...
أصوات.
كانت أول ما وصل إلى سمعي.
لم تكن كلمات مفهومة، بل مجرد نغمات غريبة تتداخل مع بعضها، يصاحبها صوت احتراق الحطب داخل موقد قريب.
حاولت فتح عيني.
ضوء خافت تسلل إلى بصري.
سقف خشبي...
جدران خشبية...
ورائحة دافئة امتزج فيها الخبز الطازج بدخان الحطب.
رفعت يدي... أو بالأحرى، حاولت.
لكن يدي الصغيرة بالكاد ارتفعت بضع سنتيمترات قبل أن تسقط فوق صدري.
"...؟"
حدقت فيها بصمت.
كانت أصغر بكثير مما ينبغي.
أصابع قصيرة...
جلد ناعم...
وحتى حركتها لم تكن تحت سيطرتي بالكامل.
قبل أن أستوعب ما يحدث، اقترب وجه من مجال رؤيتي.
وجه رجل.
أو هكذا ظننته في البداية.
كانت ملامحه ناعمة بصورة غير مألوفة.
عينان واسعتان بلون أخضر فاتح، وشعر بني طويل مربوط خلف رأسه بعناية.
ابتسم بمجرد أن رآني مستيقظًا.
قال شيئًا بلغة لم أفهم منها شيئًا.
"......"
رمشت عدة مرات.
ما هذه اللغة؟
أين أنا؟
من هذا؟
لاحظ الرجل ارتباكي، فابتسم ابتسامة أوسع، ثم مد إصبعه وربت برفق على أنفي.
شعرت بالضيق.
عبست تلقائيًا.
فضحك.
ضحكة هادئة، دافئة...
وكأن عبوسي كان أمرًا لطيفًا بالنسبة إليه.
بعد لحظات حملني بين ذراعيه بحذر شديد.
كانت حركته مليئة بالخبرة.
يد تسند رأسي...
والأخرى تحمل ظهري.
وكأنه اعتاد فعل ذلك مئات المرات.
ثم بدأ يتمشى بي داخل المنزل وهو يهمهم بلحن بسيط.
راقبت المكان بصمت.
المنزل أكبر مما ظننته.
الأرضية من ألواح خشبية سميكة.
النوافذ صغيرة.
ولا وجود للكهرباء.
بدلًا منها، كانت مصابيح زجاجية يتراقص داخلها لهب أصفر هادئ.
هل هو متحف؟
لا...
كان كل شيء يبدو حقيقيًا أكثر من اللازم.
توقف الرجل أمام نافذة.
فتحها قليلًا.
اندفع هواء بارد إلى الداخل، حاملاً معه رائحة الأشجار المبللة.
ومن بين فتحة النافذة رأيت...
غابة.
واسعة.
كثيفة.
لا أثر للعمارات.
ولا السيارات.
ولا أعمدة الكهرباء.
فقط غابة تمتد حتى الأفق.
شعرت بشيء غريب يضغط على صدري.
أين أنا؟
قبل أن أتمكن من التفكير أكثر، دوى صوت خطوات ثقيلة خارج المنزل.
تبعها طرق قوي على الباب.
التفت الرجل فورًا.
وبدت على وجهه علامات ارتياح.
فتح الباب.
دخلت امرأة طويلة القامة.
كانت أطول منه برأس كامل.
بنية جسدها قوية، وكتفاها عريضان، وتحمل فوق ظهرها حزمة ضخمة من الحطب وكأنها لا تزن شيئًا.
وضعتها قرب الموقد بضربة واحدة.
ثم مسحت العرق عن جبينها.
تحدثت بسرعة مع الرجل.
لم أفهم كلمة.
لكن شيئًا واحدًا شد انتباهي.
الرجل بقي واقفًا يستمع إليها بهدوء، بينما هي كانت تتحدث بثقة، وتحرك يديها كثيرًا، وكأنها اعتادت إصدار الأوامر.
بعد لحظات...
التفتت نحوي.
ابتسمت.
ابتسامة واسعة مليئة بالحيوية.
اقتربت.
وقبل أن أفهم ما تنوي فعله...
رفعتني بكلتا يديها.
إلى الأعلى.
عالياً جدًا.
اتسعت عيناي.
ما الذي—
"أاااا!"
خرج صوت غريب من فمي.
ضحكت المرأة بصوت مرتفع.
بدأت ترفعني وتهبط بي كما لو كنت لعبة صغيرة.
الرجل شحب وجهه.
قال شيئًا بسرعة، بدا وكأنه يوبخها.
لكنها تجاهلته تمامًا.
بل ضحكت أكثر.
وأعادت الكرة.
شعرت أن قلبي الصغير سيتوقف.
كانت هذه المرأة مجنونة!
وأخيرًا، انتزعني الرجل منها بسرعة، وضمّني إلى صدره بحماية واضحة.
بدأ يتحدث إليها بنبرة غاضبة.
بينما كانت هي تضحك وكأن شيئًا لم يحدث.
...
مرت دقائق.
عاد الهدوء إلى المنزل.
أما أنا...
فكنت أحدق في الاثنين بصمت.
الرجل...
حنون بشكل مبالغ فيه.
والمرأة...
قوية، صاخبة، ومندفعة.
شعرت أن في الأمر شيئًا غير طبيعي.
لكن التعب غلبني قبل أن أصل إلى أي استنتاج.
بدأت عيناي تثقلان.
آخر ما رأيته...
كان الرجل يربت على رأسي برفق.
ثم ابتسم.
وأظلم كل شيء من جديد.