم يجدوا أي أثر له، وكأن الأرض ابتلعته. والأغرب من ذلك أن العائلة نفسها اختفت بعد بضعة أشهر دون أن يتركوا أي أثر خلفهم.
شعر آندي ببرودة تسري في جسده. لماذا كان هذا المقال مرتبطًا بذلك المكان الذي قادته إليه الخريطة؟ هل هناك علاقة بينه وبين تلك العائلة؟ وهل يمكن أن يكون الطفل المختفي مرتبطًا به بطريقة ما؟
قرر أن يطبع المقال ليقرأه جيدًا في الصباح. لكنه قبل أن يغلق اللابتوب، انتبه إلى شيء آخر… كان هناك تعليق قديم أسفل المقال، كتبه شخص مجهول قبل سنوات.
"الحقيقة ليست فيما كُتب، بل فيما لم يُكتب."
شعر آندي بقشعريرة تسري في جسده مجددًا. هل يمكن أن يكون هناك شيء أكبر مخفي خلف هذه القصة؟
رحلة إلى المجهول
مع شروق الشمس، قرر آندي أنه لم يعد بإمكانه تجاهل هذا الأمر. تناول فطوره بسرعة، ثم خرج من المنزل متوجهًا إلى ذلك المكان. لم يخبر أحدًا بما ينوي فعله، حتى لا يُقلق والديه.
قاد دراجته عبر الشوارع الهادئة، حتى وصل إلى أطراف المدينة. بدأ الطريق يصبح أكثر عزلة، تحيط به الأشجار من كل جانب، وكأنها ممر إلى عالم آخر. كلما اقترب، كان قلبه ينبض بسرعة، وكأن هناك جزءًا من روحه يعرف أنه على وشك مواجهة شيء لم يكن مستعدًا له.
وأخيرًا، رأى المنزل.
كان متهالكًا، يبدو وكأنه لم يمس منذ سنوات. النوافذ مكسورة، والباب الخشبي متآكل، والعشب الطويل يغطي الساحة الأمامية. لكنه شعر أن هناك شيئًا غريبًا… كأن المنزل كان ينتظره.
ترجل من دراجته، اقترب بحذر. عندما وضع يده على مقبض الباب، كان الخشب باردًا جدًا، على الرغم من حرارة الجو. دفع الباب ببطء، فأصدر صريرًا عميقًا، وكأن المنزل يئن من الماضي الذي يحمله داخله.
دخل إلى الداخل.
الهواء كان ثقيلاً، مليئًا بالغبار ورائحة الرطوبة. كان الأثاث مغطى بالملاءات البيضاء، وكأن أصحاب المنزل غادروه على عجل. تقدم ببطء، عينيه تتفحصان كل زاوية، يبحث عن أي شيء قد يربطه بهذا المكان.
وفي الزاوية، على الطاولة الخشبية القديمة، رأى شيئًا جعله يتجمد في مكانه.
إطار صورة مغطى بالغبار.
اقترب منه، ومسح الغبار بيده، وعندما رأى ما بداخل الصورة… شعر بقلبه يتوقف للحظة.
الصورة كانت له.
كان طفلاً صغيرًا، يقف بجانب طفل آخر بنفس عمره. وجه الطفل الآخر كان مألوفًا بشكل غريب… لكنه لم يستطع تذكر من يكون.
وفجأة، ومثل صاعقة، ضربته ذكرى قديمة—
صوت ضحكات طفلين، يركضان في حديقة، أصوات آباء يتحدثون، لحظات دافئة… ثم صرخة.
استدار آندي بسرعة، شعر بأنفاسه تتسارع. ما هذا المكان؟ لماذا هناك صورة له هنا؟ ومن يكون الطفل الآخر؟
وبينما كان عقله يحاول استيعاب ما يجري، سمع صوتًا مفاجئًا قادمًا من الطابق العلوي.
خطوات.
تجمد في مكانه. لم يكن وحده في المنزل.
شعر بقلبه ينبض بقوة، أدرك أن رحلته لكشف الحقيقة قد بدأت لتوها، وأن ما ينتظره قد يكون أكبر م
ما كان يتوقعه.
وللمرة الأولى… شعر أنه ليس وحده في هذا المكان.