كان الصمت داخل غرفة ماركوس مختلفًا عن الصمت في أي مكان آخر مرّ به ألكسندر. لم يكن غياب صوت، بل وجود “ضغط معرفي” يجعل الأفكار نفسها تتحرك ببطء كأنها تمر عبر مادة كثيفة غير مرئية.

ماركوس لم يتكلم فورًا. كان ينظر إلى ألكسندر بطريقة لا تشبه التقييم، بل تشبه محاولة تذكّر شيء يراه أمامه لكنه لا يستطيع تثبيته في ذاكرته بشكل كامل.

أخيرًا قال:

“كم مرة قرأت الكتاب؟”

ألكسندر: “عدد القراءات غير مهم. المهم هو الاستجابة.”

ماركوس ابتسم ابتسامة قصيرة جدًا، وكأن الجملة أعادته إلى مكان قديم.

“هذه بالضبط أول جملة تقولها كل مرة تبدأ تفقد نفسك.”

توقف ألكسندر.

“أفقد نفسي؟ هذا توصيف غير دقيق.”

“بل هو توصيف متكرر.”

صمت.

ألكسندر وضع الكتاب على الطاولة بينهما.

“أريد نموذجًا واضحًا. هل هو نظام إدراكي يتغير حسب القارئ؟ أم كيان مستقل؟”

ماركوس نظر إلى الكتاب دون لمسه.

“أنت ما زلت تعتقد أن هذين خياران مختلفان.”

“لأنهما كذلك.”

“لا.”

توقف قصير.

“هما نفس الشيء عندما يصبح القارئ جزءًا من التفاعل.”

ألكسندر لم يرد فورًا. لأول مرة، لم يكن يبحث عن رد، بل عن ثغرة داخل الجملة.

“إذا كان القارئ جزءًا من النظام، فهذا يعني أن النظام غير مغلق. وبالتالي يمكن عزله أو تفكيكه.”

ماركوس هز رأسه ببطء.

“أنت تقول هذا لأنك لم تلاحظ بعد أين يقع ‘العزل’ الحقيقي.”

“وأين يقع؟”

نظر ماركوس إليه مباشرة.

“في تعريفك لنفسك.”

صمت ثقيل.

ثم أضاف:

“الكتاب لا يغير النص. هو يغير من يقرر أن هناك نصًا أصلًا.”

في تلك اللحظة، شعر ألكسندر بشيء غير مريح: ليس فكرة جديدة، بل فقدان القدرة على التأكد من أنه لم يفكر بهذه الفكرة سابقًا.

كأنها كانت موجودة داخله… وتم فقط إعادة ترتيبها.

أمسك الكتاب.

فتح الصفحة.

فارغة.

أغلقه.

“هذا لا يفسر الاستمرارية.”

ماركوس: “أي استمرارية؟”

“استمرارية التفاعل. يجب أن يكون هناك ذاكرة نظامية.”

ضحك ماركوس ضحكة قصيرة، بلا مرح.

“أنت تفترض أنك الطرف الثابت في التجربة.”

توقف ألكسندر.

هذه الجملة لم تكن جديدة بالكامل، لكنها كانت أخطر من أي جملة سابقة، لأنها لم تقدم معلومة… بل هزّت موقعه في الجملة كلها.

“إذا لم أكن الطرف الثابت، فمن أنا في هذا التفاعل؟”

ماركوس أشار إلى الكتاب.

“هذا السؤال هو بداية فقدان المرجع.”

صمت.

الهواء داخل الغرفة بدا أقل استقرارًا، ليس فعليًا، بل إدراكيًا. كأن كل جملة تُقال تجعل تعريف المكان أقل صلابة.

ألكسندر نهض قليلًا ثم جلس مرة أخرى.

“هذا غير مقبول.”

ماركوس: “ما الذي غير مقبول؟”

“أن يكون الإدراك غير قابل للنمذجة.”

توقف ماركوس لحظة، ثم قال بهدوء:

“وماذا لو كان النموذج هو ما يتم تعديله؟”

في تلك اللحظة، شعر ألكسندر بأن السؤال ليس سؤالًا جديدًا، بل كأنه نتيجة تأخرت في الظهور.

فتح الكتاب مرة أخرى دون وعي واضح بالدافع.

الصفحة هذه المرة لم تكن فارغة، لكنها لم تحتوي على نص أيضًا.

كانت تحتوي على جملة قصيرة جدًا:

“أنت بدأت تعيد تعريف ما تعتبره ‘سؤالًا’.”

تراجع خطوة.

ليس خوفًا.

بل لأن موقعه الداخلي في التفكير لم يعد ثابتًا بما يكفي ليبقى جالسًا.

ماركوس لم يتحرك.

“أخبرني بشيء واحد.”

ألكسندر: “تحدث.”

“هل ما زلت تتذكر أول سبب جعلك تفتح الكتاب؟”

صمت.

هذه المرة لم تكن المشكلة في الجواب.

بل في أن السؤال نفسه لم يجد مكانًا ثابتًا داخل ذاكرته.

كأن السبب… لم يكن موجودًا منذ البداية بشكل قابل للاسترجاع.

“أنا…” توقف.

أكمل بصوت أقل حدة:

“أنا كنت أبحث عن تفسير لظاهرة غير قابلة للتصنيف.”

ماركوس هز رأسه.

“هذه إجابة ليست لك وحدك.”

صمت طويل.

ثم قال ماركوس:

“كلنا نقول نفس الشيء عندما نبدأ بفقدان المرجع.”

في تلك اللحظة، لم يعد الكتاب في يد ألكسندر مجرد جسم.

بل أصبح احتمالًا مفتوحًا داخل إدراكه، لا يمكن إغلاقه بالكامل.

ولأول مرة منذ بداية كل شيء…

لم يعد متأكدًا إن كان هو من يمسك الكتاب.

2026/05/16 · 1 مشاهدة · 579 كلمة
Genzo
نادي الروايات - 2026