1 - الكتاب الذي لا يُفترض أن يوجد

كان المبنى القديم للأرشيف الوطني يقع في طرف المدينة كأنه نسي نفسه عمداً، جدرانه رمادية متآكلة، ونوافذه العالية مغطاة بطبقة من الغبار تجعل الضوء الداخل يبدو كأنه يمر عبر ذاكرة مريضة. في الداخل، لم يكن المكان هادئًا بقدر ما كان صامتًا بشكل غير طبيعي، الصمت الذي لا يشبه غياب الصوت بل يشبه وجود شيء يمنع الصوت من أن يولد أصلًا.

ألكسندر ميروف كان يسير بين الممرات الضيقة بخطوات محسوبة، يحمل ملفًا صغيرًا بيده اليسرى، وعيناه تمسحان الرفوف الطويلة كأنه لا يبحث عن كتاب بل عن خلل في النظام نفسه. كان يؤمن أن كل شيء في هذا المكان قابل للتصنيف، حتى الفوضى، حتى النسيان.

قال الموظف خلفه بصوت منخفض وهو يفتح باب غرفة داخلية: “لا أحد يأتي هنا عادة… هذا الجزء لم يُستخدم منذ سنوات.”

لم يرد ألكسندر، فقط أومأ برأسه وهو يدخل. الهواء داخل الغرفة كان أثقل، كأن الكلمات التي قيلت هنا سابقًا لم تغادر المكان بل ترسبت في الجدران.

في الزاوية، كان هناك رف منفصل عن باقي الأرشيف، لا يحمل أي علامات واضحة، فقط صناديق خشبية قديمة مرصوصة بشكل غير دقيق، كما لو أن من وضعها لم يكن مهتمًا بالنظام أصلًا.

اقترب ألكسندر، وفتح أحد الصناديق. أوراق، ملفات، أشياء بلا قيمة ظاهرة. ثم لاحظ شيئًا مختلفًا.

كتاب.

لم يكن كبيرًا، ولا مزخرفًا، ولا يحمل عنوانًا واضحًا. الغلاف كان داكنًا إلى درجة لا يمكن تحديد لونه، كأن اللون نفسه يتردد في الاعتراف بوجوده.

أمسكه. كان خفيفًا بشكل غير منطقي، كأن وزنه لا يتبع قوانين المادة المعتادة.

قال الموظف وهو ينظر إليه من الباب: “ذلك… لم يُسجل في الفهرس.”

“كل شيء يُسجل في الفهرس.” قال ألكسندر دون أن يرفع نظره عن الكتاب.

“ليس هذا.”

فتح ألكسندر الغلاف. الصفحة الأولى كانت فارغة تمامًا. لا عنوان، لا مقدمة، لا اسم مؤلف. فقط فراغ أبيض نقي، لكنه لم يكن مريحًا. كان الفراغ يبدو كأنه “مقصود”.

قلب الصفحة. نفس الشيء.

ابتسم ابتسامة قصيرة، ليست سخرية بل اختبار.

“كتاب بلا محتوى… إما أنه خدعة أو أنه مهمل.”

أغلقه للحظة ثم فتحه مرة أخرى بسرعة، كأنه يختبر ثباته. الصفحة نفسها، لكن هذه المرة لم تكن فارغة تمامًا.

كانت هناك جملة واحدة فقط:

“أنت تتأخر دائمًا عندما تعتقد أنك تصل أولًا.”

توقف الزمن داخل رأسه لجزء من الثانية. ليس دهشة، بل إعادة تقييم فورية للواقع.

“مثير للاهتمام.” قال بصوت منخفض.

من خلفه، الموظف اقترب خطوة: “هل هناك شيء مكتوب؟”

“لا شيء مهم.”

لكن عينيه بقيتا على الجملة. لم تكن هناك طريقة منطقية لوجودها، لا حبر جديد، لا أثر كتابة، لا أي علامة على التلاعب الفيزيائي.

أغلق الكتاب مرة أخرى.

“سآخذه معي.”

“هذا غير مسموح—”

“سأعيده إذا كان ذا قيمة.” قاطعه ألكسندر بهدوء دون رفع صوته.

صمت الموظف. ليس لأنه اقتنع، بل لأنه أدرك أن الاعتراض لن يغير شيئًا.

غادر ألكسندر الأرشيف والكتاب تحت ذراعه، كأنه يحمل ملفًا آخر ضمن عمله اليومي. لكن الهواء خارج المبنى بدا مختلفًا قليلاً، ليس فيزيائيًا، بل في الطريقة التي يُدرك بها. كأن المدينة نفسها أصبحت أقل ثباتًا مما كانت عليه قبل دخوله.

في المساء، كان مكتبه في مركز الأبحاث مضاءً بضوء أبيض بارد. شاشة الكمبيوتر أمامه مليئة بالمعادلات، تقارير الإدراك البشري، ونماذج سلوك معقدة. وضع الكتاب على الطاولة دون اهتمام زائد، ثم عاد إلى عمله.

لكن بعد دقائق، لاحظ شيئًا.

لم يكن يتذكر لماذا فتح الملف الذي أمامه.

توقف.

“أنا لم أكن أعمل على هذا المشروع اليوم.”

أغلق الملف وفتحه مرة أخرى. التواريخ صحيحة، البيانات صحيحة، لكن الشعور الداخلي بالانتماء إلى هذه البيانات غير موجود. كأنه يقرأ عمل شخص آخر يحمل اسمه.

نظر إلى الكتاب.

“هل هذا تأثير إدراكي؟”

أخذ الكتاب ببطء، فتحه مجددًا.

الصفحة الأولى الآن كانت مختلفة.

الجملة لم تعد نفسها.

“أنت بدأت تلاحظ.”

أغلقه بسرعة.

هذه المرة لم يبتسم.

جلس على الكرسي، وأسند ظهره، وأخذ نفسًا طويلًا.

“تعديل إدراكي فوري… لا، هذا غير ممكن. لا يوجد محفز كافٍ لإحداث تأثير نفسي بهذه السرعة.”

أعاد فتح الكتاب.

الجملة الجديدة ظهرت فورًا:

“أنت تحاول أن تشرحني قبل أن تفهمني.”

أغلقه مرة أخرى، ثم وضعه أمامه مباشرة، كأنه يواجه كيانًا وليس كتابًا.

“من أنت؟”

لم يكن يتوقع إجابة.

لكن الصفحة التالية انقلبت وحدها.

الجملة كانت أقصر هذه المرة:

“أنت.”

تراجع ألكسندر قليلًا على الكرسي. ليس خوفًا، بل إعادة تموضع ذهني.

“هذا مستحيل… لا يوجد نظام تفاعلي يمكنه تعديل محتوى بهذه الطريقة بدون مدخل خارجي.”

نهض، أخذ الكتاب، وبدأ يفحصه من الخارج بدقة. الغلاف، الحواف، الوزن، المادة. لا شيء غير طبيعي.

ثم قال بصوت منخفض:

“إذا كنت نظامًا، فلابد أنك تعتمد على مدخل غير مرئي.”

في تلك اللحظة، رن هاتفه.

لم ينظر فورًا. بقي يحدق في الكتاب لثوانٍ، ثم التقط الهاتف.

رقم غير معروف.

ضغط على الرد.

صوت امرأة جاء من الطرف الآخر، هادئًا بشكل غير مريح، كأنه لا يستخدم الهواء بل فكرة الصوت:

“أنت فتحت الكتاب.”

توقف.

“من هذا؟”

“لا يهم.”

صمت قصير.

“من المفترض أنك لم تعد تملكه الآن.”

نظر إلى الكتاب أمامه.

“هو مجرد كتاب.”

ضحكة خفيفة، ليست ساخرة، بل كأنها تعرف شيئًا لا يحتاج للسخرية.

“قل هذا بعد الصفحة العاشرة.”

انقطع الاتصال.

ألكسندر نظر إلى الهاتف، ثم إلى الكتاب، ثم قال بصوت منخفض جدًا:

“إذا كان هذا تهديدًا، فهو ضعيف.”

لكن عندما أعاد نظره إلى الصفحة المفتوحة، كانت هناك جملة جديدة لم تكن موجودة قبل ثانية واحدة:

“أنت تقول هذا لأنك لم تخسر شيئًا بعد.”

وفي نفس اللحظة، في مبنى آخر على الطرف المقابل من المدينة، كانت لينا كاردن تقف عند نافذة غرفة مراقبة قديمة، تنظر إلى الضوء البعيد للأرشيف. لم تكن تحتاج إلى أجهزة لتعرف ما حدث.

قالت بهدوء، وكأنها تتحدث لنفسها:

“وجدوه.”

ثم أغلقت النافذة ببطء، وكأنها تغلق احتمالًا وليس زجاجًا.

2026/05/16 · 3 مشاهدة · 873 كلمة
Genzo
نادي الروايات - 2026