‎…الظلام!

‎لم يكن ظلامًا عاديًا، ولا مجرد غيابٍ للضوء، بل كان غيابًا لكل شيء؛ غيابًا للصوت، للزمن، للجسد، وحتى للألم. لم يكن هناك سوى فراغٍ بارد يبتلع الإدراك نفسه، فراغٌ ساكن إلى درجة أن الوعي فيه بدا و كأنه يذوب ببطء داخل لا شيء...ثم سقطت قطرة.

‎صوتٌ وحيد، خافت، لكنه واضح على نحوٍ مرعب، كأن شيئًا سقط في بحرٍ لا نهاية له. تردد صداه داخل العدم، و تبعته رعشة خفيفة شقت السكون، ثم أخرى، قبل أن ينفجر الألم.

‎لم يكن ألمًا عابرًا، بل طعنة وحشية شقت رأسه من الداخل، كأن مسمارًا محمومًا غُرس بعنف في عمق جمجمته إذ انفتحت عيناه فجأة.

‎شهق بعنف، و اندفع الهواء إلى رئتيه كالسكاكين. جلس منتصبًا دفعة واحدة، يلهث كمن انتُشل من قاع محيط بعد أن مات غرقًا منذ زمن بعيد، صدره يرتفع و يهبط بجنون، بينما جسده يحاول أن يتذكر كيف يكون حيًا من جديد.

‎ساد الصمت...

‎لكن هذه المرة لم يكن صمت العدم، بل صمت غرفة.

‎أول ما وقع عليه بصره كان سقفًا غريبًا من خشبٍ أسود، محفورًا عليه عدد لا يُحصى من النقوش الهندسية الدقيقة. دوائر متداخلة، خطوط معقدة، ورموز متشابكة تشبه معادلات منسية، تتوهج جميعها بخفوتٍ أزرق شاحب، كما لو أن السقف نفسه ينبض بطاقة نائمة.

‎رمش ببطء...غرفة ضيقة،باردة جدرانها الحجرية مشبعة برائحة الحبر المعدني و الرماد، و رطوبة قديمة تجعل الهواء أثقل مما ينبغي.

‎تدلى من السقف مصباح صغير داخل حلقة فضية منقوشة، لكنه لم يحمل نارًا، بل كرة من ضوءٍ أزرق سائل، معلقة في مركزها، تهتز بخفة و كأنها قلبٌ نابض.

‎حدق فيها لثوانٍ، يلتقط أنفاسه، ثم أنزل نظره ببطء إلى يديه و تجمد…ليستا يديه.

‎أصابعه أطول مما يتذكر. أنحف. أكثر نعومة. جلده نقي، خالٍ من الندوب، من آثار الحروق، من التشققات القديمة، من تلك العلامات التي حفرتها الحروب و العنف في جسدٍ لم يعد موجودًا.رفع يده ببطء، كمن يختبر وهمًا، و لمس وجهه فتوقف قلبه لنبضة.ملامح مختلفة،فك أكثر حدة،بشرة شاحبة،شعر أسود طويل ينسدل حتى عنقه و عينان رماديتان باردتان، ساكنتان على نحوٍ مقلق.

‎انعكس وجهه على سطح خزانة معدنية مقابلة له.

‎ظل يحدق طويلًا في ذلك الانعكاس، كأنه ينظر إلى غريب يرتدي جلده.

‎في بداية العشرينات،هادئ الملامح، بارد النظرة، لكن تحت ذلك السكون كان هناك شيء مكسور، شيء يشي بأن هذا الوجه لم يعرف السلام يومًا.تقلصت عيناه ببطء “هذا…ليس جسدي.” خرج صوته منخفضًا، أجش، غريبًا على أذنيه، كأنه صوت رجلٍ آخر استُخدم فمه لينطق.

‎و في اللحظة التي نطق فيها، جاء الألم،انفجر داخل رأسه بلا إنذار.صرخة صامتة مزقت وعيه، لا من فمه، بل من أعماق عقله، قبل أن تنفجر الذكريات كطوفانٍ أسود.(صور،أصوات،أسماء،وجوه،خرائط،كتب،دوائر،دماء،نار.)

‎ركع على الأرض وهو يضغط رأسه بيديه، و أسنانُه انطبقت بقوة حتى كادت تتحطم. لم يكن الأمر وكأن شيئًا يُغرس في عقله… بل كأن قفلًا قديمًا يُكسر، و بابًا صدئًا يُفتح بالقوة ثم ظهر الاسم.

‎زيفاريس نوكتار،توقف كل شيء للحظة.الاسم لم يظهر كفكرة، بل كحقيقة زُرعت في وعيه دفعة واحدة. زيفاريس نوكتار اسم صاحب هذا الجسد.

‎ابتسم ببطء، رغم الألم الذي يكاد يشق رأسه.

‎“حتى الاسم لم يتغير…كم كانت سخرية الوجود رخيصة.”خرجت الكلمات كهمسة باردة، ساخرة، وكأن الوجود نفسه يصر على التهكم لكن السخرية لم تكن أهم ما في الأمر الذكريات استمرت، اندفعت إلى عقله بلا رحمة، تحمل معها العالم الجديد الذي فُتح أمامه.

‎اسم هذا العالم: إيرثال؛

‎عالم لا تحكمه الممالك، ولا القوانين، و لا النسب… بل القوة وحدها. في إيرثال، يولد كل إنسان ومعه ما يُعرف بـ«قلب الهالة»، نواة روحية تستقر قرب القلب، مسؤولة عن إنتاج الهالة؛ ذلك الجوهر الذي يقوم عليه كل شيء.

‎الهالة هنا ليست طاقة فحسب، بل أصل الحياة نفسها.

‎هي ما يقوي الجسد، يسرّع الإدراك، يصلب العظام، يغذي السحر، و يمنح الإنسان القدرة على القتال… أو النجاة.

‎أما السحر، فلم يكن في هذا العالم مجرد تعاويذ و همسات غامضة.السحر هنا علم،منظومة،هندسة، معادلات تُرسم في الهواء، دوائر تُنسج من الهالة، ورموز تُحوّل الإرادة إلى ظاهرة ملموسة و من بين جميع العلوم، وقفت الهندسة السحرية فوق الجميع،أرقى العلوم و أخطرها.

‎العلم الذي حوّل السحر من موهبة فردية إلى سلاح حضاري.بها تُبنى الحواجز، و تُصنع الأسلحة الأثرية، و تُشيد أبراج المانا، و تُرسم شبكات الدفاع، و تُبعث المصفوفات القديمة من سباتها و لهذا… كان صاحب هذا الجسد عبقريًا.

‎زيفاريس نوكتار أصغر من اجتاز اختبار أستاذ الهندسة السحرية في تاريخ أكاديمية فال مورديث،عبقريًا، نعم لكن عبقريًا ضعيف الجسد،هادئًامنعزلًا،و ميتًا.

‎مات قبل ساعات فقط، بعدما استنزف هالته حتى آخر قطرة خلال اختباره النهائي.

‎و الآن…حلّ محله شيء آخر،شيء أكثر ملاءمة لهذا العالم.استمرت الذكريات في الانفتاح، تكشف له صورة إيرثال كاملة.

‎عالمٌ مقسم إلى أربع كتل عظمى:

‎سولفاريث، الإمبراطورية الشمسية؛ أكبر معاقل البشر، إمبراطورية عسكرية تقوم على فرسان الهالة و جيوش السحر النظامية.

‎فروستفال، اتحاد الشمال؛ أرض الجليد و العشائر، حيث يُصقل الجسد حتى يصير سلاحًا.

‎نكساير، أرخبيل العلم والسحر؛ موطن الباحثين و المهندسين، حيث وُلدت الهندسة السحرية الحديثة.

‎و موركاث… الأراضي السوداء والمنطقة الملعونة.

‎أرض انفتحت فيها الشقوق الشيطانية قبل قرون، و لم تتوقف منذ ذلك الحين عن لفظ الوحوش لكن حتى الوحوش لم تكن الخطر الأكبر.الخطر الحقيقي كان خارج الحدود.

‎النسل الغريب.

‎جنس مجهول، لا يُعرف إن كانوا بشرًا، آلهة، أم شيئًا أقدم من الاثنين ظهروا قبل خمسين عامًا.

‎و خلال ثلاثة أشهر فقط، سقطت سبع ممالك عند خروجهم و منذ ذلك الحين، و البشرية تتراجع.الوحوش تنهشها من الداخل و النسل الغريب يلتهمها من الخارج.

‎أما الفناء…فلم يعد احتمالًا بل اقترابًا بطيئًا و حتميًا.

‎حين انتهى سيل الذكريات، عاد الصمت من جديد.

‎كان زيفاريس جاثيًا على الأرض، أنفاسه أبطأ، وعيناه جامدتان.

‎استوعب الأمر بسرعة مرعبة.

‎عالم جديد،جسد جديد،قوانين جديدة لكن الجوهر لم يتغير.ما زال العالم، في النهاية، مكانًا يفترس فيه القوي الضعيف…مألوف.

‎رفع رأسه ببطء و عندها ظهرت أمامه نافذة.

‎شفافة،ساكنة كأن أحدهم شق جزءًا من الواقع نفسه و تركه معلقًا أمام عينيه.لم تكن مزخرفة، و لا مضيئة، و لا تحمل أي زينة مجرد سطر واحد، كُتب بلون أبيض باهت:

‎[النجاة]

‎حدق فيها طويلًا لا شرح،لا أوامر،لا مقدمة فقط كلمة واحدة.

‎النجاة.

‎تقلصت عيناه.

‎“…نظام.”

‎وما إن نطق بها، حتى ارتجفت النافذة، و انقسم السطر الواحد إلى عشرات الأسطر المتتابعة.

‎[تم تفعيل نظام النجاة]

‎[مرحبًا أيها الناجي]

‎[الهدف الوحيد: النجاة] ظهرت الأسطر تباعًا، ببرودٍ آلي.

‎[تحليل الفرد… مكتمل]

‎[تقييم الحالة العقلية… غير مستقر]

‎[تقييم التهديد… مرتفع للغاية]

‎[ملاءمة النظام… مثالية]توقفت عيناه عند الجملة الأخيرة،مثالية.

‎ابتسم،ثم ظهرت بقية الوظائف.

‎[نافذة الحالة]:تعرض جميع بيانات المستخدم بشكل مباشر.الاسم \الرتبة \مستوى الهالة\ السمات \المهارات \التكوين الجسدي \التقييم القتالي.

‎[المهام]:يمنح النظام مهامًا إلزامية واختيارية. مهام يومية، مهام طارئة، مهام بقاء، مهام قتل، مهام تطور.

‎[المخزن]:مساحة مستقلة خارج قوانين المادة.

‎تخزين الأسلحة، المواد، النوى، والآثار.

‎[التقييم]:كل كائن، سلاح، مهارة، أو تهديد يمكن تحليله و تقييمه.

‎[الاستخلاص]:استخراج الجوهر من الوحوش، الموتى، و المواد النادرة،نوى.صفات.ذكريات.مهارات.

‎[التطور]:المستخدم لا ينمو طبيعيًا.المستخدم يلتهم و يتحسن.

‎وظائف لم تكن تمنحه القوة فحسب… بل تمنحه وسيلةً لالتهام هذا العالم قطعةً قطعة لكن السطر الأخير وحده كان كافيًا ليوقف كل شيء.

‎[الامتياز الفريد: تضاعف السمات]

‎[كل 24 ساعة، تتضاعف جميع السمات الأساسية للمستخدم تلقائيًا]

‎[شرط التفعيل: النجاة حتى نهاية الدورة]

‎ساد الصمت،قرأه مرة،ثم ثانية،ثم ابتسم.

‎ابتسامة باردة، فارغة، و مخيفة.ط “تتضاعف…”

‎قوة،سرعة،إدراك،تحمل،هالة.كل شيء،كل يوم.ما دام حيًا.

‎ضحك ضحكة قصيرة، خافتة، خرجت من حنجرته كزفير ميت.

‎لا بطولة،لا خلاص،لا عدالة فقط قانون بسيط، بدائي، و صادق،عش… تصبح أقوى.

‎كان ذلك، على نحوٍ مثالي، نظامًا صُمم لوحش.

‎ثم ظهرت النافذة الأخيرة.

‎[تحذير]

‎[تم رصد اقتراب تهديد]

‎[الموت خلال 43 ثانية]

‎[مهمة طارئة: النجاة]

‎تلاشت بقايا الابتسامة، لكن عينيه بقيتا ثابتتين.

‎ثم سُمع الصوت.

‎دق.!!

‎صوت خافت من خلف الباب تبعه احتكاك معدن ثم جاء صوت أنثوي هادئ من الخارج:“أستاذ زيفاريس… هل أنت مستيقظ؟” صمتت لثانية، ثم انخفض صوتها:

‎“…هناك شيء عند الحاجز.”

‎و في اللحظة التي انتهت فيها كلماتها، سُمع الصوت الآخر.صوت لم يكن بشريًا.احتكاك رطب،لحمٌ يُسحب على الحجر.

‎ثم…طرق.

‎ثلاث طرقات بطيئة على باب غرفته لكنها لم تأتِ من الخارج بل من الجهة الأخرى للحاجز السحري،اتسعت ابتسامته ببطء.

‎نهض،كانت حركته هادئة، ثابتة، كأن جسده الجديد لم يُولد قبل دقائق، بل كان ينتظره منذ زمن.

‎انعكس وجهه على سطح الخزانة المعدنية.

‎عينان رماديتان باردتان،هادئتان. بلا خوف و فوق رأسه ظهرت النافذة الأخيرة.

‎[ابدأ النجاة]

‎مدّ زيفاريس يده نحو مقبض الباب، و قال بصوت هادئ، كمن يحيّي شيئًا يعرفه جيدًا: “أخيرًا…”

‎ثم فتح الباب.

2026/05/05 · 2 مشاهدة · 1283 كلمة
نادي الروايات - 2026