1 - الفصل الأول: الأبواب الثلاثة

الفصل الأول: الأبواب الثلاثة

في البداية لم يكن هناك ما يدعو للريبة.

كان كل شيء طبيعيًا إلى حدٍ مخادع، وكأن العالم تعمد أن يمنحنا آخر لحظات الطمأنينة قبل أن يسلبها منا دفعةً واحدة.

كنا نستعد لرحلة عائلية إلى البحر. الجميع كان موجودًا والداي، خالاتي، خالي، أبناء خالاتي، أبناء خالي... عائلة كاملة تستعد لقضاء يومٍ هادئ لا يحمل في ظاهره سوى الضحكات وأحاديث الطريق.

لم يكن في خاطري أي شيء غريب.

لم أكن أعلم أن عالمًا آخر كان ينهار في تلك اللحظة.

ركبت السيارة، وجلست أنظر من النافذة بينما المباني تمر ببطء، والطريق يمتد أمامنا بلا نهاية. شيئًا فشيئًا، بدأت عيناي تثقلان، ولم أشعر إلا وأنا أستسلم لغفوة قصيرة.

لكنها لم تكن غفوة.

كانت أشبه ببوابة.

في اللحظة التي أغمضت فيها عيني، شعرت بشيء لا أستطيع وصفه. لم يكن حلمًا عاديًا، ولم يكن مجرد خيال. كان أشبه بأن أحدًا انتزع وعيي من الزمن وأعادني إلى نقطة لا يعرفها أحد.

بدأت أرى تلميحات لا تنتهي.

صورًا متتابعة.

أحداثًا لم تقع بعد.

أسرارًا لم يكن من المفترض أن أعرفها.

وكأن الزمن نفسه كان يعرض عليّ مستقبله.

عندها فقط عرفت الحقيقة.

لم نكن وحدنا.

كان هناك عالم آخر متصل بعالمنا.

عالم يشبه عالمنا تمامًا. بشر مثلنا، مدن مثل مدننا، بيوت، شوارع، وحياة كاملة... لكن ذلك العالم كان يعيش نهايته.

لم يكن دمارًا طبيعيًا.

لم تكن حربًا.

كانت السماء نفسها قد تحولت إلى بابٍ للجحيم.

وحوش هائلة أخذت تهبط من الأعلى بلا توقف. عمالقة بأجساد مشوهة وملامح لا يمكن لعقلٍ سليم أن يتخيلها. وحوش أصغر حجمًا تملأ الأرض، وكائنات لا تشبه أي شيء عرفه البشر، حتى يأجوج ومأجوج كانوا جزءًا من ذلك الكابوس.

كل شيء هناك كان يموت.

كل شيء.

ولم يبق أمام البشر سوى خيار واحد...

الهرب.

اكتشفوا وجود ثلاثة أبواب تربط عالمهم بعالمنا.

كانت فرصتهم الأخيرة للنجاة.

بدأت موجات البشر تعبر تلك الأبواب، لا يحملون سوى الخوف، ولا يريدون سوى الحياة.

لكن عالمنا...

رفضهم.

لم يصدق أحد أنهم بشر.

اعتقد الجميع أنهم وحوش متنكرة، أو أن قدومهم يعني انتقال الكارثة إلينا.

أُغلقت الأبواب في وجوههم.

وفي اللحظة نفسها، بدأت الأخبار تنتشر بسرعة مرعبة.

عاجل.

فرض حظر تجول في جميع المناطق.

إيقاف الحركة.

إغلاق المدن.

انتهت رحلتنا إلى البحر قبل أن تبدأ.

عدنا جميعًا إلى بيت جدتي من جهة أمي، معتقدين أن الأمر مجرد حالة طوارئ مؤقتة.

لكن الصدمة الحقيقية كانت تنتظرنا هناك.

لم يكن بيت جدتي مجرد منزل.

كان أحد الأبواب الثلاثة.

تجمدت في مكاني.

كل ما رأيته في تلك الرؤى عاد أمامي دفعة واحدة.

ثم جاءت الصدمة الثانية.

باب آخر...

كان موجودًا داخل بيتنا.

أما الباب الثالث...

فلم أكن أعرف مكانه.

في تلك اللحظة شعرت أن المسؤولية كلها سقطت فوق كتفي.

كان بإمكاني أن أرمي قنبلة داخل الباب.

أن أفجره.

أن أمنع كل من يحاول العبور.

لكنني لم أستطع.

كلما أمسكت بالقنبلة، كان سؤال واحد يمزقني من الداخل.

ماذا لو كانوا بشرًا فعلًا؟

ماذا لو كانوا يهربون فقط؟

كيف سأقف أمام الله إن قتلت أناسًا لم يرتكبوا ذنبًا سوى أنهم حاولوا النجاة؟

أسقطت القنبلة من يدي.

وقررت أننا سنهرب بدلًا من أن نحكم بالموت على من لا نعرف حقيقتهم.

لكننا تأخرنا.

خرجنا إلى الشوارع...

فرأيت مشهدًا لن أنساه ما حييت.

لم تكن مجرد زحمة.

كانت البشرية كلها تركض.

الناس يدفعون بعضهم بجنون.

الأطفال يصرخون.

النساء يبكين.

السيارات متوقفة في كل مكان.

من يقف فوق سطح منزل ويرى ذلك المشهد، سيظن أنه يشاهد بحرًا من الأجساد البشرية يتحرك بلا نهاية.

كانوا يشبهون أسراب الزومبي.

ليس لأنهم وحوش...

بل لأن الخوف سلبهم كل شيء.

لم يعد أحد يفكر إلا في النجاة.

بدأ الجميع يجمع أغراضه بأقصى سرعة.

كل دقيقة كانت تساوي عمرًا كاملًا.

كانت هناك أكثر من سيارة.

سيارة لوالدي وعائلتي.

وسيارة لخالي مع أسرته.

أما أنا...

فكنت آخر من بقي.

ناولني أبي مفتاح السيارة، ثم نظر إليّ للمرة الأخيرة قبل أن يركب مع البقية.

قال بصوتٍ لن أنساه أبدًا:

"لا تنسَ مفتاح البيت."

دخلت مسرعًا.

أخذت المفتاح.

وفي اللحظة التي هممت فيها بالخروج، سمعت صوتًا مألوفًا.

التفت.

كان الببغاء.

نسيه الجميع وسط الفوضى.

حملته بسرعة، وضغطته إلى صدري، ثم ركضت بكل ما أملك من قوة نحو السيارة.

أغلقت الباب...

وأدرت وجهي نحو السماء.

وفي تلك اللحظة...

اختفى كل شيء.

ومضة بيضاء واحدة ابتلعت العالم بأكمله.

2026/06/28 · 6 مشاهدة · 662 كلمة
Cale
نادي الروايات - 2026