43 - قصه جانبيه سيلاس الجزء الاول

كان الظلام رفيق سيلاس الأبدي، رفيقاً لا يخون ولا يطرح أسئلة. في هذا العالم الذي تكسوه سماء حمراء قانية، كان الظل هو ملجأه الوحيد، وميدان عمله. لم يكن سيلاس مجرد صياد أرواح، بل كان تجسيداً للكفاءة الصامتة، أداة حادة في يد عشيرة الكايبا، لا تعرف الرحمة ولا التردد. قناعه المعدني الذي يشبه وجه الغراب كان يخفي ملامح وجهه، ويحجب أي تعبير بشري قد يكشف عن دواخله، تاركاً عينيه الحمراوين فقط تتوهجان كجمرتين في ليل لا ينتهي.

في تلك الليلة، كانت الرياح تحمل معها رائحة الموت واليأس، ممزوجة بعبق الكبريت المنبعث من الأراضي القاحلة. كانت مهمته بسيطة وواضحة: تعقب روح هاربة، روح رفضت أن تخضع لـ "حصاد الأرواح" الدوري الذي تفرضه عشيرة الكايبا. هذه الروح، التي كانت لتاجر عجوز يدعى "إيزومي"، كانت قد اختبأت في أنقاض مدينة قديمة، مدينة ابتلعتها الرمال والنسيان منذ قرون. لم يكن إيزومي يمتلك قوة روحية تذكر، لكن عناده كان أسطورياً، عناد أثار فضول سيلاس بشكل عابر.

تحرك سيلاس بخفة شبح، عباءته الممزقة التي تبدو وكأنها مصنوعة من دخان سائل كانت تلتف حوله، تندمج مع الظلال من حوله، فلا يكاد يرى إلا عندما يشاء هو ذلك. سيفه النحيف الطويل، بلونه الأسود المطفي، كان معلقاً على ظهره، لا يعكس الضوء أبداً، وكأنه يمتص كل بصيص أمل من حوله. كان يفضل العمل منفرداً، فالرفقة كانت عبئاً، والثرثرة تشتيتاً. في هذا العالم، كانت الكلمات مجرد أصوات فارغة، أما الأفعال، فكانت هي اللغة الوحيدة المفهومة.

وصل إلى أطراف المدينة المنسية، حيث كانت هياكل المباني الشاهقة تقف كأشباح عملاقة، تمد أذرعها نحو السماء الحمراء. كانت المدينة صامتة، صمتاً لا يقطعه سوى حفيف الرياح وهمسات الأرواح الضائعة التي لم تجد طريقها بعد. علم سيلاس أن إيزومي لن يكون وحيداً. فالأرواح الهاربة غالباً ما تتجمع، تبحث عن بعضها البعض في محاولة يائسة لتشكيل نوع من المقاومة، أو ربما لمجرد الشعور بالدفء في هذا العالم البارد.

تسلل عبر الأزقة المظلمة، حواسه الروحية تعمل بكامل طاقتها، تلتقط أدنى اهتزاز في الطاقة الروحية. كان يعرف أن إيزومي كان يمتلك بعض المعرفة بالتحصينات الروحية البدائية، والتي كانت كافية لإخفائه عن الصيادين الأقل خبرة، لكنها كانت مجرد ضوضاء لسيلاس. توقف فجأة، التقط إشارة. ليست إشارة إيزومي، بل إشارة أخرى، أكثر قوة، وأكثر شراسة. كان هناك "فارغ" (The Empty) في الجوار.

الفارغون كانوا كائنات مأساوية، أرواح فقدت كل وعيها وإنسانيتها بعد أن تم استنزافها بالكامل من قبل آلة حصاد الأرواح، أو بعد أن رفضت الخضوع للموت الطبيعي في العالم الآخر. كانوا يتجولون بلا هدف، يبحثون عن أي طاقة روحية ليمتصوها، مجرد قذائف فارغة من الحياة. كان سيلاس يكره الفارغين. لم يكن يكرههم بسبب خطرهم، بل بسبب ما يمثلونه: نهاية مروعة لكل روح.

ظهر الفارغ من بين الأنقاض، كائن ضخم مشوه، كانت أطرافه طويلة بشكل غير طبيعي، وعيناه مجرد ثقبين مظلمين. كان يطلق صرخات مكتومة، صرخات كانت في يوم من الأيام كلمات بشرية. لم يتردد سيلاس. سحب سيفه الأسود، الذي بدا وكأنه يمتص الضوء من حوله. تحرك بسرعة خاطفة، لم يكن هناك مجال للمناورة أو اللعب. الفارغون لا يفهمون إلا لغة القوة المطلقة.

دار سيلاس حول الفارغ، سيفه يقطع الهواء بصوت خافت. ضربة واحدة، دقيقة، استهدفت النقطة الروحية الضعيفة في صدر الكائن. انبعث وهج أسود من السيف، اخترق جسد الفارغ، الذي تجمد للحظة، ثم انهار إلى رماد متناثر في الهواء. لم يشعر سيلاس بأي شيء. لا انتصار، لا شفقة. مجرد إنجاز لمهمة أخرى. كان هذا هو روتينه، وهذا هو عالمه.

بعد أن تخلص من الفارغ، استأنف سيلاس بحثه عن إيزومي. كان يعلم أن الروح الهاربة لن تكون بعيدة عن مصدر الطاقة الروحية الذي جذب الفارغ. كان إيزومي يختبئ في قبو تحت معبد قديم، محاطاً بتحصينات روحية ضعيفة، لكنها كانت تعكس يأس الرجل. عندما وصل سيلاس إلى المدخل، سمع همسات خافتة. لم تكن همسات خوف، بل همسات غضب.

"لن تأخذوا روحي!"، صاح صوت إيزومي الضعيف من الداخل. "لقد عشت حياتي بشرف، ولن أكون وقوداً لآلتكم الشيطانية!".

توقف سيلاس للحظة. هذه الكلمات، هذا العناد، كانت تذكره بشيء ما، بشيء فقده منذ زمن طويل. لكنه سرعان ما نفض هذه الأفكار. المشاعر كانت ضعفاً، والضعف كان يعني الموت في هذا العالم. دفع الباب الخشبي المتهالك، ودخل إلى القبو المظلم، حيث كان التاجر العجوز ينتظره، وعيناه تشتعلان بغضب أخير. كان سيلاس يعلم أن هذه المهمة لن تكون مجرد مطاردة أخرى، بل ستكون بداية لشيء أعمق، شيء سيهز أركان عالمه الصامت.))

2026/02/17 · 7 مشاهدة · 674 كلمة
FOF
نادي الروايات - 2026