"هان يوي"... كان هذا اسمي في هذا العالم، اسم جديد، ملامح جديدة، كل شيء أصبح جديدًا. مسحت على وجهي لكي يزول أثر النوم عن ملامحي، ثم فتحت الباب، فإذا بفتاة صغيرة في مثل عمري تمامًا تقف خلفه.
"مي هوا! لقد استيقظتِ مبكرًا اليوم."
"لا تزال نائما هيا بسرعة، لقد سبقنا الجميع نحو المروج الخضراء! ألم تسمع قطعان الخراف في حظيرتكم تنادي وهي ترغب في الخروج؟"
"انتظريني قليلاً، سأغير ملابسي وألتحق بكِ."
كانت مي هوا في مثل عمري، ذات وجه بيضاوي ناعم وبشرة فاتحة، تتوارى ملامحها الهادئة خلف نظرة جميلة، بأنف مستقيم رقيق وذقن صغير، بينما انسدل شعرها الكستنائي الداكن المتموج بخفة إلى الخلف، وقد جمعته تحت وشاح مزخرف بألوان زاهية، تاركًا خصلات قليلة تنساب حول وجهها لتضفي عليه مسحة من الرقة والسكينة. كان جمالها الطبيعي نادراً لم أرَ مثله في حياتي السابقة، وكانت تحمل سلة من القش مملوءة بالطعام الذي ستحتاجه لبقية اليوم.
كانت هذه هي عاداتنا نحن صغار القرية؛ في كل يوم نذهب إلى المروج لرعي الأغنام، مع الاعتناء بمزارعنا الصغيرة هناك.
غيرت ملابسي بسرعة، ووضعت قبعة خيزران فوق رأسي، كانت مدورة وكبيرة تشبه طبقًا ضخمًا، وكان لا بد منها لكي تحميني من لفحات الشمس الحارقة. أما ملابسي فكانت عبارة عن قميص رمادي واسع ومجعد من الكتان، يتماشى مع سروال أسود، يربط بينهما حزام أحمر يلتف حول الخصر.
حملت عصا في يدي اليمنى، وسلة قشية مملوءة بالطعام في يدي اليسرى، ووقفت إلى جانب الأغنام التي قام والدي بإخراجها من الحظيرة.
اختلطت قطعان خرافنا معًا، لكن ذلك لم يكن يشكل أي مشكلة؛ ففي النهاية كانت الأغنام تعرف بعضها، ومهما تفرقت ستعود في ختام اليوم مع بني جنسها.
في تلك الأثناء، اقترب والد مي هوا، السيد "لي يونغ"، من والدي "تشن لي"، وتجاذبا أطراف الحديث بينهما.
قال لي يونغ: "هذا الابن لديك ذكي جدًا يا أخي تشن لي، إنه نشيط ويعمل بجد، ولا عجب في ذلك؛ فهو يحمل بين أضلاعه روحك الواثبة."
انفجر تشن لي ضاحكًا وهز رأسه قائلاً: "إنه يحب ما يفعل يا صديقي، ومن يحب عمله لا يعرف التعب، لهذا تراه نشيطًا كالغزال."
ابتسم لي يونغ وهو يراقب ظهر إبنته وهي تختفي في الأفق، وقال بنبرة غلب عليها التأثر: "إنهم يكبرون بسرعة يا صديقي... بسرعة لا ندركها."
أومأ الآخر برأسه وعيناه الخضراوان معلقتان بالأفق الذي اختفيا فيه: "معك حق، السنون تمر كمرور الرياح، تترك أثرها في الأرض ولا تترك لنا سوى الذكريات."
كانت القرية التي أقطن فيها لوحة فنية عجزت الريشة عن رسم جمالها؛ إذ تتوسد حضن تلال خضراء متموجة، كأنها سرير من المخمل نسجت خيوطه من أعشاب برية ندية تفوح منها رائحة الحياة.
بيوتها الخشبية الصغيرة، ذات الأسقف القشية المائلة التي تآكلت أطرافها بفعل الزمن، تبدو وكأنها نبتت من الأرض ذاتها، تتناثر بهدوء بين ظلال الأشجار الوارفة التي تهمس للريح بأسرار قديمة لا يعرفها إلا الراسخون في الصمت.
المسارات الترابية الضيقة تشق العشب بليونة، تربط بين المنازل وسياجات الحظائر البسيطة، حيث يمتزج عبير الزهور الجبلية برائحة الأرض الرطبة بعد فجر ندي. والضوء ينسكب فوق المكان بهدوء ملكي، يغمر المرتفعات بوشاح ذهبي شفاف، ويمنح الأفق مدى يبعث على الطمأنينة المطلقة، حيث لا حدود تفصل بين الأرض والسماء سوى خط من الضباب الرقيق الذي يداعب قمم التلال البعيدة. كل شيء هنا يوحي بالثبات؛ السكون ليس صمتًا مطلقًا، بل هو عزف خفي لنبض الطبيعة، حيث تتمايل الأغصان برتابة، وتستريح البيوت في أماكنها كأنها حراس لسكينة لا تنتهي.
بعد الوصول إلى المروج الخضراء التي كانت تمتد على مد البصر، تركنا قطعان الماشية تتجول بحرية. جلستُ مع باقي الصبية ممن هم في مثل سني، نزعت قبعتي ووضعتها فوق قدمي، ثم وجهت نظري نحو العجوز القابع أمامنا، تمامًا كما فعل بقية الأطفال.
رفع العجوز يديه المجعدتين وقال بصوت يحمل وقار السنين: "إذاً، ماذا تريدون أن تسمعوا هذه المرة أيها الأطفال؟"
كان هذا العجوز أكبر أهالي القرية سنًا، ويُدعى "ها مين". كان عمره يتجاوز عمري حتى لو جمعت حياتي الحالية بسابقتها؛ إذ بلغ عامه التسعين قبل أسبوع واحد. وبما أننا في منتصف الصيف والجو شديد الحرارة، فإنه كان يعتاد يوميًا أن يروي لنا قصة من وحي خياله. وعلى الرغم من أنها لم تكن قصصًا باهرة، إلا أنني كنت أستمتع بها. كان هذا العجوز الشخص الوحيد في القرية الذي غادرها يوما وذهب بعيدًا نحو أرجاء أخرى. سألته مرارًا عن العالم الخارجي، لكنه كان يختلق الأعذار دومًا ليتفادى الحديث عنه. لم أعرف السبب، لكني كنت يتملكني الشغف لاكتشاف هيئة هذا العالم. في البداية، راودتني الشكوك في أنني ربما أكون قد انتقلت إلى عالم آخر، أو إلى المستقبل البعيد، أو ربما الماضي؛ ولكن طالما بقيت حبيس هذا القفص داخل القرية فلن أعرف شيئًا، رغم أن العيش فيها لم يكن سيئًا على الإطلاق، بل كان كل شيء مثاليًا إلى حد كبير.
ورغم أنها تجربة فريدة أن تُولد من جديد، إلا أنني في حياتي السابقة كنت بعمر الثاني والثلاثين عندما انقلبت حياتي رأساً على عقب إثر نجاح روايتي، والتي أصبحت تُقارن بأعمال كبرى لمزجها أساليب متعددة في عمل واحد.
في حياتي السابقة، كان والداي لا يزالان على قيد الحياة ويقطنان معي رفقة إخوتي، لكن كل شيء اندثر في لحظة. كيف وصلت إلى هنا؟ رغم أنني كنت أتمنى سابقًا أن أعيش تجربة أولئك الذين يولدون من جديد، إلا أن ذلك الشغف كان قبل أن تحقق روايتي كل ذلك النجاح.
حقا، أنا مشتاق لعائلتي، ولذا ينبغي لي أن أفكر في كيفية مغادرة هذا العالم. عمري الآن عشر سنوات، فكيف لي أن أعرف طريقي وأنا أجهل تمامًا معالم العالم الخارجي؟ حتى هذا العجوز لم يمنحني إجابة تشفي غليلي.
بعد أن طرح علينا سؤاله، قفزت من مكاني بحماس متصنع: "يا جدي، لقد سمعتُ أنك ارتحلت إلى العالم الخارجي من قبل... كيف يبدو؟ هل هو رائع كما يقال؟"
في هذه القرية، لم تكن كلمة "الجد" تعني بالضرورة الجد الحقيقي بالدم، بل كانت لقبًا يطلقه الصغار على كبار السن احترامًا وتقديراً لحكمتهم.
وما إن ألقيتُ سؤالي، حتى قفز بقية الصبية بلهفة: "أجل أيها الجد! احكِ لنا عن العالم الخارجي، كيف يبدو؟"
ضيق "ها مين" عينيه وهو يتأمل ملامحي، وكأنه أدرك المأرب الذي أصبو إليه. سخرتُ في نفسي، لكني حافظت على ابتسامتي كباقي الأطفال انتظارًا للإجابة.
بعد برهة من التفكير، ابتسم "ها مين" قليلاً وقال بنبرة جادة: "حسناً، سأخبركم بالقليل عن العالم الخارجي، ولكن أولاً عليكم أن تعاهدوني: ألا تسألوا عنه مرة أخرى، وألا تفكروا أبدًا في الخروج إليه."
مع حديث العجوز، انتابني فضول جارف، على عكس بقية الأطفال الذين شرعوا بالصراخ متعهدين بالوعد: لمَ يحذرنا هذا العجوز من الخروج من القرية والتجول في العالم الخارجي؟ هل ثمة سبب خفي لذلك؟
حدق العجوز في وجوه الأطفال البريئة ثم التفت إليّ قائلاً: "هان يوي، أنت لم تعطني وعدك بعد."
استفقتُ من شرودي وابتسمت: "أيها الجد، أعدك ألا أسأل مرة أخرى.":أطلقت ضحكة في نفسي من يهتم بالوعود في هذا العالم؟ كل ما أريده هو العودة إلى دياري.
بعد فترة، تنهد العجوز وقال: "اصغوا إليّ جيداً."
ابتلعتُ ريقي؛ فقد كانت هذه المسألة في غاية الأهمية بالنسبة لي لأعرف كنه هذا العالم الذي انتقلت إليه، فأصغيتُ بكل جوارحي.
بدأ العجوز يروي رحلته، ومع كل كلمة تسقط من لسانه، كان ذهولي يزداد؛ إذ كان ينسج تفاصيل تبدو أقرب للخيال.
وبعد أن انتهى، سألته الفتاة الصغيرة "مي هوا" بصوت خافت وملامحها تنطق بالصدمة: "هل... هل هذا صحيح يا جدي؟ هل يمكنهم الطيران حقاً؟"
أجابها العجوز بعينين غائرتين: "نعم، لقد سمعتُ ذلك أيضاً ولم أصدقه، حتى رأيتُ ذات يوم شخصًا يحلق في السماء بوضوح، ورغم أنها كانت لحظات خاطفة، إلا أنني رأيته يخرق قوانين الطبيعة."
في تلك اللحظة، انفصلتُ تمامًا عن الواقع. بعد كل كلمة تفوه بها الجد عن أشخاص يطيرون ويرفعون الجبال بإصبع واحد؛ أهذا خيال بحت؟ هل انتقلتُ إلى عالم قتالي؟
لكن ما جذب انتباهي حقًا كانت كلمة واحدة تذكرتها فجأة، فسألتُ بنبرة عفوية: "أيها الجد، هل قلت للتو إننا فوق قارة إسمها «غابة الخيزران»؟"
أومأ العجوز برأسه: "هذا ما قلته، لماذا تسأل؟"
أتُراها الحقيقة؟ لا يمكن... كيف يحدث هذا؟ إنه الاسم ذاته، ولا يمكن أن يكون الأمر محض مصادفة! ولكن كيف جئتُ إلى هذا العالم بحق الجحيم؟ قارة «غابة الخيزران» هي إحدى القارات التي دونتها بيدي في روايتي... هل يعقل أنني انتقلتُ ووُلدتُ من جديد داخل عالم روايتي الخاصة؟
نهاية الفصل
تعاليقكم من فضلكم