«سأغادر الآن، أيها المدير!»
«حسنًا، عودي إلى المنزل بأمان.»
انحنت جيهي برأسها مع ابتسامة مشرقة، ثم غادرت الحانة.
وعندما أخرجت هاتفها لتتفقد الوقت، كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة فجرًا بالفعل.
«سأنهي واجبي عندما أصل إلى المنزل، ثم أنام عند الخامسة.»
تمنت لو أنها عملت اليوم في متجر البقالة بدلًا من الحانة.
فقد كانت الحانة مزدحمة للغاية لدرجة أنها لم تجد وقتًا حتى لإلقاء نظرة على الكتب التي تحتاجها من أجل واجبها.
أسرعت جيهي في طريقها نحو الغوشيون.
[ملحوظة:الغوشيون هو نوع من السكن الصغير جدًا في كوريا، يُستخدم غالبًا من قبل:الطلاب،الموظفين،الأشخاص الذين يعيشون وحدهم بميزانية منخفضة.]
كانت يتيمة.
عاشت في دار للأيتام حتى بلغت التاسعة عشرة، لكن عندما أصبحت في العشرين، أُجبرت عمليًا على المغادرة.
كانت جميع الشقق القريبة من الجامعة ذات إيجارات شهرية باهظة.
وكان ذلك مبلغًا مستحيلًا بالنسبة لجيهي، التي لم تكن تملك حتى 500 ألف وون باسمها.
نظرت أيضًا في أمر السكن الجامعي، لكنها لم تستطع الانتقال إليه لأن حظر التجول كان سيمنعها من العمل بدوام جزئي لتأمين مصاريف معيشتها.
وبعد بحث طويل، وجدت غوشيون يبعد ساعة كاملة بالحافلة عن الجامعة.
ورغم رخصه، كان عازل الصوت فيه سيئًا للغاية والغرفة صغيرة جدًا.
كان مكانًا ضيقًا بمجرد وجود مكتب صغير وسرير، لكن جيهي كانت سعيدة لامتلاكها مكانًا خاصًا بها.
ومنذ ذلك الحين، واصلت العمل بجد في وظائفها الجزئية.
وعندما لا تكون في الجامعة، كانت تعمل طوال اليوم.
كما أنها لم تكن تستطيع التفريط بالمنح الدراسية، لذا كانت تدرس وهي لا تنام سوى ساعتين يوميًا.
«همم… أنا متعبة أكثر اليوم.»
تثاءبت جيهي وفركت عينيها.
ولحسن الحظ، لم تكن الحانة بعيدة جدًا عن الغوشيون، لذا كان بإمكانها الوصول إليه سيرًا على الأقدام بسهولة.
وربما لأنها أسرعت، وصلت إلى الغوشيون أبكر من المعتاد.
بعد أن اغتسلت بسرعة، جلست إلى مكتبها لتعمل على واجبها.
وأثناء انشغالها بالدراسة، لاحظت رائحة غريبة.
شمّت جيهي الهواء غريزيًا ونهضت من مقعدها.
«رائحة احتراق؟»
إن لم تكن مخطئة، فقد كانت رائحة شيء يحترق.
فتحت الباب فورًا وخرجت إلى الخارج.
كان الممر ممتلئًا بالدخان الكثيف، فغطّت جيهي فمها بيدها وهي تسعل.
"كح! كح!"
أسرعت بالضغط على جرس الطوارئ.
دوّى صوت مرتفع، لكن ربما لأن الوقت كان فجرًا، لم يُفتح أي باب من الأبواب المغلقة بإحكام.
في النهاية، عضّت جيهي شفتها وبدأت تطرق الأبواب وهي تصرخ:
«حريق! حريق! اخرجوا جميعًا!»
اختارت الصعود إلى الأعلى بدل النزول إلى الأسفل.
'لا بأس… الحريق لم يشتد بعد…'
لكن ذلك كان سوء تقدير من جيهي.
فكلما حاولت إيقاظ المزيد من الناس، استنشقت المزيد من الدخان.
"كح! كح!"
أصبحت تسعل بعنف أكثر من السابق.
شعرت بضيق في صدرها، وأصبح التنفس صعبًا.
"هااه… هااه…"
كانت رؤيتها تصبح ضبابية باستمرار.
ورغم أنها لم تكن تشعر بالنعاس، فإن عقلها بدأ يتشوش.
في تلك اللحظة، أظلم بصرها، وخارت ساقاها، فسقطت أرضًا بلا حول.
"أغغه…"
بدأت القوة تتلاشى تدريجيًا من جسدها.
وكان بإمكانها أن تشعر بوعيها وهو يختفي.
لم يكن هناك أحد حولها، فقط ضوء الطوارئ الخافت يومض في الظلام.
أدركت جيهي غريزيًا أن هذه هي النهاية.
'ما زالت لدي أشياء كثيرة أردت القيام بها.'
لو تحسنت ظروفها يومًا ما، لكانت أرادت أن تواعد أحدًا، وأن تسافر مع أصدقائها.
ارتجفت جفونها ثم أغلقت عينيها.
وقدمت جيهي أمنيتها الأخيرة.
'إن كانت هناك حياة أخرى…'
انسابت الدموع من عينيها المغمضتين.
'في حياتي القادمة، أريد أن أعيش بلا أي هموم.'
في مكان يضم عائلة دافئة، ومنزلًا، ومالًا.
وعندها، سمعت جيهي صوتًا يهمس في أذنها.
-نعم يا طفلتي-
كان الصوت لطيفًا إلى درجة بعثت الدفء في قلبها.
-سأحقق أمنيتكِ،لذا إرقدي بسلام-
ومع تلك الكلمات، تركت جيهي خيط الوعي الرفيع الذي كانت تتشبث به.
ارتخى جسدها الذي كان يقاوم، ولم يبقَ سوى صوت صفارات الإنذار يعلو في المكان.
✦ ✦ ✦
«إنه دافئ...»
كان المكان دافئًا ومريحًا.
وبينما كانت تلتف في مكانها راغبةً بالبقاء قليلًا أطول، سمعت صوتًا بدا مألوفًا وغريبًا في آنٍ واحد.
«يا طفلتي، حان وقت الاستيقاظ.»
«ممم...»
«ألا ترغبين في حياة جديدة؟»
عند تلك الكلمات، اتسعت عينا جيهي فجأة وجلست معتدلة بسرعة.
وأول ما وقع بصرها عليه كان شخصًا يشع نورًا ساطعًا.
«لحظة... هل هذا حقًا إنسان؟»
كان يشبه البشر، لكنه في الوقت نفسه لا يبدو بشريًا تمامًا.
ذلك الهالة الغامضة، والشعر الذهبي، والعينان الذهبيتان الأكثر إشراقًا، كلها سلبت انتباهها.
حدّقت به بذهول قبل أن تفتح فمها بحذر.
«من أنت؟»
«كيف يمكنني شرح الأمر... حسنًا، في هذا العالم يطلقون عليّ اسم الحاكم.»
«الحاكم...»
رغم أن الأمر بدا سخيفًا، إلا أن هذا الشخص شعر فعلًا وكأنه حاكم.
وفجأة تدفقت ذكرياتها الأخيرة إلى ذهنها.
«...هل أنا ميتة؟»
أومأ الحاكم برأسه ردًا على سؤال جيهي.
«لقد ضحّيتِ بنفسك لإنقاذ الكثير من الناس، لم يكن قرارًا سهلًا، لكنك لم تترددي، لذا أريد أن أكافئك على طيبتك.»
"..."
«إذا رغبتِ، سأمنحك حياة جديدة، أنا لا أُجبركِ على ذلك. إن لم تريدي، يمكنكِ فتح ذلك الباب والمغادرة.»
اتبعت جيهي كلمات الحاكم ونظرت خلفها، لترى بابًا أبيض ناصعًا قائمًا هناك.
عبثت بيديها بتوتر قبل أن تتحدث.
«إذًا... سأُولد من جديد؟»
«صحيح.»
«وما نوع... الحياة التي ستمنحني إياها؟»
«الحياة التي تمنيتِها. حياة تمتلكين فيها العائلة، والمال، والأصدقاء، والحب.»
رمشت ببطء ثم أومأت برأسها.
«أريد حياة جديدة، أريد أن أكون سعيدة هناك.»
كان صوت جيهي مبللًا بالعاطفة وهي تعبّر عن رغبتها بالسعادة.
اقترب الحاكم منها وربت على خدها بلطف.
«نعم، سأحقق لكِ ما تتمنينه.»
«...حقًا؟»
«نعم.»
ومع ابتسامة الحاكم الهادئة، ابتلعت جيهي ريقها بتوتر.
«وهل يمكنني أن أطلب منكِ معروفًا واحدًا؟»
«أي... معروف؟»
«أنقذي طفلًا، لقد تغيّر قدره بسبب خطأ ارتكبه حاكم آخر.»
«وكيف سأعرف الطفل الذي تتحدث عنه؟»
«ستعرفينه فور رؤيته.»
لوّح الحاكم بيده بخفة.
فظهرت حفرة دائرية أمام جيهي.
«المكان الذي ستولدين فيه من جديد ليس العالم الذي كنتِ تعيشين فيه.»
«إذًا أين هو؟»
«إمبراطورية روفيريوم في عالم آخر.»
بدت جيهي مشوشة أمام الاسم الغريب.
«ستُبعثين كأصغر ابنة محبوبة لعائلة الدوق رييستا في إمبراطورية روفيريوم.»
ألقت جيهي نظرة مترددة داخل الحفرة.
كانت مظلمة للغاية، لدرجة أنها شعرت وكأنها ستختفي إن سقطت فيها.
ابتلعت ريقها واقتربت من الحفرة.
كانت مجرد خطوة واحدة، لكن لماذا بدت صعبة إلى هذا الحد؟
وفي النهاية، ابتسم الحاكم بلطف واقترب منها.
«لا بأس، لن أؤذيكِ أبدًا.»
حالما سمعت تلك الكلمات، هدأ قلبها القلق بطريقة عجيبة.
أخذت نفسًا عميقًا، وأغمضت عينيها بإحكام، ثم قفزت داخل الحفرة.
«كوني سعيدة، يا طفلتي.»
سمعت صوت الحاكم يتلاشى بخفوت.
وكانت ابتسامة قد ارتسمت بالفعل على شفتي جيهي.
✦ ✦ ✦
«تهانينا يا سيدتي.»
عند كلمات إيدل، الطبيب الخاص لعائلة الدوق، اتسعت عينا إيفون بدهشة.
كانت تملك شعراً قصيراً يصل إلى أسفل أذنيها، ومظهراً حاد الملامح.
«أتقصد…»
«أنتِ حامل.»
جاكال، الذي كان يجلس بجانبها، نهض من مقعده بصدمة.
«حقًا؟»
«نعم، يا صاحب السمو.»
أومأ إيدل بابتسامة خفيفة.
بعد مغادرة الطبيب، جثا جاكال على ركبة واحدة أمام إيفون ووضع يده بحذر فوق بطنها التي لم تظهر عليها علامات الحمل بعد.
«التفكير بأن طفلاً آخر سيأتي إلينا…»
«أعلم، لقد تفاجأت أنا أيضًا.»
وضعت إيفون يدها فوق يد جاكال بابتسامة دافئة.
أخبرت إيفون وجاكال رويان وتشيسار فورًا أن شقيقًا جديدًا سينضم إلى العائلة.
«شقيق جديد؟»
«أخيرًا!»
تلألأت عينا رويان بحماس.
فقد كان دائمًا يتمنى أختًا صغيرة.
أما تشيسار، فقد بدا منزعجًا قليلًا.
لم يكن يتوقع الأمر، وجعلته فكرة وجود شقيق جديد يشعر ببعض الغرابة.
لكنه لم يكره ذلك الشعور الدافئ الذي ملأ صدره.
انتشر خبر حمل إيفون بطفلها الثالث بسرعة في أوساط المجتمع الراقي.
كانت عائلة دوقية رييستا معروفة بين الناس باسم "عائلة الدوق الوحش".
فجاكال، ربّ عائلة رييستا، كان واحدًا من قلائل أساتذة السيف في الإمبراطورية وقائد فرسان الإمبراطور المباشرين.
أما الدوقة إيفون فلم تكن شخصًا عاديًا أيضًا.
فقد كانت رئيسة برج السحر الوحيد في الإمبراطورية، ولم يظهر أحد يملك مقدار المانا أو الموهبة التي تمتلكها إيفون.
أما ابناهما، الابن الأكبر رويان والثاني تشيسار، فقد أظهرا بالفعل موهبة استثنائية في المبارزة وكانا ينموان بسرعة مخيفة.
«إذًا عائلة الدوق سترزق بطفل ثالث؟»
«أتساءل أي نوع من الوحوش سيولد هذه المرة…»
هزّ الناس رؤوسهم.
كانوا متأكدين أن الطفل الثالث سيملك قدرات مرعبة أيضًا.
وبغض النظر عمّا كان يُقال في الخارج، اعتنت إيفون كثيرًا بنفسها خلال فترة الحمل.
كبر بطنها شيئًا فشيئًا، ورغم أن المشي والاستلقاء أصبحا مرهقين، إلا أنها كانت متشوقة لرؤية نوع الطفل الذي سيولد.
«جاكال، هل سيكون طفلنا الثالث فتاة أم فتى؟»
«لدينا ولدان بالفعل، لذا سيكون من الجميل أن تكون فتاة.»
«وماذا لو كان فتى؟»
«سيكون ذلك رائعًا أيضًا، إنه طفلنا.»
ابتسم جاكال بخفة وقبّل جبين إيفون قبلة قصيرة.
ومع اقتراب موعد الولادة، جهزوا غرفة للولادة مسبقًا تحسبًا لأي طارئ.
وفي إحدى الأمسيات، بينما كانوا يتناولون العشاء بهدوء، ارتجفت إيفون فجأة وأسقطت الشوكة التي كانت تمسكها.
رنّ صوت اصطدامها الحاد، فالتفت الجميع نحوها بغريزة.
"هاه…!"
انحنت إيفون وهي تمسك بطنها.
لقد انفجر كيس الماء لديها، وبدأ السائل يتدفق.
نهض جاكال فورًا من مكانه وحمل إيفون بين ذراعيه.
«أحضروا آنا! بسرعة!»
«ن-نعم!»
ارتعبت الخادمة واندفعت إلى الخارج مسرعة.
~الترجمة من قبل إيفالينا🤍~