السياسة؟ لم تكن يومًا مجال ليلى، ولا ادّعت فهمها.

ذلك عالمٌ تُدار فيه الأمور بالكلمات والمواثيق، بينما كانت هي تميل إلى ما يُقاس ويُختبر ويُثبت نفسه بالفعل. أمّا الطبّ وصنعةُ الكيميائيّين، فهناك كانت تقف على أرضٍ مختلفة تمامًا؛ أرضٌ ظهرت موهبتها فيها مبكرًا إلى حدٍّ جعل بعضهم يبالغ في القول إنها — منذ الرابعة عشرة — قد تذكّر بعصر الإمبراطور الرابع، لا لأنّها بلغت مقامه، بل لأنّ الناس اعتادوا أن يستعيروا اسمه كلّما عجزوا عن تفسير موهبةٍ غير مألوفة.

و بدأت الحكاية بأزمةٍ منزلية، لا باكتشافٍ علمي.

سقط والدها طريح مرضٍ لم يترك للأطباء ما يضيفونه، ولا للعائلة ما تدفعه. ولم تكن تملك ثمن “العناية الكنسيّة” التي تُفتح أبوابها بسخاء التبرعات، فوجدت نفسها أمام حقيقةٍ أبسط وأقسى معًا: إن لم تفهم المرض بنفسها، فلن يفهمه أحد.

لم يكن لديها معلم، ولا أدوات تُذكر. كتابٌ تمهيديّ في الكيمياء كان الشيء الوحيد المتاح، فتعاملت معه لا كمرجعٍ كافٍ، بل كأول خيطٍ يمكن الإمساك به. قرأت، ثم جرّبت، ثم أخطأت، ثم أعادت المحاولة دون أن تفكّر إن كان ما تفعله يُعدّ علمًا بالمعنى الذي تعترف به المؤسسات.

وحين تحسّن والدها أخيرًا، لم يكن الشفاء هو اللحظة الفاصلة، بل ما تلاها وفي تلك اللحظة أدركت القاعدة التي تحكم هذا العالم، "العلم الذي لا تعترف به الكنيسة لا يُعد علمًا، بل تجاوزًا"

لم تحاول مجادلة القاعدة، ولم تسعَ لكسرها. فعلت ما هو أبسط وأكثر فاعلية: أعادت تقديم ما توصّلت إليه داخل الإطار الذي يُسمح له أن يوجد. فقُبل العمل، مُنحت الرخصة، وصار لها مكانٌ واضح بدل أن تبقى استثناءً غير مرغوب فيه.

بَنَتْ نقابةً صغيرة، وتوسّع ذلك المكان مع الوقت. ظهرت أسماءٌ أخرى تعمل معها، ثم صار لهم تنظيمٌ مهنيّ قصير العمر… ازدهر سريعًا، ثم تراجع مع اضطراب الإمبراطورية نفسها، كما تراجعت أشياءٌ كثيرة لم يكن لها ذنبٌ سوى أنها وُلدت في زمنٍ غير مستقر.

لكن الاسم لم يتراجع بالقدر ذاته.

بقي يُستدعى كلّما احتاجوا إلى نتيجةٍ لا إلى نقاش ورغم أنها لم تتخطى 26 من عمرها إلى أن أغلب من في قاعة يحترمونها و لهذا لم تدخل القاعة اليوم ممثّلةً لمؤسسةٍ أو لعائلتها ، بل حاملةً خبرة ومن أهم شخصيات إمبراطورية.

والآن، وهي تتقدّم بخطواتٍ أقلّ ثباتًا مما توقعت، لم تستعد تاريخها بقدر ما تذكّرت بدايته: غرفةً ضيّقة، كتابًا مفتوحًا، ورجلًا يقاوم الموت.

ذلك الرجل كان جالسًا اليوم بين الحضور، يراها تصعد… لا لإنقاذ فردٍ هذه المرّة، بل لمحاولة إنقاذ ما تبقّى من صحّة إمبراطوريةٍ كاملة.

لم يكن صعودها يشبه صعود إلياس فقد توقّفت لحظةً قبل الدرجة الأولى، كأنها تتأكد أن لا أحد سيستدعي اسمًا آخر بدلًا منها، ثم صعدت بحذرٍ واضح، محاولةً أن تجعل خطواتها أقلّ إزعاجًا مما هي عليه.

وحين وصلت أمام العرش ، لم تمدّ يدها فورًا لتسلّم القلم، بل نظرت إلي مورغانا نظرةً قصيرة… نظرة من يقدّر وزن الشيء قبل أن يحمله.

ثم نظرت إلى مورغانا وتحدتث بصوت خافت "أخشى أنني لا أعرف أين أضعه حتى لا أضيّعه."

وصلت الجملة إلى مورغانا، فحملت معنى واضح فسألت بهدوء "تُضيعين الأشياء كثيرًا؟"

أجابت ليلى بصدق أربك بعض الذين يفهمون فحوى المحادته "الأشياء الكبيرة فقط."

حل صمت قصير لكن ليس صمت اعتراض… بل صمت تفكير.

ثم دفعت مورغانا القلم نحوها قليلًا وقالت

"إذن لا تحمليه وحدك. الوزارة لا تُدار من الجيب."

لم تكن مزحة صريحة، لكن خفّتها كانت كافية ليظهر ارتخاءٌ خفيف في أكتاف ليلى ثم تسلمت القلم وهذه المرة دون تردد

"هذا يطمئنني… لأنني لم أُحضر جيبًا مناسبًا أصلًا."

مرّت ابتسامة عابرة على وجه مورغانا — لم تدم، لكنها كانت واضحة لمن كان يراقب ثم حل صمت لم يدم طويلًا.

فما إن عادت ليلى إلى موضعها، حتى بدا واضحًا أن أثر كلماتها — أو ربما طبيعة عملها — لم يكن من النوع الذي يثير الجدل، بل من النوع الذي يجعل الحاضرين يراجعون بصمتٍ أشياء اعتادوا تجاهلها.

لكن الإمبراطورية، كما قال راي قبل قليل، لم تكن تعاني في داخلها فقط. و كان هناك ما هو أوضح من أن يُناقش… وأسوأ من أن يُؤجَّل.

طرقٌ رُمِّمت فوق رُقَعٍ أقدم منها، حتى لم يعد أحد يعرف أصلها.

مخازن استُهلكت أكثر مما صُمِّمت لتحتمل.

وأحياءٌ داخل الأسوار ازدادت اكتظاظًا دون أن يُفتح لها مجالٌ جديد.

كأن المدن لم تعد قادرة على النمو… ولا مسموحًا لها أن تموت.

لم تكن تلك مشكلاتٍ تُحلّ بعلاجٍ أو مرسوم،

بل بعملٍ يُعيد ترتيب ما بُني… قبل أن ينهار وهو قائم.

[وزارةُ الأشغال والبناء: الجهة المكلّفة بتشييد الطرق والجسور، وتنفيذ المشاريع العمرانية الكبرى، وضمان ترابط مدن الإمبراطورية واستمرار عمل بنيتها.]

تقدّم سيسلين بالصندوق التشريفات، كما فعل في المرات السابقة، وفتحه قرب العرش و بدا ما في داخله أقلّ زخرفةً ممّا اعتاده الحاضرون؛ مفتاحٌ أعرض، صيغ على هيئة أداةٍ أكثر منه رمزًا و نُقش عليه لقب "المِعمار"

وعلى القلم الذي وُضع إلى جواره " الأساس"

لم يكن في القطعتين ما يدعو للتأمّل الطويل… كأن الغاية منهما أن يُستعملا لا أن يُعرضا فتابع ري إعلان عن الإسم

[البارون آرثر ستون… يُرجى التقدّم.]

تردّد الاسم في القاعة لحظةً، لا لأنّه عظيم الوقع، بل لأنّ معظم الحاضرين حاولوا أن يتذكّروا إن كانوا قد سمعوه من قبل.

لم يتحرّك أحد في البداية.

ثم نهض رجلٌ من الصفوف المتأخرة، كأنّ النداء وصل إليه بعد أن تأكّد أن لا أحد سيسبقه إليه. لم يكن نهوضه متردّدًا، بل عمليًّا؛ حركةٌ مباشرة خالية من أي محاولةٍ لإضفاء وقارٍ لا يحتاجه.

لم يلتفت حوله ليرى من يراقبه، بل نظر إلى المسافة أمامه نظرةً سريعة، يقدّرها كما لو كانت ممرًّا في ورشةٍ ضيّقة، ثم بدأ السير.

لم يكن اسمه متداولًا في البلاط، لكنّه لم يكن غريبًا عن الإمبراطورية.

في أماكن أخرى — بعيدًا عن السجاد الأحمر والقرارات المختومة — كان اسمه يظهر أسفل المخططات، وفي هوامش المقترحات التي تصل ثم تُحفظ دون رد.

أرسل، على مدى سنوات، تصاميم لجسورٍ لم تُبنَ، وخططَ طرقٍ قيل إنّها سابقةٌ لزمانها، وأفكارًا رُفض بعضها لأنّه معقّد، وتُرك بعضها الآخر لأنّ صاحبها… بارونٌ لا يملك من النفوذ ما يكفي لفرض خياله على الواقع.

ومع ذلك، كانت تلك الأوراق تصل أحيانًا إلى حيث يجب أن تصل.

كان راي قد اطّلع على عددٍ منها.

لا بوصفها مشاريع مكتملة، بل بوصفها عقلًا يحاول أن يعيد ترتيب ما اعتاده الآخرون. عقلٌ لا يرى الطريق كما هو، بل كما يمكن أن يكون لو أُعيد رسمه من الأساس.

ولذلك لم يتردّد في قطعه الآن.

توقّف آرثر أمام العرش، وانحنى انحناءةً أقرب إلى التحية المهنية منها إلى المراسم. لم يُطلها، ولم يختصرها؛ أدّاها كما لو أنّها خطوةٌ ضمن إجراءٍ يجب إنجازه للانتقال إلى العمل.

و لم تتعجّل مورغانا الإشارة. تركت الصمت لحظةً، كأنها تمنح الحاضرين وقتًا كافيًا ليتفحّصوا الرجل الواقف أمامهم…ثم قالت، بنبرةٍ عادية خالية من الاحتفال

"​أيها البارون، موهبتُك واضحة، لكنّ الإمبراطورية الآن لا تحتاجُ مهندساً يحلمُ بالكمال، بل تحتاجُ بنّاءً يعرفُ كيف يسدُّ الثقوب قبل أن ينهارَ السقفُ فوق رؤوسنا جميعاً."

​توقفت مورغانا قليلاً، ثم دفعت القلم نحوه بجدية

​"ابدأ بالأساسات.. أما الزينة، فيمكنها أن تنتظر قرناً آخر."

مدّ آرثر يده، وتناول القلم كما لو كان أداةً يعرف وزنها. نظر إليه لحظةً قصيرة، ثم قال ببساطة

"أفهم، جلالتك. ما هو مكسورٌ أولى من كلّ ما سواه."

أدّى عبارة البروتوكول كما تقتضيه المراسم، بالنبرة نفسها التي تكلّم بها: "أرفع شكري بحدّ السيف وصدق الكلمات إلى شمس الإمبراطورية… وقمرها."

و انحنى، لا ببطءٍ احتفالي، بل بانضباطٍ واضح، ثم تناول صندوق التشريفات وأغلقه بنفسه قبل أن يتراجع إلى مكانه، حاملاً إياه كما حمل غيره ما خُصِّص لهم — لا تذكارًا، بل عدّة عملٍ أُسندت إليه.

________________

نهاية الفصل

________________

[معلومات جانبية: سيد المناهج]

[من عادات إمبراطورية أستر أن لا يُذكر الإمبراطور بعد وفاته باسمه وحده، لأن الاسم يخصّ الرجل، أمّا اللقب فيخصّ الأثر الذي تركه.ولهذا ارتبط الإمبراطور الرابع بلقب «سيد المناهج»،إذ شهد عهده انتقال المعرفة من ممارسات متفرّقة إلى أصولٍ تُقاس وتُراجع وتُعلَّم.]

2026/02/22 · 16 مشاهدة · 1208 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026