كانت العودة إلى إينابا سريالية. القرية التي كانت ذات يوم ساحة معركة دموية، ثم رمزاً للسلام الهش، كانت الآن هادئة بشكل مخيف. بناءً على أوامر ريو وجارو، تم إخلاء القرية والمنطقة المحيطة بها. لم يتبق سوى عدد قليل من الجنود المخلصين، ومجلس الظل، والعالم الذي كان على المحك.

اجتمعوا في وسط القرية، في نفس المكان الذي هزم فيه هاروما كايتو. كان الهواء ثقيلاً بالترقب. لم يكن هناك عدو مرئي، ولا جيش يقترب. كان العدو هو الواقع نفسه الذي بدأ يتفكك من حولهم.

“الصدع ينمو”، قالت سيرا، وعيناها مغمضتان. “أستطيع أن أشعر به. إنه مثل ثقب في روحي، يزداد اتساعاً”.

كان هاروما يشعر به أيضاً. كانت قوته الروحية الهائلة تتجاوب مع الطاقة غير المستقرة، مما جعله يشعر بالغثيان والدوار. كان الأمر أشبه بالوقوف على حافة شلال، والشعور بقوة السحب التي لا تقاوم.

“حان الوقت”، قال هاروما. أخرج الأحجار الثلاثة. الحجر الأخضر من قلب الجبل، ينبض بقوة الحياة. الحجر الأزرق من البحر الصامت، يمتص الضوء والطاقة. والحجر الأبيض من السماء المتوازنة، يشع بهدوء وثقة.

“وفقاً للمخطوطات”، قال ريو، الذي انضم إليهم مع جارو في هذه المواجهة النهائية، “يجب وضع الأحجار في مثلث حول مركز الاضطراب. يجب أن تخلق مجال احتواء، وتجبر الصدع على اتخاذ شكل مادي”.

“هذا يعني أن أياً كان ما سيخرج، فسيخرج هنا”، قال جارو، وهو يسحب سيفه. “نحن مستعدون”.

وضع هاروما وآنيا وسيرا الأحجار في مواقعها. الحجر الأخضر على الأرض، ليربطه بقوة الحياة. الحجر الأزرق في حوض ماء صغير، ليربطه بطاقة الفراغ. والحجر الأبيض على قمة عمود خشبي، ليربطه بتوازن السماء.

بمجرد وضع الحجر الأخير، حدث التغيير. توقفت الرياح. صمتت الطيور. أصبح العالم صامتاً تماماً. ثم، بدأ الهواء في وسط المثلث في التموج، مثلما يفعل فوق نار ساخنة. ظهر صدع أسود في الهواء، ليس صدعاً مادياً، بل صدعاً في الرؤية، ثقب في نسيج الواقع.

بدأ الصدع في النمو، وتوسع من خط رفيع إلى فجوة فمها فاغر. لم يكن هناك شيء في الداخل، مجرد ظلام مطلق. لكن من هذا الظلام، بدأ شيء ما في الظهور. لم يكن وحشاً أو جيشاً. كان انعكاساً. انعكاساً مشوهاً للعالم الذي كانوا يعرفونه.

من الصدع، تدفقت نسخة كابوسية من قرية إينابا. كانت المباني ملتوية ومتحللة، وكانت السماء ذات لون أحمر دموي، وكانت الأرض مغطاة برماد أسود. ثم جاءت الأصوات، صرخات آلاف الأرواح التي استهلكها الصدع على مر العصور، صرخة جماعية من الألم والجوع.

“إنه لا يخلق”، أدرك هاروما برعب. “إنه يقلد. إنه يأخذ ما يستهلكه، ويحوله إلى سلاح”.

من القرية الكابوسية، خرجت شخصيات. لم تكن وحوشاً، بل كانت أشباحاً، أصداء لأشخاص ماتوا. رأى هاروما وجوه جنود كايتو الذين قتلهم. رأت آنيا وجوه القتلة الذين خانتهم. رأى جارو وجوه رفاقه الذين سقطوا في المعركة. ورأت سيرا الوجه الأكثر رعباً على الإطلاق: وجه كايتو، ليس كما كان في أيامه الأخيرة، بل كما كان في ذروة قوته، وعيناه تحترقان بقوة الصدع.

“هذا هو الاختبار النهائي”، همست سيرا. “إنه يستخدم ماضينا ضدنا. إنه يستخدم مخاوفنا وندمنا لتدميرنا”.

بدأت الأشباح في الهجوم. لم تكن لديهم أسلحة مادية، لكن لمساتهم كانت باردة كالثلج، وكانت تستنزف القوة الروحية والحياة من أي شخص يلمسونه. كان القتال ضدهم أشبه بالقتال ضد ضباب، قتال ضد ذكرياتك الخاصة.

قاتل جارو بشراسة، وكان سيفه يتوهج بقوة روحه، ويقطع الأشباح التي كانت تتلاشى وتتشكل من جديد. قاتلت آنيا بخفة حركة قاتلة، وكانت سكاكينها تتحرك بسرعة كبيرة لدرجة أنها بدت وكأنها شبكة من الفضة، مما أبقى الأشباح بعيدة. كان ريو، الذي لم يكن مقاتلاً، يستخدم معرفته بالرموز القديمة لرسم حواجز واقية على الأرض، مما أدى إلى إبطاء تقدم الأشباح.

كانت سيرا تقاتل بطريقة مختلفة. لم تهاجم الأشباح. بدلاً من ذلك، كانت تمتص طاقتهم المظلمة، وتستخدم معرفتها بالصدع لتحويلها وتشتيتها. كانت ترقص في وسط العاصفة، وهي نفسها شبح من نوع مختلف، تحارب النار بالنار.

لكن العبء الأكبر وقع على هاروما. كان هو المرساة، مركز قوتهم. كانت الأشباح تنجذب إليه أكثر من أي شخص آخر، وكانت قوته الروحية الهائلة هي الجائزة الكبرى للصدع. كان عليه أن يقاتل ليس فقط الأشباح من حوله، بل أيضاً شبح كايتو، الذي كان يقف عند حافة الصدع، ويضحك.

“انظر إليهم يا هاروما”، قال صوت كايتو في عقله. “إنهم يقاتلون من أجل عالم محكوم عليه بالفناء. إنهم يتمسكون بذكريات مؤلمة، ويرفضون رؤية الحقيقة. الحقيقة هي أن كل شيء ينتهي. كل شيء يتحول إلى رماد. لماذا تقاوم ما لا مفر منه؟ انضم إلي. معاً، يمكننا أن نكون سادة هذا الفناء. يمكننا أن نكون النظام في قلب الفوضى”.

كان الإغراء قوياً. شعر هاروما بالإرهاق، ليس فقط من القتال، ولكن من ثقل مسؤولياته. لقد أراد فقط أن تنتهي. أراد فقط أن يستريح.

لكنه نظر إلى أصدقائه. رأى جارو وهو يصرخ في تحدٍ، ويدافع عن ريو الذي كان يرسم دائرة واقية أخيرة. رأى آنيا وهي تتحرك مثل الظل، وتحمي ظهر سيرا. ورأى سيرا، وهي تواجه الظلام الذي كانت ذات يوم جزءاً منه، وتستخدمه الآن لحمايتهم. لم يكونوا يقاتلون من أجل فكرة مجردة عن العالم. كانوا يقاتلون من أجل بعضهم البعض.

في تلك اللحظة، فهم هاروما شيئاً. لم يكن كايتو مخطئاً تماماً. كل شيء ينتهي. لكن المهم ليس النهاية، بل ما تفعله بالوقت المتاح لك. المهم هي الروابط التي تبنيها، والخيارات التي تتخذها، والآثار التي تتركها وراءك.

“أنت مخطئ يا كايتو”، قال هاروما، ليس لشبحه، بل للصدع نفسه. “أنت ترى فقط النهاية. لكننا نعيش في اللحظة. وهذه اللحظة ملكنا”.

جمع هاروما كل قوته الروحية. لم يهاجم الأشباح. لم يهاجم الصدع. بدلاً من ذلك، فعل شيئاً لم يتوقعه أحد. لقد أطلق العنان لقوته بالكامل، ليس كسلاح، بل كمنارة. لقد غمر ساحة المعركة بضوء نقي ودافئ، ضوء لم يكن يدمر، بل كان يشفي.

عندما لمس الضوء الأشباح، لم تحترق. لقد توقفت ببساطة. وللحظة، تغيرت تعابير وجوههم المعذبة. رأى هاروما شبح جندي يبتسم بسلام. رأت آنيا شبح قاتل يومئ برأسه في احترام. رأى جارو شبح صديق يرفع يده في وداع. لقد تم تحريرهم من ألمهم، ومن جوع الصدع. لقد وجدوا السلام.

تلاشت الأشباح، وعادت إلى الظلام، ليس كأرواح مستهلكة، بل كأرواح في حالة راحة. حتى شبح كايتو تردد للحظة، وظهر أثر من الحزن على وجهه، قبل أن يتلاشى هو الآخر.

كانت ساحة المعركة فارغة الآن. لم يتبق سوى الأبطال الخمسة المتعبين، والصدع الذي كان لا يزال مفتوحاً في وسطهم، ينبض مثل قلب مظلم. لقد فازوا في المعركة، لكن الحرب لم تنته. لقد هزموا أعراض المرض، لكن المرض نفسه كان لا يزال موجوداً.

“ماذا الآن؟” سأل جارو، وهو يلهث. “هل أغلقته؟”

“لا”، قال هاروما، وعيناه مثبتتان على الفجوة النابضة. “لقد أظهرت له فقط أننا لسنا خائفين. لكنه لا يزال جائعاً. والأحجار… إنها تضعف”.

كان على حق. كانت الأحجار الثلاثة تفقد توهجها ببطء، حيث كانت تكافح لاحتواء القوة الهائلة للصدع. كان لديهم القليل من الوقت.

“لا يمكننا إغلاقه من هنا”، قالت سيرا، وصوتها متوتر. “إنه مثل محاولة سد بركان من الخارج. يجب على شخص ما أن يدخل. يجب على شخص ما أن يذهب إلى قلب العاصفة، ويغلق الباب من الداخل”.

ساد صمت مطبق. كانوا جميعاً يعرفون ما يعنيه ذلك. الدخول إلى الصدع كان رحلة باتجاه واحد. سيكون تضحية نهائية.

نظر الجميع إلى هاروما. كان هو الوحيد الذي لديه القوة الروحية الكافية للنجاة من العبور، ولو للحظات قليلة. كان هو الوحيد الذي يمكنه القيام بهذه التضحية.

وقف هاروما طويلاً، وهو ينظر إلى الظلام الذي لا نهاية له داخل الصدع. لقد بدأ هذه الرحلة كشاب عادي مات فجأة. والآن، كان على وشك أن يموت مرة أخرى، ليس عن طريق الصدفة، ولكن عن طريق الاختيار. وكان هذا الاختيار سيحدد مصير العالم.

2026/02/08 · 15 مشاهدة · 1161 كلمة
FOF
نادي الروايات - 2026