​لم يمنح راي الوزراء الفرصة لالتقاط أنفاسهم، ولم يكترث لملامح الإرهاق الذهني التي بدت على وجوههم. وببرودٍ قلب الصفحة التالية ونطق بالاسم الذي يمثل "العصب التقني" لكل ما يدور في الإمبراطورية:

​"العمود الخامس.. ركن العلم، سيسلين."

​عندما نطق راي بهذا الاسم، تحولت الأنظار جميعاً نحو الرجل الذي يقود ركن العلم حالياً، ولم تكن نظرات الوزراء هذه المرة تحمل الإعجاب، بل كانت مزيجاً من الشك والاحتقار المكتوم؛ فحالياً يعلم الجميع أنه كان أحد الخونة تحت قيادة دوق الشمال وأصبح مسؤولاً مؤقتاً على الركن الخامس.

​ورغم تجاهل ذلك خلال الاجتماع الإمبراطوري، إلا أنه وبعد العمل الذي قاموا به وإدراك أنه أحد أسباب جعل الأمور تصل لهذا الوضع، لم يكن للبعض خيار سوى إلقاء اللوم عليه. ومن بين الوزراء كانت ليلى هي الاستثناء الوحيد، حيث لم تهتم وظلت نظرتها على راي تنتظر أن يكمل كلامه.

​ولم يكن سيسلين غافلاً عما تعنيه تلك النظرات القاسية، فغاب عنه الحضور القوي الذي ميز الأركان الآخرين وبدا عليه الخجل والارتباك وهو يحاول تجنب تلاقي الأعين. كان التساؤل يدور في أذهان الجميع: 'هل حقق هذا الخائن شيئاً يذكر؟'

​كسر راي هذا الصمت الثقيل بصوته الهادئ:

​"لقد انتهيت من إعادة البناء الداخلي بالفعل، وأعلم أنك حالياً غارق في مراجعة الاختراعات السابقة وتحسينها وتطويرها. لم أرَ نتائج ملموسة بعد، لأنك فضلت صقل ما هو موجود بدلاً من التسرع في ما هو جديد، وهذا قرارٌ حكيم لضمان ثبات الأساسات، لكن.. "

​توقف راي للحظة، وأصبحت نظراته أكثر حدة وهو يكمل:

​"لكن يجب أن تدرك يا سيسلين أن ما تمتلكه الإمبراطورية حالياً هي مجرد تقنيات متأخرة عن بقية الممالك بأكثر من مئة عام. فما الفائدة مما تفعله حالياً؟ فحسب علمي فإن تطوير الحطام لن يصنع سفينة قادرة على مواجهة العواصف، وصقل السيوف الصدئة هو مجرد تضييع للوقت قبل القتال."

​أجاب سيسلين بسرعة خوفاً أن يُساء فهمه: "أفهمك تماماً جلالتك. المراجعة الحالية لم تكن لإعادة الاستخدام، بل لفهم نقاط الفشل، أعتذر عن أي تقصير بدر مني بسبب ذلك."

​"مراجعة أسباب الفشل".. أمسك راي ذقنه يفكر للحظة قبل أن تسقط نظرته على ري فيبتسم: "انسَ أمر.. أريد منك أن تعتبر مرحلة المراجعة هذه هي 'الوداع الأخير' للقديم. وبحلول هذا الشهر، لا أريد نسخة محسنة من الماضي، بل أريد قفزة تقنية تجعل المئة عام التي تفصلنا عن الممالك الأخرى تتبخر."

​"كما يشاء سعادتك."

​"لكن هذا لا يعني تجاهل تطوير ما سبق، فقط أعد ترتيب أولوياتك. وبالنسبة لما طلبت الموافقة عليه، فقد تمت الموافقة على كل شيء عدا مشروع بناء السفن؛ فليس لدينا القدرة ولا المواد ولا حتى القوة العاملة والخبراء من أجل النظر في هذا الموضوع."

​"سوف آخذ ذلك في عين الاعتبار مستقبلاً."

​"جيد."

​سلم راي الأوراق إلى ري والذي مررها إلى الدوق، فسلمها إلى سيسلين الذي كان يجلس قربه؛ لأن المسافة بين الكراسي منعت ري من تسليمها مباشرة. ابتلع سيسلين ريقه، واختفى خجله قليلاً ليحل محله تركيزٌ حاد.

​لم يُمنَح جولة من التصفيق مثل باقي الأركان، لكن حقيقة أن تلك النظرات قد خفت جعلته على الأقل يدرك حقيقة أن تعبه طوال الأشهر السابقة لم يذهب سدى.

​فشد قبضته على يده تحت الطاولة، مقسماً أن يقلب هذا الصمت لضجيج من التصفيقات خلال الاجتماع التالي.

​وتابع راي منادياً الاسم التالي:

​"العمود الثاني، ركن الجيش.. ألكسندر فارغاس."

​"نعم جلالتك!".. جاء صوت ألكسندر قوياً وحازماً.

​تابع راي: "جميع تروس ركن الجيش قد اكتملت بفضلك. لقد نسقت بشكل جيد مع ركن الاستخبارات ووزارتي الدفاع والعدل، وطبقت كل الأفكار، بل وأضفت عليها لمساتك الخاصة."

​في الواقع، هذا هو معنى وضع الشخص المناسب في المكان المناسب.

​رجل يبدو أنه ولد فقط من أجل قيادة هذه المنظومة.

​"أحسنت عملاً. قد تعاني من بعض النقص، لكن ذلك يعود لتقصير في وزارات أخرى وليس في ركنك. لا تعليق لدي، فقد أنهيت جميع مراحل المستوى الأول مثل ركن الروح، والشيء الوحيد الذي يعيقك هو حقيقة ارتباط بعض أقسام الجيش بوزارات أخرى، لكن على العموم أنت تسير بشكل مستقر."

​"كل ذلك بفضلك جلالتك."

​أجاب ألكسندر لكنه كان مرتبكاً؛ هل هناك مستوى ثانٍ؟ هل هذا يعني أن هناك مجالاً لتطوير نظام الجيش أكثر مما هو عليه فعلاً؟

​لكن أيقظه صوت التصفيق من ذهوله، فتوقف عن التفكير وأبدى شكره قبل أن يجلس ويغرق في التفكير بعد أن صمتت القاعة. وتابع راي عندما لاحظ أن تركيز ألكسندر مشتت:

​"لا تركز حالياً على المستوى الثاني، فقط تابع عملك خلال الربيع كما تفعل حالياً وسوف أعلمك بالخطوة التالية بعد ذلك، لكن سوف تكون هناك مراسم خاصة بعد المستوى الثالث، يمكنك التطلع لذلك."

​ساد القاعة همسٌ مكتوم؛ ما هو نظام المستويات هذا؟

​كان هناك الكثير من الأسئلة لكن القليل من الإجابات؛ فهذا النظام لم يكشف عنه راي بعد، حتى ري لم يكن له علم بتفاصيله، فقد قرر راي الاحتفاظ بهذا الجزء لنفسه حالياً.

​ومع نهاية التقييم تم تعليق الاجتماع لمدة ثلاث ساعات، قرر راي فيها أن يخرج من أجل التقاط أنفاسه.

​"يتم رفع الاجتماع مؤقتاً، حالياً أمامكم 3 ساعات قبل أن نقوم بمراجعة نقاط أخرى، يمكنكم الانصراف أو مراجعة ما ذُكِر سابقاً وسوف نتابع بعد ذلك."

​"أمرك."

​لم يتحرك أحد، بل خرج راي وحده فقط عائداً إلى مكتبه، بينما عاد الجميع للجلوس، ومن بينهم نظر ماركوس وجوبيان إلى ألكسندر ليعتذرا عن تقصيرهما، فالنقص الذي في ركنه لم يكن إلا بسبب هذين الاثنين.

​تنهد ألكسندر وأشار لهما بتجاهل الأمر. ومع غياب راي، تنهد الجميع وجلسوا في مقاعدهم، لم يتحدث أحد بل نظروا إلى الأوراق في أيديهم بتركيز، حتى تحدث ري أولاً:

​[سيدة إلينا، سوف أسلمكِ هذه الوثائق؛ إنها بخصوص الميزانية المخصصة لركن الخارجية، يرجى مراجعتها.]

​"حسناً"، أجابت إلينا وهي تأخذ الأوراق من "ري". وما هي إلا لحظات حتى وجدت وزيرة الصحة تسلمها هي الأخرى جزءاً من أوراقها بخصوص الميزانية، وتبعتها بقية الأركان بما فيهم مورغانا، التي وجدت بين الأوراق التي سلمها راي وثائق تخص رفع ميزانية ركنها.

​عبست إلينا ونظرت إلى كومة الأوراق؛ فقد أدركت أن الأمر يحتاج لمراجعة دقيقة لمعرفة ما إذا كانت الخزينة قادرة فعلاً على صرف كل هذه المبالغ. لكنها توقفت عن القلق عندما تذكرت أن هذا هو تخصص أنجيلا وليس عملها، فسألتها عن الأمر.

​أجابتها أنجيلا بهدوء:

​"أعتقد أن لا بأس بذلك؛ جلالته أخذ في الحسبان كمية المال في الخزينة حالياً."

​تنهدت إلينا بارتياح، ودخلت في نقاش جانبي مع أنجيلا حول التفاصيل. في هذه الأثناء، قرر باقي الوزراء تبادل المقاعد؛ حيث أخذ وزير العدل ووزير الداخلية مقاعد بجانب ألكسندر لمناقشة الثغرات التي يعاني منها ركن الجيش بسببهما. واقترب سيسلين من ري لمناقشة المصفوفات الجديدة المختومة باسمه.

​أما وزيرة الصحة، فقد جلست بجانب مورغانا لمناقشة الاتجاه العام والوعي المطلوب للنهوض بوزارتها، بينما توسط وزير النقل بين وزيري الزراعة والصناعة لمناقشة خطط النقل والتوسع المستقبلي.

​بدت القاعة الفسيحة وكأنها مسرح لعملية إعادة بناء شاملة، وتحولت الطاولة المستطيلة إلى ساحة معركة فكرية حيث اصطف الوزراء والأركان على جانبيها كجنود يعيدون ترتيب صفوفهم.

​على الرغم من أن راي قد منحهم ثلاث ساعات كاملة للاستراحة ورفع الاجتماع، إلا أن أحداً لم يجرؤ على مغادرة القاعة. غادر راي وحده، تاركاً وراءه ثقلاً لا يُحتمل من الطموح والرهبة.

​وقد بَدَا المشهد صاخباً ومُنظماً في آن واحد؛ الأوراق تتطاير فوق الخشب الصقيل للطاولة عندما يمرر الوزراء هذه الأوراق من طرف إلى آخر، وكأنهم في سباق مع الزمن، أو في محاولة لعدم تكرار نتيجة هذا الاجتماع.

​في النهاية، لم تكن هذه استراحة، بل كانت "غرفة عمليات" طارئة. الجميع يُدرك أن الثلاث ساعات التي تمر الآن هي الفاصل الوحيد بين ما هم عليه وما سيكونون عليه.

​وعلى الجانب الآخر، بعد خروج راي من قاعة الاجتماعات وإغلاق الباب خلفه، توقف ورفع رأسه للحظة ليأخذ شهيقاً طويلاً قبل أن يطلقه:

​"هذا مزعج".. تمتم ولم يكن كلامه موجهاً للوزراء، بل إلى ذلك الشيء المزعج الذي ظل يزعجه طوال الاجتماع والذي كان سبباً في خروجه الآن.

___________

نهاية الفصل

___________

2026/08/12 · 10 مشاهدة · 1197 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026